مرونة السياسة الخارجية الأوروبية ضرورية لمعالجة مشكلات العالم

تم نشره في الأربعاء 6 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً

فايرا فيكي فرايبيرجا*؛ أنطونيو فيتورينو* - (بروجيكت سنديكيت) 2013
ريجا- لعقود من الزمان، تحسر الناس على تراجع قوة أوروبا السياسية العالمية. ولإضافة بعض الدقة إلى المناقشة، فقد ساعدنا في العام 2010 في كتابة أول بطاقة أداء للسياسة الخارجية يعدها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. وفي ذلك الوقت كتبنا -بطريقة معتدلة- أن أوروبا "تتشتت" بفعل أزمة اليورو. وبحلول نهاية العام 2012، كان بوسعنا أن نعتبر الأزمة أقل حدة. ورغم هذا، استمر زعماء أوروبا في تكريس المزيد من الوقت والجهد للقضايا المالية والمؤسسية مقارنة بالقضايا الجيوسياسية.
لا شك أن صورة أوروبا وقوتها الناعمة تراجعتا بشكل مستمر في مختلف أنحاء العالم (ولو أن هذا الاتجاه يصعب قياسه كمياً)، في حين استمرت الدول الأعضاء في خفض ميزانيات الدفاع والتنمية. ولكن الخبر الجيد هنا هو أن السياسة الخارجية الأوروبية لم تتفكك جراء الأزمة. بل إنها أظهرت بعض علامات التقدم.
فقد تمكن الاتحاد الأوروبي من الحفاظ على جوهر مكتسباته الدبلوماسية. والواقع أن تقييم أداء السياسة الخارجية الأوروبية في العام 2012 يُظهِر علامات متواضعة تشير إلى الاستقرار والمرونة. ورغم أن الاتحاد الأوروبي لم يسجل نجاحات بارزة مقارنة بالتدخل العسكري في ليبيا العام 2011، فإن أداءه كان جيداً إلى حد مدهش في مجال العلاقات الخارجية -وخصوصا في ضوء الأزمة العميقة التي ما يزال يصارعها.
فبادئ ذي بدء، تحسن تماسك السياسات الأوروبية في التعامل مع روسيا: فقد هدد الاتحاد الأوروبي باللجوء إلى آلية تسوية النزاعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية عندما أعلن الكرملين عن فرض تدابير حمائية جديدة في أواخر العام 2012. كما أطلق تحقيقاً لمكافحة الاحتكار ضد شركة الغاز الروسية العملاقة غازبروم، وانتقد انتهاكات حقوق الإنسان أثناء فرض الإجراءات الصارمة في مواجهة المظاهرات التي صاحبت انتخابات شهر آذار (مارس) التي أعادت فلاديمير بوتن إلى سدة الرئاسة.
وكانت هناك أيضاً دلائل أشارت إلى تحسن متواضع في علاقات أوروبا مع الصين، رغم افتقارها إلى الوحدة، وهو الأمر الذي استمر في تقويض نفوذها. كما أرسل الاتحاد الأوروبي بعثات جديدة إلى النيجر، وجنوب السودان، ومنطقة القرن الأفريقي تحت مظلة درع السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة -وهو ما لم يكن له مثيل في العامين السابقين.
وبطبيعة الحال، كانت هناك أيضاً بعض المجالات التي كان فيها أداء الأوروبيين أقل تحسنا. فقد عجزوا، أولاً وقبل كل شيء، عن كسر الجمود الدبلوماسي المحبط بشأن سورية، أو وقف تصعيد أعمال العنف بمرور الأعوام. كما ظل الأوروبيون منقسمين حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (ولو بدرجة أقل مقارنة بالعام السابق)، كما فشلوا في التأثير على التصويت في الأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) لرفع مستوى مكانة فلسطين. وناضلوا في سبيل تحقيق توجه مشترك للتعامل مع قضيتي أذربيجان وأوكرانيا، واستمروا في السعي إلى تأكيد نهج متماسك في التعامل مع تركيا مع استمرار توقف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ورغم كل ذلك، كان أداء الاتحاد الأوروبي في مجال السياسة الخارجية في العام 2012 إيجابياً في الإجمال. والآن، يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الزخم قد يستمر، وهو ما يتوقف بشكل كبير على ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيكون قادراً على التغلب على الأزمة الاقتصادية (التي تتفاقم وتزداد سوءاً في العديد من دول الاتحاد الأوروبي)، واستعادة النمو، والحد من البطالة. وفي هذا الإطار، كان زعماء أوروبا محقين في التركيز على حل الأزمة المالية في منطقة اليورو.
