المسجد الأقصى

تم نشره في الجمعة 8 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • مشهد عام للمسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة - (أ. ف. ب)

د. محمد راتب النابلسي*

في المسجد يتعرف الناس إلى ربهم، ويتعلمون أحكام دينهم. وفيه يقفون على المنهج الأمثل لتطبيق هذه الأحكام، كما تقام فيه الصلوات وأنواع العبادات. وبدون المسجد، تؤول وحدة المسلمين إلى شتات، وتفرقهم الأهواء والشهوات. لذلك، سارع النبي، صلى الله عليه وسلم، منذ أن وطئت قدماه أرض المدينة، وهي أول دار للإسلام، سارع إلى بناء المسجد ليكون الركيزة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي.
روي أن تميماً الداري، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمل من الشام إلى المدينة، قناديل وزيتا وحبالا. فلما انتهى إلى المدينة، وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما له فربط الحبال، وعلق القناديل، وصب فيها الزيت، وجعل فيها الفتيل. فلما غربت الشمس أمر غلامه فأسرجها. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فإذا هي تزهر فقال: "من فعل هذا؟"، قالوا: تميم الداري يا رسول الله. فقال: "نوّرت الإسلام، نور الله عليك في الدنيا والآخرة، أما لو كانت لي ابنة لزوجتكها"، فقال نوفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله، تسمى المغيرة، فافعل بها ما أردت فزوجه إياها.
ويتعرض المسجد الأقصى، موطن سيدنا إبراهيم، ومتعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، المسجد الذي نوه الله به في الآيات المفصلة، وتليت فيه الكتب المنزلة، أولى القبلتين، وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.. هذا المسجد يتعرض اليوم لاعتداءات متكررة على بنائه، حيث تجرى أعمال الحفريات في حرمه وما حوله، بزعم التنقيب عن هيكل سيدنا سليمان. وحجة واهية تخفي وراءها نوايا عدوانية، تستهدف تخريب المسجد وإزالته من الوجود، وطمس هذا المعلم الإسلامي البارز من المعالم والمقدسات الإسلامية، وتدنيس فاضح لحرمة هذا المكان الطاهر.
هي مؤامرة تُحاك ضد هذا المسجد، إذ يحلم الصهاينة ببناء معبد يهودي على أنقاضه. لذلك هم ينشطون لإبراز مسجد قبة الصخرة على أنه المسجد الأقصى، تمهيداً لإزالته، وبناء المعبد المزعوم مكانه.
فمسجد قبة الصخرة الذي يبرزه الإعلام الصهيوني على أنه المسجد الأقصى بصورته المعهودة عند عامة الناس، ليس هو المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، بل هو مسجد الصخرة التي تم منها عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى.
وفي وصف القرآن الكريم المسجد الأقصى بالبركة، إيماءٌ قوي للعرب حملة رسالة الإسلام، وإلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أنه مفروض عليهم -وقد بارك الله حوله- أن يحفظوا له هذه البركة. ومتى اعتدي عليها، فعليهم أن يصطلحوا مع ربهم أولاً، ويعدُّوا لعدوهم ما يستطيعون من قوة ثانياً.. كي يحرروه، ويحرروا ما حوله من أيدي الغزاة، ويحيوا بتحريره سيرة فاتحيه الأبطال؛ عمر بن الخطاب، وصلاح الدين الأيوبي.
ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله؛ قال تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (البقرة، الآية 114).
فإن الخزي والعار في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة، جزاء من يمنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، ويسعى في خرابها. أما الذي يعمر مساجد الله بالبنيان، وينورها بالإيمان، فعمله هذا علامة مميزة، على صحة الإسلام، وصدق الإيمان، قال تعالى: "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ" (التوبة، الآية 18).
ولو انتقلنا إلى مدينة القدس، حيث المسجد الأقصى متعبد الأنبياء ومسرى خاتم النبيين، وعدنا القهقرى عبر البعد الزماني إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب العام خمسمائة وثلاثة وثمانين للهجرة، والموافق للثاني من تشرين الأول العام ألف ومائة وسبع ثمانين للميلاد، لوجدناه يوماً عظيماً تم فيه فتح مدينة القدس من قبل المسلمين وبقيادة البطل صلاح الدين، وتم تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين. وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمها البشر، ونسمع الألسنة وقد لهجت بالشكر. كما علت الرايات وعلقت القناديل، ورُفع الأذان وتُلي القرآن، وصفت العبادات وأُقيمت الصلوات وأديمت الدعوات، وتجلت البركات وانجلت الكربات وزال العبوس وطابت النفوس وفرح المؤمنون بنصر الله.
وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن أحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة، استحالوا رهباناً خُشعاً كأن على رؤوسهم الطير، في حرم المسجد. وها هو ذا خطيب المسجد، محي الدين القرشي قاضي دمشق، يصعد المنبر ويلقي خطبته، ولو ألقيت على رمال البيد، لتحركت وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة. لقد افتتحها بقوله تعالى: "فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأنعام الآية 45).
وها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته:
"أيها الناس ابشروا برضوان من الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم، من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع ويُذكر فيه اسمه، من رجس الشرك والعدوان.
ثم قال محذراً: إياكم، عباد الله، أن يستذلكم الشيطان، فيُخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد.. لا والله وما النصر إلا من عند الله.. فاحذروا، عباد الله، بعد أن شرَّفكم الله بهذا الفتح الجليل، أن تقترفوا كبيرة من مناهيه، انصروا الله ينصركم.. خذوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء".
وها نحن أولاء نخرج من المسجد الأقصى، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس. وها هو ذا يحدثنا فيقول: إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مُسالماً، ولا مُعاهداً، وإن من شاء منا خرج وحمل معه ما شاء، وإننا بعناهم ما فضُل من أمتعتنا، فاشتروها منا بأثمانها، وإننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة وتمدُّن، وصدق من قال: "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم (هاني سعيد)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    المسجد الاقصى الاسير ينادي الامة الاسلامية والعربية اذا كان ما زال لديهم بعض النخوة فاذا لم يجاهدوا من اجله هل الجهاد في اماكن اخرى بأمر الاسياد هو احق منه الكل غافل والكل سيحاسب على هذا العمل ، التهت الامة الاسلامية بقتال بعضها بعضا واستطاعوا ان يخترقوا صفوفهم بالطائفية والمذهبية اليست كلها تحت لواء الاسلام لماذا نفتح الباب لهؤلاء ونترك لهم المجال حتى يلهونا عن رسالتنا اين الحكماءء واين العلماء واين رسالتهم في هذا الموضوع - الاقصى يناديكم الاقصى في خطر انه مسجد كل المسلمين انه القبلة الاولى انه المكان المقدس - اللهم ارزقنا صلاة فيه قبل الممات - يارب
  • »القِبلة الأولى (عمر أبو زيتون)

    الجمعة 8 آذار / مارس 2013.
    جزاك الله خيرا شيخنا وعالمنا الجليل على هذا الموضوع والكلام الطيب الذي أتحفتنا فيه. ونسأله تعالى أن يوحد صفوف المسلمين ويبعث فيهم صلاح الدين ثانية ليحرر المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى ويعيده إلى حظيرة المسلمين وأن يرزقنا فيه صلاة قبل الممات.