أهي وفاة حل الدولتين؟

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً
  • فتى يلوح بالعلم الفلسطيني في مواجهة أحد جنود الاحتلال - (أرشيفية)

ليهي بن شطريت، ومحمود الجرابعة* – (فورين بوليسي) 3/1/2013
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
على الرغم من أن عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية شهدت فترات طويلة من الجمود على مدى السنوات العشرين الماضية، فإن غالبية الفلسطينيين والإسرائيليين لم يتوقفوا عن دعم أهدافها النهائية. ومع أنهم اختلفوا حول الخطوط الكونتورية والملامح العامة للمفاوضات، والشروط المسبقة، والتوقيت، إلا أنهم اتفقوا على الدوام حول أكثر الأشياء أهمية: صلاحية حل الدولتين، والقبول بالاعتراف المتبادل بحق كل منهما في تقرير المصير. وقد أظهرت استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني منذ توقيع اتفاق أوسلو هذه الحقيقة مراراً وتكراراً. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن العام 2013 يمكن أن يكون المنعطف الذي ربما يتغير فيه هذا كله.
ويبين أحدث استطلاع إسرائيلي فلسطيني مشترك، والذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2012 أن أغلبية من الإسرائيليين (65 %) والفلسطينيين (62 ٪) يعتقدون الآن بأن فرص التوصل إلى اتفاق نهائي متدنية جداً إلى غير موجودة أصلاً. وفي إسرائيل، وعلى عكس انتخابات العام 2009 التي كان فيها يسار الوسط والتكتل اليميني متعادلين تقريباً، فإن من المرجح أن تفرز الانتخابات المقرر إجراؤها في كانون الثاني (يناير) 2013 فوزاً سهلاً لنتنياهو الصقري وتحالف ليبرمان المتشدد. ويهيمن على اللاعبيَن الرئيسيين في هذا الائتلاف -المكون من حزب الليكود وحزب إسرائيل بيتنا (اللذين اندمجا في قائمة موحدة)- ساسة يرفضون بعناد نموذج حل الدولتين، بل إن بعضهم يدعون صراحة إلى قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية.
ويحدث الشيء نفسه لدى الفلسطينيين. ففي العام 2006، قال 66 % من الفلسطينيين أنهم يؤيدون الاعتراف بإسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي في سياق اتفاق سلام شامل. ومع ذلك، تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن مستوى التأييد لفكرة الاعتراف المتبادل قد انخفض إلى مستوى متدن بشكل غير مسبوق ليصل إلى 40 %. والآن، تعتقد غالبية من الفلسطينيين (57 ٪) بأن حل الدولتين لم يعد صالحاً. وعلاوة على ذلك، وإذا ما جرت انتخابات في أي وقت قريب، فإن من المتوقع أن تفوز بها حماس، وهذه المرة ليس بسبب فضائلها كمنظمة ديمقراطية ومزود غير فاسد للخدمات الاجتماعية. وقد ترتب على حماس بعد فوزها في انتخابات العام 2006 الوطنية الفلسطينية القيام بانقلاب خطابي وأيديولوجي من أجل التأشير على بعض الانفتاح على التحقق المحتمل لحل الدولتين. والحقيقة أن حماس لم تفز في تلك المرة بسبب موقفها الرافض للسلام، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن نحو
75 % من الفلسطينيين يريدون من حماس أن تتفاوض على اتفاق سلام مع إسرائيل. وفي حين أن هذا كان واقع الحال في العام 2006، فقد عملت سنوات من حكم حماس في غزة على تغيير صورتها. وينظر أكثر من 60 % من الفلسطينيين إلى المؤسسات التي تسيطر عليها حماس في غزة على أنها فاسدة، ويعتقد 61 % أنهم لا يستطيعون انتقاد حماس دون خوف من العقاب. ولذلك، لن يكون انتصار حماس هذه المرة نتيجة لقدرتها على الحكم، وإنما بسبب موقفها الرافض للسلام. وبعد حرب غزة الأخيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، أصبح غالبية الفلسطينيين يفضلون استراتيجية حماس السياسية (60 ٪) على استراتيجية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وحركة فتح (28 %) لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من نجاح عباس في رفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.
