الرحلة إلى إسرائيل لم تنته بعد

تم نشره في الاثنين 18 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

هآرتس

تسفي بارئيل
17/2/2013
"من ناحيتي شخصيا، فاني ما أزال أحلم في أن نلقي باسرائيل الى البحر"، يقول الصحفي المصري البهاء حسين للكاتب والمسرحي علي سالم. "هذا لانك تريد حلا ساحقا، بضربة واحدة"، يجيبه سالم، الذي سجل اسمه في مصر بصفته من زار اسرائيل في 1994 بعد التوقيع على اتفاق اوسلو. "هذه أفكار رومانسية، اذا ما تجاهلنا أيضا امكانية تطبيقها على الاطلاق"، يضيف سالم. "كل أصحاب الافكار الرومانية في التاريخ ارادوا أن يجعلوا البلاد جنة عدن بضربة واحدة. هذا لن يحصل. وانت تفكر بان الحل الوحيد هو لإزالتهم من على وجه الارض. هذا لا يحتمل، مثلما هي ازالتك عن سطح الأرض ليست ممكنة بالنسبة لهم. ولهذا فلا سبيل آخر غير التفاوض معهم. عليك أن تنزل من سماء الرومانسية الى الواقع الصلب".
 15 كتابا و27 مسرحية لسالم، مثل مئات مقالاته اللاذعة، التي تكتب بدعابة ساخرة، مفعمة بالمعرفة الهائلة. فهو يتحدث عن اوبيديوس وكأنه صديقه، وعن هوميروس وكأنهما كانا يلعبان معا في الروضة. ولكن رجل العناقيد ابن الـ 77، المؤيد المتحمس للسلام، دفع ثمنا باهظا على "اخطائه". فبعد الزيارة الى اسرائيل ونشر كتابه بالعربية "الرحلة الى اسرائيل" (من اصدار "كيتر" 1995) أصبح سالم خائنا، ونزلت مسرحياته عن المسارح في مصر، ومقالاته لم تنشر في صحف النظام بل انه طرد من رابطة الصحفيين، الى أن رفع استئنافا وفاز فيه.
المقابلة الطويلة معه، التي نشرت هذا الاسبوع في "الاهرام" تمت رغم أن محرر الصحيفة، عبد الناصر سلامة، ورئيس مجلس الادارة، ممدوح الوالي، يعتبران مقربين من الاخوان المسلمين ومع أن الرجلين عينهما في منصبهما الرئيس محمد مرسي. مرت سنوات منذ عاد سالم من رحلته الى اسرائيل الى أن وافقت صحيفة مصرية "نهضة مصر" على نشر مقالاته. اما عن المقابلات فلا مجال للحديث. فقط درج الصحفيون من كل العالم على الوصول الى طاولته في الفندق القديم كارولين في القاهرة للحديث واجراء المقابلات معه. وسمعت اقواله في معظم الصحف الغربية والاسرائيلية، وصحف عربية مهمة مثل "الشرق الاوسط" و "الحياة" نشرت مقالاته، اما في الصحف المصرية الرسمية – فلا شيء.
وفي المقابلة مع "الاهرام" ايضا استبق الصحفي فأوضح: "لا أسمح لنفسي أن أعرب عن الرضى من زيارة سالم الى اسرائيل. ومع اني متأثر بكفاءاته، فلست مقتنعا بان الشياطين (الاسرائيليين) يمكنهم أن يكونوا إخوة طيبين يريدون السلام، أو انهم مستعدون لدفع ثمنه. ورغم ذلك، قابلته ليس من موقع الحكم عليَّ، فالغبار ترسب، ولكن كي أفهم دوافعه".
اما الغبار، كما ينبغي القول، فلم يترسب. في اوساط المثقفين المصريين، ما يزال اسم سالم يرتبط بالتعبير الكريه في نظرهم "التطبيع". رئيس رابطة المحامي، سامح عاشور، الناصري العلماني الذي دخل السجن في عهد حكم الرئيس أنور السادات على خلفية الانتقاد الحاد الذي وجهه لاتفاقات كامب ديفيد، اتهم هذا الاسبوع الاخوان المسلمين بالتطلع الى التطبيع مع اسرائيل. ووجهت اقوال عاشور نحو دعوة الناطق بلسان الإخوان المسلمين، عصام العريان الى الاسرائيليين من اصول مصرية للعودة الى وطنهم.
في كانون الثاني، عقد في شرم الشيخ مؤتمر للكتاب المصريين تقرر فيه "وجوب الحفاظ على هوية مصر وعمقها الثقافي والفكري. يجب التمسك بالموقف الثابت والمبدئي لكل المثقفين المصريين وكتابها في أنه يجب رفض كل اشكال التطبيع مع العدو الصهيوني".
في الشهر الماضي ايضا توجه بعض الصحفيين الى المحكمة الادارية العليا ورفعوا استئنافا على قرار مجلس الشورى بتعيين محررين جدد للصحف. وادعى المستأنفون ضمن أمور أخرى بأن أحد أعضاء لجنة التعيينات "أقام تطبيعا مع الكيان الصهيوني" في الوقت الذي هو أحد الشروط الاساس لتعيين محرري الصحف الا يكون المرشح قد تجاوز "منع التطبيع".
