النزاع في سورية: اللهب يزداد انتشارا

تم نشره في السبت 29 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

بوعز بسموت - اسرائيل هيوم

"العالم مكان عيش خطير لا بسبب الناس الذين يسيئون بل بسبب الذين لا يفعلون شيئا للتغيير". تذكرنا يوم الاحد هذا الاسبوع للمرة التي لا يعلم أحد كم هي منذ بدأت الأحداث في سورية في آذار 2011 مقتبسين من كلام ألبرت آينشتاين. في مركز محافظة حماة قتل عشرات المواطنين السوريين كانت جريمتهم كلها أنهم كانوا في الصف ينتظرون الفرن ساعات طويلة لشراء الخبز. وكان ذلك ايضا هو الاسبوع الذي أُبلغ فيه ان الرئيس السوري بشار الأسد بدأ يستعمل السلاح الكيميائي على الثوار. ما تزال سورية تنزف والعالم مع البنادق والضمادات ما يزال يقعد متنحيا وينتظر.
أُضيفت بلدة حلفايا هذا الاسبوع إلى سلسلة طويلة من بلدات في سورية تحدث فيها الفظاعة وكانت شهادة اخرى على السهولة التي لا تحتمل التي يقرر فيها زعماء عرب ذبح أبناء شعبهم. وتبرز الفظاعة في سورية بروزا خاصا لأن النظام وكل أبناء الطائفة العلوية الذين يؤيدونه قد استدخلوا في أنفسهم منذ زمن ان الحديث عندهم بخلاف تونس ومصر واليمن بل ليبيا، عن حرب حياة أو موت. وكان واضحا للجميع انه لا يؤخذ أسرى في "الربيع" السوري. فليس عجبا ان بلغ عدد الضحايا 45 ألفا بحسب معطيات منظمات حقوق الانسان في سورية. ولا يتنازل أي طرف ولا يستسلم أي طرف.
"الانسان هو أكثر الحيوانات توحشا"، قال فريدريخ نيتشه، وقد قال هذا قبل ان يحظى بمعرفة عائلة الأسد. لم يعرف الأب ولا الابن ومن المؤكد انه لم يعرف روح القدس التي لا مكان لها في هذه العائلة البربرية. بعد الاسبوع الأخير لم يعد شك في ان الأسد سيمضي في هذه المرحلة أو غيرها إلى الجحيم. لكن اذا كان يوجد شيء ما ايجابي مؤكد بالنسبة اليه فهو انه حينما سيلقى أباه حافظ، فانه سيستطيع ان يفخر أمامه بأفعاله ويتلقى منه نصائح جليلة.
اتهمت احدى المنظمات السورية الرائدة والأكثر نشاطا فيما يتعلق بحقوق الانسان النظام السوري هذا الاسبوع بأنه يستعمل السلاح الكيميائي. وقالت المنظمة المذكورة ان ستة مقاتلين على الأقل يتبعون قوى المتمردين قُتلوا في الليلة بين يوم الاحد ويوم الاثنين في حي الخالدية في مدينة حمص بعد ان استنشقوا غازا أطلقته عليهم قوات الجيش السوري.
ليس واضحا عن أي غاز يدور الحديث، لكن تُبين شهادات ميدانية ان "سحابة دخان ارتفعت في الجو في اللحظة التي أصابت فيها القذائف المطلقة جدارا". وتم الزعم في تقرير آخر ان اربعة متمردين آخرين يضافون إلى الستة الذين قتلوا بسبب استنشاق غاز سام يعانون شللا وأصيب اربعة آخرون بعمى. وأبلغت جهات معارضة سورية أن الدخان المنبعث يسبب الدوار والصداع القوي ونوبات صرع.
لم يعرفوا في واشنطن كيف يُفسرون الأخبار التي وردت من سورية بل صعب على الثوار في سورية أن يُعرفوا الهجمات بأنها كيميائية لأنه لم يتضح لهم ان الحديث عن سلاح محظور. ومهما يكن الأمر فان التقدير هو ان النظام السوري استعمل لأول مرة نوعا من السلاح الكيميائي، ويحاول الثوار ان يُعظموا ذلك الأمر قدر المستطاع.
