مشهد السياسة المصرية: مؤشرات قاتمة

تم نشره في الثلاثاء 5 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً
  • ما يجري في السياسة المصرية الآن.. أكثر من زوبعة في إبريق شاي- (أرشيفية)

تقرير خاص  (الإيكونوميست)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
لدى المصريين سبب وجيه للشعور بالخوف من الأخبار المحلية التي تظهر في بلدهم هذه الأيام. وإذا لم يكن ذلك بسبب الأحداث، مثل الحادث الضخم الغريب الذي أسفر عن مقتل 18 سائحاً، أو وفاة تسعة قرويين سقطوا، واحداً تلو الآخر، في مُنهُل مفتوح، أو وباء الجراد الذي يجتاح منطقة البحر الأحمر، فسيكون ذلك بالتأكيد نتيجة لشيء لا يقل قتامة على الأقل: السياسة المصرية. فبعد عامين من الانتفاضة التي أطاحت بنظام حسني مبارك، ما تزال الأحوال العامة في البلد غير مستقرة وبالبؤس القديم نفسه، وما تزال مصر عرضة للحوادث كما كان حالها دائماً وكل الوقت.
قد يبدو من الجيد، على سبيل المثال، أن الرئيس محمد مرسي حدد مؤخراً موعداً، 22 من نيسان (أبريل) المقبل، لإجراء انتخابات برلمانية جديدة. وفي الحقيقة، لم يكن لدى مصر مجلس نواب تشريعي منذ حزيران (يونيو) عندما عمدت المحاكم إلى حل البرلمان الأخير بعد الإعلان عن القواعد الانتخابية التي قررت أنه غير منصف. كما أن مجلس الشعب، الذي تم انتخابه العام الماضي بمشاركة شعبية بلغت نسبتها بالكاد 10 %، ظل يعمل كهيئة لسن القوانين المؤقتة. وتجعل هيمنة الإسلاميين عليه بنسبة 85 %، بقيادة جماعة السيد مرسي الخاصة، الإخوان المسلمين، من مداولاته موضع شك واشتباه في نظر الكثيرين.
وهكذا، وبعد إعلان الرئيس الأخير، سارعت كتلة المعارضة الرئيسية، جبهة الخلاص الوطني، وهي تحالف فضفاض من الجماعات غير الإسلامية، إلى إعلان نيتها مقاطعة انتخابات نيسان (أبريل). وبتشجيع من الانتقادات الشعبية المتزايدة للسيد مرسي وحزبه، والمصحوبة بالاضرابات واحتجاجات الشوارع، تقدمت الكتلة بسلسلة من المطالب التي تجاهلها الرئيس حتى، أو أنه استجاب لها بوعود ضعيفة.
الآن، ربما ينبغي على السيد مرسي، الذين استولى على الرئاسة في حزيران (يونيو) الماضي بهامش ضئيل من 3 % فقط، أن يحمل خصومه على محمل أكثر جدية. ويشير استطلاع للرأي صدر مؤخراً عن "بصيرة"، المركز المصري لبحوث الرأي العام المتعاطف مع الإخوان، إلى أن شعبية الرئيس قد تراجعت من نسبة مرتفعة بلغت 79 % في تشرين الأول (أكتوبر) إلى 49 % فقط في الشهر الماضي.
ويشعر العديد من المصريين العاديين بالسأم والقلق من الاضطرابات الثورية، وهم لا يشاركون العلمانيين تخوفهم الفطري من الإخوان. ومع ذلك، يصبح هؤلاء المصريون أكثر استياء باطراد، سواء من أسلوب البلطجة الذي يستخدمه السيد مرسي، أو من تركيز حكومته على المسائل الضيقة والهامشية. وكانت الحكومة قد دفعت في الأسابيع الأخيرة بقوانين تحظر بيع المشروبات الكحولية في بعض المناطق، ووضعت ضوابط شديدة للدولة على المنظمات غير الحكومية، وكل ذلك على حساب تحقيق تحسينات ملموسة في حركة المرور المتعطلة، وارتفاع مستويات الجريمة، ووحشية الشرطة، والفساد على المستويات الصغيرة، أو الأنظمة المروعة للصحة العامة والتعليم.
ومع ذلك، يعرض الاستطلاع المذكور القليل من السلوى لخصوم السيد مرسي. فلم يكن أكثر من ثلث المستجيبين قد سمعوا حتى بجبهة الخلاص الوطني. ومن بين أولئك الذين سمعوا بها، قالت أغلبية إنها لا تؤيدها. ويمثل قادة الجبهة طيفاً واسعاً ومتبايناً من وجهات النظر العلمانية، والتي تمتد من أقصى اليسار إلى اليمين المكون من بقايا شخصيات نظام السيد مبارك.
وعندما اقترحت بعض فصائل المعارضة في الآونة الأخيرة أن الجيش، الذي كانت إدارته للبلاد قبل تولي السيد مرسي السلطة غير منظمة وفوضوية، ربما ينبغي أن يتولى المسؤولية مرة أخرى، عمدت فصائل أخرى إلى معارضة ذلك بوصفه غير عادل وغير مشروع. لكن هؤلاء جميعاً يمكن أن يتفقوا على الاختلاف مع السيد مرسي حول الدستور المثير للجدل، والذي استطاع تمريره في كانون الأول (ديسمبر). ويعلو رأس قائمتهم من المطالب: تعيين مجلس وزراء أوسع إطاراً، وإجراء تغيير في قوانين الانتخابات التي أصدرها الرئيس كمرسوم في الشهر الماضي، وإقالة مدعيه العام. ومع أن هذا المطالب تبقى جيدة من حيث المبدأ، فإنها لا تلقى صدى كبيراً لدى الجمهور بوجه عام.
وبالإضافة إلى ذلك، تواجه الجبهة العلمانية صعوبات أخرى أيضاً. فرغم شعبيتها المتراجعة، ما تزال جماعة الإخوان المسلمين تتمتع بانضباط هائل وتحتفظ بآلة انتخابية جيدة التأهيل. كما توجد للإسلاميين الآخرين على يمينها؛ مثل حزب النور، وهو جماعة سلفية، شبكات واسعة على مستوى الجذور والقواعد الشعبية، والتي لا يستطيع العلمانيون مجاراتها. ورغم أن السلفيين ينتقدون السيد مرسي علناً أيضاً، فليست لديهم اعتراضات على أجندة الأسلمة التي يتبعها، كما أنهم سيكونون سعيدين بالترشح للمناصب من دون وجود منافسين علمانيين.
وبعبارة أخرى، وكما حدث في كثير من الأحيان منذ سقوط السيد مبارك، تواجه مصر خيارين لا تحسد عليهما. ففي حال مضت الانتخابات قدماً، فإنها ستنتج على الأرجح نسبة مشاركة منخفضة، وستعمق حالة الاستقطاب الخطير والصارخ بين العلمانيين والإسلاميين، وستلقي مزيداً من الشكوك على شرعية حكومة يقودها الإخوان المسلمون. أما في حال رضخ السيد مرسي للضغوط، وقام بتأجيل التصويت واستوعب مطالب غير الإسلاميين، فإن البلاد ربما ستواجه المزيد من عدم اليقين بعد.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Egyptian politics: Grim tidings

التعليق