البطالة والأمن: نقاط محورية للحوار الوطني التونسي

تم نشره في الاثنين 4 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • تونسيون يتظاهرون احتجاجاً على مقتل شكري بلعيد - (أرشيفية)

نورا سليمان ولمياء حاتيرا* – (كومون غراوند) 1/3/2013

تونس- بالمقارنة مع سورية ومصر واليمن وليبيا، تميّز التحول التونسي إلى الديمقراطية، رغم أنه ما يزال في مراحِله الناشئة، بهدوء سياسي أسطوري. وتتغير المناصب الحكومية في تونس هذه الأيام بمرور كل ثانية، ويحتاج المرء إلى تركيز كبير ليبقى على علم بالأخبار كافة، حيث تنحلّ التحالفات وتتشكل تحالفات جديدة ويتم تجديد ائتلافات قديمة. من الصعب في جو دينامي كهذا تحديد مصالح مشتركة كأساس لحوار وطني. إلا أن التونسيين يستطيعون التوحد، رغم النزاعات السياسية أو الاختلافات في الأوضاع الاقتصادية، حول رغبة مشتركة في تحقيق أوضاع أمنية فضلى وفرص عمل متزايدة.
صوّت التونسيون يوم 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، برباطة جأش مثيرة للإعجاب لحكومة ائتلافية عُرِفَت بالترويكا بقيادة حمادي جبالي من حزب النهضة كرئيس للوزراء، ومصطفى بن جعفر من التكتل كرئيس للمجلس التأسيسي الوطني، والمنصف المرزوقي من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية رئيساً.
ورغم وجود انتقادات شعبية من قبل أحزاب المعارضة وأنصارها لصعود الحكومة الجديدة إلى السلطة، كان العديد من التونسيين على استعداد لإعطاء فرصة للعملية الديمقراطية التي أتت بهذه الأحزاب إلى السلطة.
إلا أن الميزان السياسي اهتز مرة أخرى في 6 شباط (فبراير) 2013، عندما أطلِقَت النار على شكري بلعيد، المحامي البارز والعضو القائد في حزب الجبهة الشعبية التونسي اليساري، والناقد المتحمّس لحزب النهضة الحاكم، فقُتِل أمام منزله في تونس. وتجمّعت عشرات الآلاف من التونسيين للتظاهر سلمياً في معظم الحالات أثناء جنازة بلعيد في تونس، بينما استمرت الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية المتردّية والأوضاع الأمنية عبر البلاد، وخصوصا في قفصة وصفاقس وسيدي بوزيد، المكان الذي يفترض أن الثورة بدأت منه في العام 2010. ولم يُعرف بعد من هو المسؤول عن مقتل بلعيد.
وبعد اعترافه بفشله في تشكيل حكومة غير حزبية من التكنوقراط، والتوسّط في حل الجمود السياسي في بلده، استقال رئيس الوزراء حمادي الجبالي من الحكومة. وقال وزير الداخلية السابق والعضو في حزب النهضة، علي العريض، والذي تم تعيينه رئيساً للوزراء، للشعب التونسي: "سوف ندخل مرحلة تشكيل حكومة جديدة ستكون لجميع التونسيين، رجالاً ونساءً، وتأخذ بالاعتبار حقيقة أن للرجال والنساء حقوقاً ومسؤوليات متساوية." وهو على وشك إعلان نتائج التغيير الوزاري الذي سيحدد أدواراً جديدة للوزراء الحاليين والقادمين.
بالنسبة للكثيرين، تكون "الحقوق والمسؤوليات المتساوية" مشروطة بشعور من الأمن الوطني. وبينما يعتاد التونسيون على حقبة ما بعد بن علي، اختفت منذ فترة طويلة مشاعر الأمن الذي ترعاه الدولة. وخلال الأسبوع الماضي، صادر رجال الحرس الوطني التونسي رشاشات كلاشينكوف هجومية وقذائف أر بي جي وذخائر ومتفجرات في بلدة المنيهلة في ضواحي تونس العاصمة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم العثور فيها على مخازن للأسلحة.
ورغم الاختلافات في الآراء بين التونسيين حول ما إذا كان من الضروري أن تتأثر الدولة رسمياً بالإسلام؛ دين غالبية التونسيين، أو ما إذا كان من الضروري الفصل بين الدين والدولة، لم تكن هناك في يوم من الأيام ثقافة للسلاح في تونس. ومع بدء ظهور السلاح في أيدي السكان العاديين، فإن غالبية التونسيين عبروا، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، عن قلقهم من هذه التوجهات.
وإضافة إلى ذلك، قال 92 % من التونسيين إن الأوضاع الاقتصادية الجيدة هي الأولوية الكبرى، وذلك في استطلاع أجراه مشروع توجهات بيو العالمية في شهر تموز(يوليو) الماضي. كما ذكر 78 % من التونسيين أنهم غير راضين عن الاتجاه الذي تتخذه تونس. فمنذ تموز (يوليو)، لم يتحسن وضع الدولة، كما لم تتغير آراء مواطنيها.
يدمّر شعور تونس الهش بالأمن الاقتصاد الوطني. وقد قامت هيئة التصنيف العالمية "ستاندرد أند بورز" بتخفيض تصنيف الائتمان للحكومة التونسية إلى BB-، مشيرة إلى عدم الاستقرار السياسي كسبب جذري لهذا التخفيض. ومع انخفاض معدلات السياحة والاستثمارات الخارجية، ومعدل تضخم بلغ 10 %، تبدو آمال تعافي الاقتصاد التونسي الذي كان نشطاً في يوم من الأيام، مزرية.
يتضح في أوساط التونسيين أن أسباب البطالة لا تعود إلى انعدام المبادرة من جانب العاطلين عن العمل فحسب، وإنما كذلك إلى انعدام جهود الحكومة لحل المشكلة. وبالإضافة إلى ذلك، يبقى هناك افتقار إلى الطلب من أصحاب العمل، وهي مشكلة لا يمكن حلها إلا من خلال تحسّن الوضع السياسي والاقتصادي للدولة، الأمر الذي يتطلب مشاركة جميع التونسيين، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية.
وفي الوقت الذي ينادي فيه العديد من التونسيين بإقامة حوار وطني لحل الجمود الراهن، فإن قلّة هم الذين لديهم منظور واضح لما يعنيه ذلك في الحقيقة. ولا يمكن أن يكون الحوار وحده نهاية للنزاع والتوترات، وإنما الوسيلة التي يمكن من خلالها حل المشاكل الحالية بأسلوب تعاوني. وذلك يتطلب التوافق على المصالح المشتركة، وهي في هذه الحالة الرغبة في تحقيق الأمن الاقتصادي الحقيقي، التي ينبغي أن تجمع الأحزاب التونسية كافة وأنصارها بطريقة غير مباشرة حول طاولة المفاوضات.


*نورا سليمان" منسقة خريجي MEPI في المعهد الأميركي لدراسات المغرب في تونس. *لمياء حاتيرا: مستشارة متخصصة في البحوث والتقييم ودراسات الجدوى في القارة الأفريقية.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع خدمة "كومون غراوند" الإخبارية.

التعليق