فوضى العراق.. المزيد من السوء

تم نشره في الخميس 10 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً
  • عراقيون يحتجون على أوضاع بلادهم في يوم غضب شعبي - (أرشيفية)

روبرت درايفوس* — (ذا نيشن) 4/1/2013  
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لا تسير الأمور على ما يرام في العراق. وقد لا يكون العنف هناك وصل بعد إلى نفس المستويات السائدة راهناً في سورية، حيث تدور رحى حرب أهلية واسعة النطاق أفضت إلى مقتل ما يقدر بنحو 60.000 شخص منذ العام 2011، لكن آخر التقارير الواردة من بغداد تقول إن نحو 4471 مدنياً قتلوا في العراق في العام 2012. ويسجل هذا الرقم ارتفاعا عن العام 2011 الذي كان قد شهد مقتل 4059. ويبدو وكأن الأمور تسير نحو الأسوأ في العام 2013.
وبعد عشرة أعوام من غزو العراق الذي كان بقيادة المحافظين الجدد -والذي يجب أن يشار إلى أنه كان حرباً عدوانية ضد بلد بريء لم تكن له روابط مع الإرهاب ولم يكن يتوافر على أسلحة الدمار الشامل، ولم يسبق له أن هاجم الولايات المتحدة أبداً- ما يزال العراق يشهد فوضى عارمة. وقد ساعدت الحرب الدائرة في الجارة سورية في إعادة إشعال فتيل التمرد الذي يقوده السنة في شمالي وغربي العراق، وخاصة في محافظتي الموصل والأنبار.
وقد كثف نظام رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يصبح سلطوياً باطراد من حملته ضد حالات الاحتجاج، سواء كان سلمياً أم غير ذلك. ومنذ مغادرة آخر القوات الأميركية في نهاية العام 2012، تحول المالكي بقوة نحو إيران، ووجه اتهامات زائفة إلى النائب السني للرئيس العراقي وأفرج عن إرهابي من حزب الله الشيعي خلافاً للرغبة الأميركية، وسمح لإيران بنقل إمدادات عبر العراق لمساعدة حليف طهران في دمشق. وهو يبادر الآن إلى خوض قتال سياسي ضد وزير المالية العراقي السني. ولو كانت لدى المالكي أي نية لمحاولة المحافظة على توازن بين الولايات المتحدة وإيران، فإن ما يبدو راهناً هو أنه قد تخلى عن محاولة فعل ذلك. ومن شأن الانهيار المحتمل لحكومة الرئيس الأسد في سورية أن يجلب إلى سدة السلطة نفوذاً سنياً ستكون السطوة فيه للإخوان المسلمين والعناصر الأكثر راديكالية، بما فيها تنظيم القاعدة. وفي الواقع، يقوم السنة في سورية مسبقاً بالتنسيق مع السنة المعادين للمالكي في العراق بطريقة تدفع ببغداد وطهران إلى التقارب أكثر فأكثر.
وكان الهجوم على وزير المالية العراقي قد تسبب في تنظيم تظاهرات سلمية جماهيرية في أجزاء من العراق، بما فيها الأنبار، فيما يهدد المالكي باستخدام القوة ضد المحتجين. وفي الأثناء نفذت المجموعات الأكثر راديكالية في العراق في العام الماضي موجة تلو الموجة من تفجيرات السيارات والاغتيالات التي أسفرت عن مقتل المئات.
وفي مظهر لا يختلف كثيراً عن الأسد وعن الرئيس المصري السابق حسني مبارك من قبله، وجه المالكي اللوم إلى مؤامرات وعناصر خارجية حمّلها مسؤولية التسبب في الاحتجاجات، بما فيها "أعداء العملية السياسية والمجموعات الإرهابية المسلحة وفلول النظام السابق" بالرغم من أن الاحتجاجات قد نظمت من جانب عدة آلاف من العراقيين العاديين. ومن جهته، عمد رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، ذو الفكر الثوري، والذي يعد شوكة في خاصرة المالكي منذ أعوام، إلى تحريك الحس القومي مرة أخرى مهدداً بدعم الاحتجاجات المعادية للمالكي. وقال: "إن الربيع العراقي قادم". وهو تعليق ينطوي على نذر نظراً لأنه يجيء من الصدر الذي كان قد سمح للمالكي بتجميع أغلبيته الحاكمة في البرلمان.