من جملة اسباب ذلك الرأي العام الدولي والرأي العام في روسيا خاصة – فقد بُيّن في موسكو برغم تأييد النظام السوري ان استعمال السلاح الكيميائي هو قضاء على نظام الأسد. ومع ذلك طلب وزير الخارجية الروسي لافروف ان يُبين هذا الاسبوع ان الخطر الأكبر هو ان يقع السلاح الكيميائي في أيدي الثوار ومنهم منظمات تتبع القاعدة والجهاد العالمي.
 ينتظرون السقوط
ان الخوف في الغرب هو من ان يستعمل الأسد السلاح الكيميائي اذا شعر بأنه يفقد السيطرة على الدولة بصورة نهائية. ويعلم الأسد جيدا ان استعمال السلاح الكيميائي "خط احمر" ستكون له تأثيرات دولية. وبيّنت واشنطن جيدا بوساطة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ان استعمال السلاح الكيميائي سيوجب عملية أميركية.
ولما كان الرأي العام في أميركا لا يتحمس تحمسا خاصا لمغامرة عسكرية اخرى في الشرق الاوسط فان واشنطن لا تسارع إلى قبول المعلومات عن استعمال سلاح كيميائي باعتبارها معلومات صادقة. وربما من اجل ذلك دعت منظمات المعارضة السورية منظمة الصليب الاحمر الدولية إلى ان ترسل فورا فريقا طبيا إلى مدينة حمص حيث يحاصر الجيش بعض الأحياء منذ أشهر. واهداف ذلك هي علاج المصابين والفحص عن الغاز غير المعروف في الأساس.
"لا شك في انه استُعمل غاز وإن كان من الواضح ان ليس الحديث عن غاز السارين"، قال طبيب سوري طلب عدم الكشف عن اسمه. بل تتحدث تقارير مختلفة عن استعمال سلاح غير معروف على مواطنين لا في حمص وحدها بل في حماة وإدلب ايضا. "الحديث في أكثر الحالات عن نوع جديد من غازات سامة لأنه يصعب على الاطباء ان يحددوا ما هي المادة السامة"، قال هذا الاسبوع متحدث جيش سوريا الحر، لؤي المقداد.
أن مبعوثة القناة الفرنسية "فرانس 2"، التي زارت مدينة حمص هذا الاسبوع لم تأت هي ايضا ببراهين على استعمال سلاح كيميائي، لكن صور السوق المدمرة في المدينة أدهشت المشاهدين. فالأسد لا يرحم حياة الناس ويضر بمواقع تاريخية محفوظة كتلك السوق المدهشة الجمال.
ينبغي ان نذكر ان وسائل الاعلام العربية عامة أبلغت هذا الاسبوع في توسع ان نظام الأسد يستعمل سلاحا كيميائيا. بل ان شبكة "الجزيرة" كشفت عن ان طائرات في خدمة النظام ألقت قذائف تحتوي على مادة سامة على أحياء في مدينة حمص. وتريد نظم الحكم العربية على العموم التي توجد لها جميعا اليوم تقريبا صلة ما بالاخوان المسلمين ان ترى سقوط واحد من النظم العلمانية الاخيرة التي ما تزال باقية، أعني نظام الأسد.
ما تزال جزائر عبد العزيز بوتفليقة وحدها التي يساعد جيشها الرئيس في الحفاظ على السلطة وخفض رؤوس الاخوان المسلمين كلما رفعوها، ما تزال تؤيد الأسد في الحلقات الدولية وفي لقاءات الجامعة العربية. ان وزن الجزائر أقل كثيرا من وزن قطر أو من وزن العربية السعودية اللتين تصادم احداهما الاخرى على نحو عام لكنهما في الحالة السورية تتمنيان معا سقوط الطاغية من دمشق.
بلا هوادة
وفي خلال ذلك ما يزال بشار الأسد باقيا في قصره وإن كان التقدير ان نظامه المتضعضع بلغ مرحلته الاخيرة، بل تم الابلاغ هذا الاسبوع في صحيفة "الغارديان" البريطانية ان المتحدث السابق عن نظام الأسد جهاد المقدسي يتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. والمقدسي بحسب ذلك البلاغ، الذي فر من الدولة في نهاية تشرين الثاني، يساعد الاستخبارات الأميركية على فهم كيف تتخذ القرارات في قدس أقداس النظام السوري.
