الأسطول الروسي في البحر المتوسط

تم نشره في الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

 

تسفي مغين  30/1/2013

في الأيام الأخيرة تجري في الحوض الشرقي من  البحر الأبيض المتوسط، أمام شواطئ سورية مناورة مشتركة للاسطول الروسي، بدأت في 22 كانون الثاني وتستمر حتى 29 منه. وقد وصف الروس هذه المناورة بأنها الاكبر منذ انحلال الاتحاد السوفييتي. ووصلت السفن التي شاركت فيها الى المنطقة من ثلاث ساحات بحرية مختلفة: البحر الاسود، البحر البلطيقي والمحيط الشمالي. وتجري المناورة في ساحتين بحريتين بالتوازي – في البحر المتوسط وفي البحر الاسود. وتشارك فيه 23 سفينة، قوات من سلاح الجو الاستراتيجي والدفاع الجوي. بما في ذلك عشر سفن حربية، من وحدات صاروخية، وسفن دفاعية، وسفن حراسة، وأربع بارجات وناقلات نحو ثلاثمائة محارب وعشر وحدات صاروخية وغواصتان احداهما نووية والاخرى تسير على الديزل. وباقي السفن هي للإسناد. القوة تحمل سلاحا نوويا (ذكرت أيضا صواريخ نووية تكتيكية في الغواصتين). وتجري قيادة المناورة بشكل استثنائي من رئيس الأركان الروسي مباشرة. مناورة مشابهة، وان كانت بحجم اصغر، نفذت ايضا في صيف 2012. ويشار الى أنه في السنتين الاخيرتين تعمل في المنطقة موضع الحديث سفن روسية بشكل جارٍ.
وبالتوازي مع بدء المناورة، تم إخلاء 77 مواطنا روسيا في سورية، عبر لبنان، في طائرتين ارسلتهما لهذا الغرض وزارة الطوارئ الروسية. ليس واضحا اذا كان هذا إخلاء طوارئ حقيقي أم مناورة. يحتمل أن يكون المخلون هم الممثلية الروسية في حلب، والتي تغلق هذه الايام، بسبب الوضع الامني في المكان. وعلى أي حال، فقد نفت السلطات الروسية نفيا قاطعا نيتها اخلاء مواطنيها من سورية والذين يبلغ عددهم ثمانية آلاف شخص ومن المعقول الافتراض ان العدد اكبر من ذلك. كما أن السلطات الروسية تنفي كل نية لاستخدام الاسطول، الذي يشارك في المناورة الآن، لمهمات الإخلاء وان كانت لا تنفي وجود خطط احتياط في هذا الشأن.
والى جانب كل ذلك، فإن الوجه المثير للاهتمام في المناورة موضع الحديث هي بالذات جملة الرسائل التي نشرت في وسائل الاعلام الروسية في الايام الاخيرة ويفهم منها بأن المناورة تستهدف عمليا الردع في موضوع سورية. والى ذلك يجدر ذكر التصريحات التالية: ليست هذه مناورة بحرية لغرض المناورة البحرية، بل استعراض للقوة الروسية، يرافقها تعزيز للتواجد في البحر المتوسط؛ المناورة ترتبط بالمواجهة العالمية وتعبر عن نوايا روسيا كدولة عظمى؛ المناورة ترتبط بالوضع في الشرق الاوسط، والذي يخلق تهديدا على حدود روسيا وحلفائها؛ المناورة ترتبط بالوضع في سورية والذي وصف كخطير وتستهدف ردع نوايا التدخل (من الغرب، الدول السنية، تركيا) في سورية. وفي خلفية ذلك، يفسر الروسي التقارير عن استخدام الأسد للاسلحة الكيميائية كغطاء على نوايا مستقبلية محتملة لتنفيذ مثل هذا التدخل. وفي النهاية ذكر في السياق السوري أيضا موضوع حماية منطقة الشاطئ العلوية، تمهيدا لإخلاء محتمل للأسد الى هذه المنطقة، بهدف التمترس فيها كخط دفاع اخير وخلق دولة علوية.
وبالتوازي مع بدء المناورة أطلقت ايضا تصريحات سياسية، ضمن تصريحات اخرى من وزير الخارجية الروسي لافروف، في مؤتمر صحفي تناول الشرق الاوسط. وجاء في هذه التصريحات أنه لا يوجد تغيير في سياسة روسيا في الموضوع السوري. ويؤمن الروس بالحل عن طريق الحوار بين الاطراف ويواصلون مساعيهم للاتصال بالمعارضة السورية (في هذه المناسبة حذر ايضا الولايات المتحدة واسرائيل من الهجوم على ايران). اضافة الى ذلك، فإن السلطات الروسية تعود الى الاعلان بأن ليس في نية روسيا تنفيذ تدخل عسكري في سورية وان ليس في نيتها ايضا تزويد سورية بسلاح هجومي وإرسال خبراء ومشغلي منظومات قتالية الى هناك. وبالتوازي وعد الرئيس بوتين بالمساعدة للرئيس اللبناني سليمان الذي يزور موسكو.
