الاتحاد الأوروبي: إسرائيل تبث رسالة هدامة

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً


y net
شمعون شتاين

27/12/2012

أربعة أعضاء الاتحاد الأوروبي، الأعضاء في مجلس الأمن، بريطانيا، فرنسا، المانيا والبرتغال ارتبطوا معا (مشهد لا يتكرر في مطارحنا) ونشروا بيانا (19 كانون الاول 2012) ينتقد قرار حكومة اسرائيل حث بناء المستوطنات في الاراضي المحتلة. وبعملها ذلك، فان اسرائيل تبث رسالة هدامة (devastating). وجاء البيان في ختام نقاش اجري في الموضوع، في مجلس الامن (19 كانون الاول 2012) في اثنائه لم يتمكن اعضاء المجلس (بسبب الاعتراض الاميركي) من نشر بيان شجب مشترك. بيان الاربعة يشكل سجلا أخيرا في المعركة الحالية، التي بدأت في تصويت أعضاء الاتحاد على مشروع القرار لمنح مكانة دولة مراقب غير عضو للسلطة الفلسطينية. واستمرت – بقرار حكومة اسرائيل توسيع البناء في شرقي القدس وفي المناطق، الامر الذي أدى كما كان متوقعا الى تصريحات نقدية من جانب الاتحاد.
قرارات حكومة اسرائيل في مسألة المستوطنات، والتي تجر بشكل تلقائي ردود فعل تصريحية من جانب الاتحاد الاوروبي كهيئة، وكذا من جانب عدد متزايد من الاعضاء (مثل المانيا التي كانت تمتنع عن ذلك في الماضي) اصبحت مع مرور السنين طقوسا دائمة. حتى اليوم اكتفى أعضاء الاتحاد بنشر تصريحات وامتنعوا عن اتخاذ خطوات عقابية أليمة (القرار بشأن الاشارة الى البضائع المنتجة خلف خطوط  1967 لم يكن بالضرورة خطوة أليمة). أما حكومات إسرائيل التي اعتادت على رد فعل الاتحاد فلا تتأثر (إن لم نقل تنفعل) اكثر مما ينبغي، وذلك انطلاقا من الاحساس المستند إلى التجربة بعيدة السنين في أنه لا توجد نية لاعطاء هذه التصريحات اي تعبير عملي. ومن هنا يتبين أن الفعل (اي استمرار البناء)  يستحق دفع الثمن، وهو الذي يستهدف في نظر حكومة اسرائيل خدمة المصالح القومية الاستراتيجية. وعلى خلفية التشدد الاخير في صيغة التصريحات من جانب الاتحاد، وكذا من جانب عدد متزايد من الاعضاء، يطرح السؤال هل في ضوء الاحساس الاوروبي في أن استمرار عملية البناء، ولا سيما في القدس، سيقضي على حل الدولتين، نجدنا نقف أمام تغيير في موقف الاتحاد. بتعبير آخر، هل يعتزم الاتحاد وضع خطوط حمراء في موضوع المستوطنات الخروج عنها يجر خطوات عقابية (او جباية ثمن من اسرائيل).
في بيان نشره وزراء خارجية الاتحاد (10 كانون الاول 2012) اندرجت ضمن امور اخرى النقاط التالية: على الاطراف ان تمتنع عن خطوات تقوض الثقة وجدوى حل الدولتين؛ الاتحاد الاوروبي خائب الامل بعمق ويعارض بشدة خطط اسرائيل لتوسيع المستوطنات في الضفة وفي شرقي القدس ولا سيما الخطط بشأن تطوير المنطقة E1؛ تطبيق الخطط سيقوض بشكل جدي فرصة حل النزاع عن طريق المفاوضات؛ الخطة تعرض للخطر الفرص لاقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش وذات تواصل اقليمي والقدس كعاصمة مستقبلية للدولتين: البناء من شأنه أن يؤدي الى نقل السكان المدنيين بالقوة؛ في ضوء الاهداف الاساسية للاتحاد، اي حل الدولتين فانه سيتابع الوضع عن كثب وآثاره وسيعمل بموجب ذلك؛ الاتحاد يعرب عن التزامه بان يضمن وفقا للقانون الدولي أن تكون كل الاتفاقات بين اسرائيل والاتحاد لا تنطبق على المناطق التي احتلتها اسرائيل في 1967؛ الاتحاد يكرر التزامه بضمان التطبيق الكامل والناجع لتشريع الاتحاد والترتيبات الثنائية بالنسبة لبضائع المستوطنات.
ولاحقا، يوضح الاتحاد في صيغة اولى من نوعها التزامه الاساس (fundamental) بأمن اسرائيل بما في ذلك في سياق التهديدات المركزية (vital threats) في المنطقة. وبهذا التعبير في  سياق المعارضة لاستمرار البناء في المناطق، يسعى الاتحاد إلى ضرب تمييز في أنه لا يرى في المستوطنات (التي تهدد أمن اسرائيل لانها تقوض حل الدولتين) جزء من التزامها بأمنها، وذلك مقابل الالتزام في سياق التهديدات الاقليمية. ورغم أنه لا يوجد تفصيل، ينبغي الافتراض بان الاساسي فيها، هو التهديد الايراني بكل ما ينشأ عنه.