لم تحب المعارضة السورية المصافحة المهذبة جدا بين ممثل الامم المتحدة والجامعة العربية الجزائري الاخضر الابراهيمي، والرئيس الأسد هذا الاسبوع في قصر الرئاسة في دمشق، فقد جاء الابراهيمي في زيارة ليومين للتباحث في وجود حل للصراع السوري العنيف ومحاولة التوصل إلى مصالحة مع الأسد.
على حسب تقرير للصحيفة الفرنسية "لافيغارو"، ستأتي المصالحة المحتملة برعاية الولايات المتحدة وروسيا، ولم يُحب الثوار هذه الفكرة فالأسد عندهم لم يعد جزءا من المعادلة بل يجب عليه ان ينصرف.
سُمح لمبعوث الامم المتحدة ان يلتقي في دمشق مع جهات من المعارضة السورية لكنها جهات حصلت على شهادة احلال من السلطة. وقال هؤلاء بالطبع ان كل حل يمكن ان يوجد مع الأسد نفسِه فقط. وبالمناسبة وصل الابراهيمي إلى موسكو في نهاية هذا الاسبوع.
لكننا لن نتذكر من الاسبوع الماضي تأميل الأسد مصالحة تنقذه بل الصدوع التي أخذت تتسع في القيادة العليا السورية إلى حد أنها ستفضي آخر الامر إلى نهاية النظام الوحشي.
لم يحجم نائب الرئيس فاروق الشرع في المدة الاخيرة عن انتقاد معاملة رئيسه للثوار. وقد ذُكر الشرع وهو وزير الخارجية الاسطوري السني في حالات كثيرة باعتباره الشخص الذي يستطيع ان يقود سورية – مؤقتا على الأقل – بعد مغادرة الأسد، بل كانت اشاعات بأنه فر، بيد ان من كان راعي الأسد في البدء ما يزال قويا في الصورة.
يوجد في القيادة السورية العليا اليوم في واقع الامر تياران متشاحنان. الحرس القديم الذي ورثه بشار عن أبيه ويؤيد توجها مهادنا وتنازلات ما للمتمردين للحفاظ على جزء من السلطة على الأقل. ويعتقد الشرع والمشاركون في ذلك التوجه ان الرئيس الأسد يستطيع من موقع قوة ما يزال باقيا في يديه ان يداور بحيث يبقى للطائفة العلوية في سورية قدرة على تأثير ما.
وفي مقابلهم يؤيد الحرس الشاب استمرار الصراع مع الثوار بلا هوادة وبلا تنازلات. ويبدو ان الأسد قد اختار في هذه الاثناء التوجه الهجومي. فلما كان الصراع في الدولة عنيفا بصورة خاصة أصبح الأسد يدرك ان هناك مكانا للجانب المنتصر فقط في سورية اليوم، فهو يرى ان المنتصر يأخذ كل شيء.
وهو إلى ذلك يرى ان ربيع الشعوب العربي لم يُحسن إلى الزعماء الذين فضلوا "الاحسان" إلى الشعب قُبيل النهاية.
ان التنازلات في العالم العربي تُرى ضعفا. فقد أنهى زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر وعلي عبد الله صالح في اليمن عملهم في اللحظة التي حددوا فيها مدة حكمهم. وفي شأن معمر القذافي كان الامر يختلف شيئا ما لأنه لولا التدخل الدولي، أعني تدخل حلف شمال الاطلسي، لأمكن جدا ان يكون ما يزال باقيا معنا في 2013.
ان وحشية الأسد تحظى اذا بتأييد الحرس الشاب من القيادة الذي لا يشتمل فقط على ممثلين من أبناء الطائفة العلوية، ففي هذا الجسم الحاكم سنيون ودروز ايضا.
يمكن ان نجد بين المجموعة المؤثرة جدا في الرئيس أخاه العقيد ماهر الأسد (44 سنة) قائد الفرقة الرابعة المسؤولة عن أمن دمشق والقصر الرئاسي.