ومن كل ما طرح أعلاه ترتسم صورة تبعث على التساؤلات بالنسبة لجوهر المناورة والرسائل المرافقة له. فهل هذه مناورة أم نشاط تنفيذي يرمي الى الدفع الى الامام بأهداف استراتيجية روسية؟ هل الامر يرتبط بالاحداث الاخيرة في سورية رغم حقيقة أن المناورة خطط لها وأعدت منذ زمن بعيد، على نحو منفصل عن هذه الأحداث؟ واذا كان كذلك، فهل الرسائل التي ترافقها هي استغلال تواجد الاسطول في المنطقة، أم أنها هي ايضا مخطط لها مسبقا؟ على اي حال، يمكن الاستنتاج بأن المناورة التي خططت في موعد سابق لتكون سبيلا لعرض العلم وتعزيز التواجد في المنطقة المهمة للروس، اضيفت اليها أهداف جديدة، على الأقل على مستوى الرسائل:
1.الاقوال التي قيلت بنبرات لاذعة، قد تعكس استعدادا روسيا للصعود درجة في الاحتكاك مع الغرب. وذلك على خلفية الاحتداد الاخير في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، سواء في السياق السوري أم ايضا وبالاساس في السياق العالمي والثنائي، على حد سواء.
2.تقدير روسي بأنه توجد بالفعل استعدادات لتدخل عسكري في سورية، بمناسبة استغلال مسألة استخدام الاسلحة الكيميائية أو تسربها الى جهات غير مرغوب فيها. وفي هذا السياق فإن مصلحة الروس هي العمل على ردع هذه النوايا.
3.سبب ممكن آخر هو احتدام وضع الأسد، الذي من شأنه أن يكون مطالبا بالانسحاب الى المنطقة العلوية، الأمر الذي يلزم الروس بحماية هذه الخطوة من البحر.
4.لا ينبغي أيضا استبعاد جوانب أخرى غير الجانب السوري مثل استخدام المناورة كرافعة ضغط على تركيا، خصم روسيا، التي تتحداها في مناطق مصالحها. وكذا مصلحة روسيا في توسيع تواجدها ونشاطها في البحر المتوسط لتطوير التعاون مع شركاء آخرين في المنطقة (مثل اليونان، قبرص وربما مالطا)، حيث تزورها جميعها السفن الروسية في اثناء المناورة.
يمكن لتحليل سبل العمل المحتملة هذه ان يشير الى الامور التالية. تحت غطاء المناورة، بعثت روسيا بقوة بحرية كبيرة الى منطقة قتالية حساسة. مجرد التواجد المؤكد للاسطول الروسي في المنطقة، حيث تجري مواجهة متصاعدة، في هذا الوقت، يشكل قولا واضحا. وتترافق هذه الخطوة الروسية مع رسائل واضحة جدا، تدل على أنه الى جانب استعراض عام للقوة، يدور الحديث عن جهد ردعي في الملعب الروسي. ولكن، من جهة أخرى، فإن القدرات الروسية في هذا المجال محدودة بالنسبة لمنافسيها في البحر المتوسط وعلى أي حال في الساحة الدولية. في هذا السياق يجدر بالذكر صمت وسائل الإعلام الغربية، الأمر الذي يثير التساؤلات في الطرف الروسي. يبدو أن الغرب، أي الولايات المتحدة، يبث رسالة تفيد بأنه لا يتأثر بالسلوك الروسي هذا اكثر مما ينبغي. وفي ضوء هذه الأمور، فإن استعراض القوة الروسية يشبه الدعوة المثيرة للشفقة من نوع "امسكوني".
من هنا يمكن الاستنتاج بأن تواجد القوة الروسية يستغل لواحدة من الإمكانيتين التاليتين: 1. تحريك الولايات المتحدة للوصول الى تفاهمات مع روسيا في موضوع التسوية في سورية. في هذا السياق، صحيح أكثر أن نرى ذلك كخلاف على مستوى الثمن الذي سيتعين على الولايات المتحدة أن تدفعه لروسيا مقابل التفاهمات في السياق السوري. 2. واذا لم تتحقق التفاهمات المرغوب فيها مع الغرب، ففي نية روسيا، فضلا عن تأييدها العام للأسد، أن تخلق ظروفا تساعدها على الانتشار في المنطقة العلوية، من خلال حماية خط الشاطئ وتوفير الردع ضد التدخل. اذا كان هذا صحيحا يبدو أنه عمليا استعداد للشروع في تفكيك سورية.

التعليق