غير أن أي مكاسب أخرى فيما يتصل بالنفوذ العالمي سوف تتطلب من الأوروبيين أن يتغلبوا على انقساماتهم الداخلية، وأن يعملوا على تحسين عملية تنسيق السياسة الخارجية. وسوف يتطلب النجاح بشكل خاص تحويل هيئة العمل الخارجي الأوروبية إلى دائرة دبلوماسية فعّالة وقادرة على تحويل موارد الاتحاد الأوروبي الضخمة إلى قوة حقيقية.
إن المستقبل القريب سوف يحمل معه قائمة متنامية من التحديات. وهناك بالفعل مؤشرات ترد من شركاء استراتيجيين أساسيين، والتي تدلل على أنهم بدأوا بالنظر إلى أزمة اليورو باعتبارها "الوضع الطبيعي الجديد"؛ أو أنهم بعبارة أخرى يخططون لمستقبل حيث تستمر قوة أوروبا في التآكل.
 والواقع أن افتقار أوروبا إلى استراتيجية دفاعية جماعية، فضلاً عن تراجع الاستثمار في القدرة العسكرية، يشكل أيضاً عقبة خطيرة أمام استمرار نفوذها العالمي بوصفها كياناً فاعلاً على الصعيد الأمني.
وهذا يزيد من أهمية حرص هيئة العمل الخارجي الأوروبية على التوفيق بين السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة وجهود السياسة الخارجية الأوسع نطاقاً. وهي مهمة عسيرة، نظراً لبنية الاتحاد الأوروبي الحالية. ومن المؤكد أن شبح الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً.
ومن جهة أخرى، يعمل انتقال "محور" الولايات المتحدة باتجاه آسيا على زيادة الضغوط المفروضة على أوروبا لحملها على التعامل مع جوارها القريب. فرغم أن سياسية الاتحاد الأوروبي الخارجية في التعامل مع روسيا أصبحت أكثر فعالية، فإن التوترات كانت في تصاعد -وقد تستمر في التصاعد. وكان انعدام الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي الذي شكل مصدراً متنامياً للقلق في العام 2012، سبباً في الدفع بإحدى دول الاتحاد الأوروبي في الشهر الأول من العام 2013 إلى خوض حرب في منطقة لا تبعد كثيراً عن أعتاب أوروبا. ومن المرجح أن يظل لزاماً على الأوروبيين أن يتعاملوا مع تداعيات محاولة استيلاء جماعات متمردة إسلامية على مالي في الوقت نفسه من العام المقبل، في حين من المحتم أن تظل العواقب الطويلة الأمد الناجمة عن التطورات في منطقة الساحل محسوسة لأعوام مقبلة.
رغم خطورة أزمة اليورو، استمرت آلة صناعة القرار في مجال سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية (على حالها) في العمل وأداء وظيفتها طيلة العام 2012، وبنتائج ناجحة نسبياً. ولكن مجرد تدبر الأمور بالحد الأدنى من النجاح لن يكون كافياً لمعالجة التحديات التي من المرجح أن تواجهها أوروبا هذا العام. وسوف يكون لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يبذل المزيد من الجهد وأن يحسن من سوية أدائه. وسوف نظل متمسكين بالأمل في أن يكون الاتحاد الأوروبي على مستوى النهوض بالمهمة.


*فايرا فيكي فرايبيرجا: هي رئيسة لاتفيا سابقا. وأنطونيو فيتورينو: هو مفوض الاتحاد الأوروبي البرتغالي السابق للشؤون الداخلية والعدالة.
خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة بروجيكت سنديكيت، 2013.

التعليق