ولكن، ما الذي يعنيه ذلك للعام 2013؟ في إسرائيل، سوف يكون ائتلاف نتنياهو أقوى وأكثر تشدداً بعد انتخابات كانون الثاني (يناير). ومن غير المرجح أن يكون نتنياهو راغباً، أو أنه سيكون قادراً على القبول بشرط عباس للعودة إلى المفاوضات -تجميد البناء في المستوطنات. وعلى الجانب الفلسطيني، يوجد حالياً دعم قوي للمصالحة بين فتح وحماس. وإذا حدث ذلك، فإن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستلي، ويتوقع لحماس أن تحقق الفوز فيها أيضاً. وفي هذه الحالة، سيكون قد تم انتخاب الحكومات الجديدة في إسرائيل وفلسطين على قاعدة تفويض بمواصلة رفض التقدم نحو حل الدولتين.
في ظل غياب المصالحة بين فتح وحماس، سيكون لدى الفلسطينيين خياران. الأول هو التعبئة والتحشيد لإقامة تظاهرات سلمية كبيرة مستوحاة من الانتفاضات العربية. وتظهر النتائج الأخيرة للاستطلاعات زيادة كبيرة في الدعم لفكرة المشاركة في الاحتجاجات السلمية مقارنة بالمواقف الشعبية الفلسطينية قبل الربيع العربي. وعندما سُئل الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس الشرقية في أيلول (سبتمبر) 2012 عما إذا كانوا سيشاركون في تظاهرات غير عنيفة تقوم على إغلاق طرق الجيش والمستوطنين والاحتجاج عند نقاط التفتيش، قال 59 % منهم إنهم سيفعلون. ومع ذلك، وهنا نأتي إلى الخيار الثاني، هناك أعداد متزايدة من الفلسطينيين ممن يقولون، بعد الحرب الأخيرة في غزة (والتي يعتقد 80 ٪ من الفلسطينيين بأن حماس كسبتها) أن المقاومة المسلحة هي الطريقة الأكثر فعالية للتعامل مع إسرائيل. ويبين آخر استطلاع في شهر كانون الأول (ديسمبر) أن 41 % من الفلسطينيين يعتقدون بأن العودة إلى شن هجمات مسلحة ضد قوات الدفاع الإسرائيلية والمستوطنين في الضفة الغربية هي أفضل استراتيجية للنهوض بالأهداف الفلسطينية (30 % فقط يعتقدون بأن المفاوضات هي الطريق التي ينبغي سلوكها). وقد حظيت صفحة الفيسبوك الرسمية الجديدة للانتفاضة الفلسطينية الثالثة، والتي أطلقت في 28 أيلول (سبتمبر) 2012، بالفعل بأكثر من نصف مليون معجب "Like". وتروج اللغة على الصفحة لكل من العمل غير العنيف والعنيف معاً، وهي تعكس المواقف الشعبية بين الفلسطينيين.
وهكذا، يبدو أن الفترة الماضية الطويلة من تعليق عملية السلام قد تمكنت من إقناع الإسرائيليين والفلسطينيين أخيراً بأن حل الدولتين لم يعد صالحاً. ويعتقد 81 % من الفلسطينيين الآن بأن هدف إسرائيل هو ضم الأراضي الفلسطينية، فيما يعتقد 60 ٪ من الإسرائيليين بأن الهدف الفلسطيني هو قهر إسرائيل جميعاً. وفي العام 2013، يرجح أن تستمر حماس والحكومة الإسرائيلية في العمل على ترسيخ المزيد من هذه التصورات. ولعل الأمل الوحيد الذي تمتلكه الرؤية القديمة لحل الدولتين هو أن معظم الإسرائيليين والفلسطينيين يعارضون بعمق خيار حل الدولة الواحدة البديل بقدر ما لا يعتقدون بأن حل الدولتين هو أمر قابل للتحقق والحياة.


*ليهي بن شطريت: أستاذ مساعد في كلية الشؤون العامة والدولية في جامعة جورجيا الأميركية، أثينا. محمود الجرابعة، هو مؤلف كتاب "حماس: مسيرة مترددة نحو السلام" (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2010). وهو مرشح لنيل درجة الدكتوراه في قسم العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية، جامعة فريدريش ألكسندر إيرلانغن من نورمبرغ، ألمانيا.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 Death of the Two-State Paradigm?

التعليق