وستنشر المحكمة قرارها في اذار. والسؤال الذي سيكون قيد البحث هو كيف يعرف التطبيع. في تموز الماضي أوضح فتحي شهاب الدين، رئيس لجنة تعيين المحررين بان "المطبع هو من اتصل بالسلطات الرسمية وبمؤسسات اسرائيلية أو بشخصيات عامة في اسرائيل أو استمد منفعة ما من هذا الاتصال. أما من زار المناطق المحتلة وتلقى لهذا الغرض تأشيرة اسرائيلية لتنفيذ عمله الصحفي فلا يعتبر مطبعا".
الثورة في مصر لم تغير شيئا في موقف معظم المثقفين من اسرائيل. الليبراليون، العلمانيون، اليساريون واليمينيون، الذين يعارضون في معظمهم الاخوان المسلمين او كل ايديولوجيا سياسية دينية يرون في رفض التطبيع عنصرا أساسيا في هويتهم العربية، وليس بالذات المصرية. هذه  هوية ما تزال تتمسك بالنزاع الاسرائيلية – الفلسطيني بل واحيانا ايضا بشعارات التجنيد في الخمسينيات مثل "السرطان في جسد الامة العربية" كمرجعية سياسية. هم "الانقياء" الذين عارضوا اتفاق السلام مع اسرائيل والسياسة التي اتخذها السادات وحسني مبارك تجاه اسرائيل. الكثيرون منهم اكلوا من صحن النظام الدكتاتوري، وحتى اللحظة الاخيرة، تماما حتى رحيل مبارك، لم يتجرأوا على مدح الثورة.
"اسرائيل لا تريد السلام. وهي لا تعرف كيف تعيش بلا عدو"، يقول حسين لسالم. "اسرائيل، مثل كل شعب آخر، تريد السلام، ولكننا نحن لم نقرر ان نستخلص منه النفع"، يجيبه سالم. "كل الاتفاقات التي وقعت عليها، منذ ياسر عرفات وحتى ابو مازن، بقيت ميتة"، يهاجم حسين. "هذه خلافات. لا تنسى أنه عندما ثارت حركة حماس ضد السلطة الفلسطينية ونشأ الانقسام (بين فتح وحماس) اوقفت المفاوضات وكل فرصة للمفاوضات"، يواصل سالم.
"هل في أعماق قلبك تعترف بحق اسرائيل في الوجود على أرض سليبة؟"، يسأل حسين الذي يمثل "الخط الرسمي" لمعارضي التطبيع. "لست مشرعا، ولكني أعرف كيف ينشأ التاريخ. توجد شعوب تسيطر على أرض ما بدعوى أنها كانت فيها قبل 3 آلاف سنة. السؤال هو الى أين نريد أن نصل؟. أعتقد أن اقامة دولة فلسطينية مستقلة، تعيش بسلام مع جيرانها، هي الحل الوحيد للكراهية المتبادلة"، يجيب سالم.
ويشرح سالم لحسين بان "رحلته الى اسرائيل كانت رحلة مهنية. استخدمت دواليب السيارة كي أكتب كتابا. أردت أن اجيب على سؤالين: من هم الاسرائيليون وماذا يفعلون". "ومن هم؟".
"القيادة في اسرائيل هي اوروبية. تفكر بطريقة اوروبية وتحقق مصالحها بطريقة اوروبية. ولكن في نهاية المطاف، الاسرائيليون هم شرقيون. السوق اليمنية في تل أبيب تذكر بسوق الخضار المصرية قبل ستين سنة. هذه أمة تتشكل من أسس عديدة، العلاقة بينها تنبع من الهوية"، يصيغ سالم جوابه، وكأنه سعى الى عدم تشويش السائل بتعقيدات المجتمع الاسرائيلي. وفي كتابه يقشر المجتمع الاسرائيلي الى عناصره الاولية بسكين الجراح الحادة. وهو يميز، احيانا بغضب واحيانا بدعابة شريحة عن شريحة، "النماذج" الاسرائيلية الذين التقى بهم في طريقه، ويكشف أمام القراء الإسرائيليين ما لا يحبون أن يروه دوما. ولكن عندما يجلس امامه ممثل عدم التطبيع، لا يمكن للتفسير إلا أن يكون مبسطا وسطحيا.
"اسرائيل تحافظ على الديمقراطية لنفسها وتبقي الرصاص للفلسطينيين؟"، يحاول حسين اختراق السور المحب للسلام الذي ينصبه امامه سالم. "لا يوجد انسان ديمقراطي بل نظام ديمقراطي، واسرائيل هي كذلك. القتل متبادل. عندما لا يكون سلام يوجد قتل"، يشرح سالم. "ولكن أليست العقلية الاسرائيلية، التي تستغل المأساة "الكارثة" تميل الى الثأر؟" يحاول حسين التشخيص. "هم ليسوا أمة معذبة. صفحات تاريخهم سوداء. ولكن في نهاية المطاف هم بشر، لا يختلفون عن الآخرين"، يجيب سالم.
حسين يئس. فاذا كان سعى إلى ان يجد نبرة ندم في أقوال سالم، يخيل أن الكاتب المسرحي بالذات تعزز في ايمانه. قبل لحظة من توجه الصحفي للحديث عن كتب سالم، يبقى على لسانه سؤال واحد: "هل اسرائيل ستختفي من على وجه الارض؟" "لا"، يجيب سالم، ويخيل للمرء أنه يمكن أن يرى تثاؤبه.

التعليق