وفي مقال له في صحيفة "ذا ناشيونال انترست" لاحظ هنري جيه باركي أن الحرب في سورية المجاورة تهدد، وعلى نحو خطير، سيطرة المالكي، وجاء في مقاله:
"اليوم، يبدو العراق متماسكاً على نحو هزيل. والعنف آخذ في التصاعد، ويستعرض المالكي بازدياد ميوله السلطوية فيما هو يدفع قدماً بأجندة لم تكسبه أي أصدقاء في المنطقة. ولم يعطه السعوديون أي شيء وهم يريدون رؤيته وهو يذهب. وقد جعل من رئيس الوزراء التركي عدواً له حيث يتهم كل منهما الآخر بأنه يضع المصالح الطائفية في مقدمة المصالح والاستقرارالإقليميين. وكانت تركيا قد قدمت اللجوء لنائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي كان قد هرب بعد توجيه تهم إليه تتصل بمساعدة فرق الموت السنية على العمل في بغداد. وقد يكون هذا الشق المنطقي مألوفاً بالنسبة للعديد من العراقيين السنة الذين يقولون في الواقع: "لقد عاد العثمانيون إلى استانبول، والأمويون باتوا على وشك إعادة غزو دمشق، وبعدهم ستعود القوة العباسية السنية إلى بغداد".
ثم يخلص باركي إلى القول: "إن انتصاراً سنياً في دمشق سيعني بالضرورة تحولاً في ميزان القوى الطائفي الإقليمي".
لكن الحال أكثر تعقيداً، لأن الأكراد الذين اقتطعوا لأنفسهم إقطاعية شبه مستقلة في شمالي العراق قد يعيدون إحياء محاولتهم نيل استقلال كامل. وفي وسط كل هذا، هناك (الشركة النفطية الأميركية العملاقة) "إكسون" والتي تحاول بطريقة غير قابلة للتفسير التنقيب عن النفط الذي يجري التنازع عليه بشدة بين أكراد العراق وعربه.
من جهته، قال سامي العسكري عضو البرلمان وموضع ثقة رئيس الوزراء نوري المالكي: "كان رئيس الوزراء واضحاً. إذا وضعت إكسون قدماً على هذه الأرض، فإنها ستواجه الجيش العراقي". وأضاف: " نحن لا نريد الحرب، لكننا سنذهب إلى الحرب دفاعاً عن النفط والسيادة العراقية".
ومن جهتهم، يتحرك الأكراد باتجاه أقرب إلى تركيا التي لها مصالح ضخمة في سورية والعراق. وإذا رأت الحكومة الإقليمية الكردية أن القوة السنية تكسب في العراق وسورية، فإنها قد تنضم إلى تركيا مما يذهب بالشق ضد المالكي إلى مزيد من السوء. ويقول باركي: "بالرغم من أن الحكومة الإقليمية الكردية لا تبيت النية في الوقت الحاضر لاستهلال عملية تفضي إلى استقلال قانوني وبحيث يأتي الانقسام الرسمي المناطقي للعراق، فإنها لن تتوانى في إعلان الاستقلال إذا وقع العراق ضحية لقوى مركزية تنبثق عن الصراع السني الشيعي".
وليس هناك الكثير مما تستطيع الولايات المتحدة عمله في هذا المجال. ولعل أفضل شيء يمكن أن يحدث هو التوصل إلى اتفاقية بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي المتنازع عليه، ما قد يتمخض عنه تقارب بين إيران والولايات المتحدة. وسيكون من شأن ذلك تخفيف حدة الشقاق السني الشيعي في المنطقة.
وفي واشنطن، يبدو أن بعض الاستراتيجيين الحمقى يعتقدون بأن الولايات المتحدة قد تكسب من خلال المساعدة في تجميع التكتل السني الإقليمي ضد إيران وباقي حلفائها، لكن ذلك التفكير أحمق لسببين: أولاًً، لأنه من المرجح أن يقود إلى حرب؛ وثانياً لأن السنة، بمن فيهم الإخوان المسلمون، ليسوا على علاقات حميمة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. والتكتل الإقليمي بقيادة العربية السعودية والإخوان المسلمين ليس شيئاً ينبغي أن تستشرف الولايات المتحدة إمكانية البناء عليه.


*محرر مساهم في مجلة "ذا نيشن" وصحفي استقصائي في الكساندريا بولاية فرجينيا متخصص في السياسة والأمن القومي. وهو مؤلف كتاب "لعبة الشيطان: كيف ساعدت الولايات المتحدة في إماطة اللثام عن الإسلام المتشدد".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 The mess in Iraq

التعليق