رسالة مشابهة من حيث النبرة والمضمون نشرتها الدول الاربعة الاعضاء في الاتحاد في مجلس الامن باسم اعضاء الاتحاد، وخلافا لبيان وزراء الخارجية، يركز البيان، في معظمه إن لم يكن بأسره، على مسألة المستوطنات. فالبيان الذي جاء في أعقاب قرارات اخرى اتخذتها اسرائيل حول توسيع البناء يتناول بشكل محدد اقرارات البناء التي صدرت لبناء آلاف وحدات السكن في رمات شلومو، جفعات همتوس والتقارير عن اقرارات البناء المتوقعة في جفعات زئيف وهار حوما. وجاء في البيان ان الاعلانات عن حث البناء، تبث رسالة سلبية وتقوض الثقة في رغبة اسرائيل في اجراء مفاوضات. ومع ذلك، ورد في هذه الرسالة ذكر بالالتزام العميق بامن اسرائيل بما في ذلك في سياق التهديدات الحيوية في المنطقة.
ان قرار الاتحاد إعطاء تعبير عملي عن سياسته، التي ترفض المستوطنات خلف خطوط 67 ليس جديدا. ففي قرار اتخذه وزراء الخارجية في ختام لقائهم في ايار كرروا التزامهم بتطبيق التشريع القائم والترتيبات الثنائية القائمة مع اسرائيل بالمتعلقة بتأشير البضائع من المناطق. ورغم ذلك لا يبدو في هذه المرحلة بان كل الاعضاء سيعملون وفقا لهذا التشريع. فما يزال بعض الاعضاء يترددون في تطبيق الخطوة التي من شأنها في نهاية المطاف الى مقاطعة البضائع الاسرائيلية. ومن أحاديث مع محافل في الحكومة الالمانية، واضح أنه رغم الاتفاق أعلاه، فليس في نية المانيا العمل على تطبيقه. وتلعب اعتبارات تاريخية بلا شك دورا مركزيا في القرار الالماني. وسيكون من الخطأ ان نرى في التردد الالماني (وكذا اعضاء آخرون)، مثابة موافقة على سياسة الاستيطان لحكومة اسرائيل. ودليل على عمق الخلاف بين المستشارة ميركيل ورئيس الوزراء جاء في زيارة رئيس الوزراء الاخيرة الى برلين في الوقت الذي لم تحرص فيه المستشارة على اخفاء الخلافات بقولها انه اتفق على الا نتفق في موضوع المستوطنات. وهذا تصريح لا يتكرر كثيرا من جانب المستشارة التي لم تعد تتكبد عناء اخفاء استيائها واحباطها المستمر من سياسة نتنياهو في الموضوع الفلسطيني بشكل عام وفي مسألة المستوطنات بشكل خاص.
يبدو أن اعلان وزراء الخارجية يشكل خطا أحمر سيجر من ناحية الاتحاد ردا عمليا، وهو قرار حكومة إسرائيل الانتقال من مرحلة اعلان النوايا بشأن البناء في المنطقة E1 الى مرحلة البناء. من ناحية الاتحاد سيكون في هذه الخطوة من جانب اسرائيل مثابة القضاء على ما يعتقده الاتحاد مصلحته، اي اقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش ومتواصلة تكون عاصمتها شرقي القدس.
ولا يفصل الاتحاد طبيعة الخطوة التي سيتخذها بل يكتفي بالقول انه "في ضوء هدفه الجوهري – تحقيق حل الدولتين، سيتابع عن كثب الوضع وآثاره الواسعة وسيعمل بموجب ذلك". ومن أحاديث مع جهات رسمية في الاتحاد يتضح انه في هذه المرحلة لم تجر بعد مداولات رسمية على مستويات العمل أو في المستويات السياسية حول طبيعة الرد اذا ما قررت حكومة اسرائيل بالفعل تنفيذ نوايها فتبدأ بالبناء في المنطقة E1.
وخلاصة القول، رغم التصريحات المتكررة من جانب الاتحاد في هذا الموضوع، لا يوجد في هذه المرحلة تطابق بين النبرة والمضمون وبين شدة خطوات العقاب. فالقرار بالبناء في المنطقة E1  يشكل بلا ريب اجتيازا لخطوط حمراء وستجبر الاتحاد باتخاذ رد يخرج عن نمط الرد الذي كان متبعا حتى الان. حسنا تفعل القيادة السياسية الاسرائيلية اذا لم تفترض كفرضية عمل بان تلك "الاقلية/الاغلبية الاخلاقية"، التي تكرر استياءها وانتقادها من السلوك السياسي لاسرائيل، ستواصل الاكتفاء بالتصريحات فقط. حسن تفعل اسرائيل اذا ما عملت قدر الامكان على تقليص جبهة الاحتكاك بدلا من توسيعها.

التعليق