وينتمي أخوال الرئيس وأبناء أخواله رجلا الاعمال محمد مخلوف (80 سنة) ورامي مخلوف (44 سنة) ورجل الأمن الرفيع المستوى حافظ مخلوف (41 سنة) إلى تلك المجموعة التي تطمح إلى ان ترى صراعا لا هوادة فيه.
وفي النهاية وفي الليل حينما يمضي الأسد لينام يسمع كلاما مشابها من زوجته الحسناء أسماء – سنية – التي كانت إلى زمن غير بعيد نجم المجلات الغربية وهي تدعو زوجها اليوم إلى عدم وقف المعركة بأي ظرف.
يوجد في تلك المجموعة الضيقة كما قلنا من قبل درزيان ايضا هما منصور عزام (52 سنة)، وهو الوزير المسؤول عن الشؤون الرئاسية، ولونا الشبلي، وهي صحفية سابقة في "الجزيرة". ويمكن ان نضيف اليهما ايضا الجنرال علي مملوك (66 سنة) المسؤول عن الأمن الداخلي ورستم غزالة (59 سنة) مدير الأمن السياسي.
"هذه مجموعة الاشخاص التي يصغي اليها الأسد واليها فقط"، يقول خبير بشؤون سورية يفضل من اجل أمنه الشخصي ان يبقى مجهولا بسبب زياراته المتقاربة لدمشق والعلاقات التي ما تزال له بالقيادة السورية.
سيموت أو يفر
في المقابل أدرك فاروق الشرع وجنرالات الجيش السوري انه لن يوجد في الوضع الحالي أي حسم للصراع الدامي، في الزمن القريب على الأقل وأنه يجب عليهم ان يُظهروا المسؤولية وان ينقذوا ما بقي من اجل الدولة ومن اجل النظام.
قال الشرع في مقابلة صحفية أجراها مع الصحيفة اللبنانية المؤيدة لسورية "الأخبار" وهو الذي عمل وزيرا للخارجية السورية 22 سنة، قال ان الأسد "لا يخفي رغبته في الانتصار بوسائل عسكرية".
وقال الشرع في تلك المقابلة الصحفية ان الأسد يمسك بزمام السلطة وان جميع مواقع القوة تحت سيطرته لكنه تحفظ ايضا وقال انه "توجد اليوم في النظام السوري عدة مواقف تعارض مواقف الرئيس الأسد".
وفي اثناء ذلك، في اثناء كتابة هذه السطور تقريبا، ارتفع عدد الضحايا في سورية إلى 45 ألفا. وتُبين معطيات منظمة حقوق الانسان "أو.اس.دي.اتش" ان 31544 منهم مدنيون (منذ 15 آذار 2011)، أما سائر الضحايا فهم جنود يكملون العدد الذي لا يمكن تصوره والذي سيبقى في ارتفاع في نهاية الاسبوع القريب ايضا.
وبالمناسبة يضاف إلى هذه المعطيات بحسب منظمة "أو.اس.دي.اتش" المنشقون عن جيش الأسد الذين يبلغ عددهم 1511.
ان رئيس سورية هو أبغض شخص في سنة 2012 وقد كسب هذا باستحقاق لأن وحشيته وعدم جديته تجاوزا كل حد. واذا لم يبق في السنة القريبة فينبغي ايضا ان نفترض أننا لن ننساه سنين طويلة بعد. من كان يصدق ان الوريث سينجح في التفوق على أبيه؟ يصعب على سورية إلى اليوم ان تهضم الـ 20 ألف قتيل في حماة في 1982 وها هو ذا بشار قد نجح في ايقاع ضعف ذلك من عدد الضحايا.
اختار طبيب العيون السوري ان يطفىء الحريق الكبير الذي شب في بلده بالزيت. فليس عجبا ان أخذ اللهب يزداد اتساعا، وليس عجبا ايضا انه مع استراتيجية كهذه سيبلغ بعض ذلك اللهب الينا ايضا. والسؤال الكبير هو هل يموت الأسد في بلده أم يفر منها. وكل سؤال آخر حول الأسد اليوم غير ذي صلة.

التعليق