هل تقول أميركا وداعاً للشرق الأوسط؟

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • مواطنون عرب يدوسون العلم الأميركي احتجاجاً على فيلم مسيء للإسلام - (أرشيفية)

زكي العايدي*
باريس- لبعض الوقت الآن، ظلت رؤية استراتيجية معينة تكتسب المزيد من الزخم: ومفادها أن الولايات المتحدة أصبحت قريبة من تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة، وهو ما يمهد الطريق أمام انسحابها سياسياً من الشرق الأوسط وتبرير "محورها" الاستراتيجي الجديد باتجاه آسيا. وقد تبدو هذه الرؤية صحيحة بداهة، ولكن أهي كذلك حقا؟
الواقع أن أميركا المتعطشة للطاقة اعتمدت لفترة طويلة على السوق العالمية في تلبية الطلب المحلي. ففي العام 2005، استوردت الولايات المتحدة 60 % من استهلاكها من الطاقة. ولكن منذ ذلك الوقت، تناقصت حصة الواردات، وينبغي لها أن تستمر في التناقص. ومن المتوقع أن تصبح الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً في مجال الطاقة بحلول العام 2020، ثم تصبح مصدرة للنفط بحلول العام 2030.
وهذا السيناريو يمنح الولايات المتحدة ثلاث مزايا هائلة. فهو من شأنه أن يعزز القدرة التنافسية الاقتصادية للولايات المتحدة، وخصوصا نسبة لأوروبا، نظراً لانخفاض تكاليف استخراج الغاز الصخري. ومن شأنه أن يقلل أيضاً من تعرض أميركاً للاضطرابات المتصاعدة في العالم العربي. وأخيراً، يزيد هذا السيناريو من الضعف النسبي لمنافسة أميركا الرئيسية، الصين التي أصبحت معتمدة بشكل متزايد على إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
من الواضح أن هذه الحقائق لابد أن تؤخذ على محمل الجد، لكنه لا ينبغي للعواقب التي قد تخلفها على السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط أن تستخلص على عجل. فرغم أن الاعتماد على الآخرين في مجال الطاقة يشكل عنصراً رئيسياً في السياسة الخارجية التي تنتهجها الولايات المتحدة في المنطقة، فإن هذا ليس العامل الوحيد. ذلك أن أمن إسرائيل والرغبة في احتواء إيران لا يقلان عن مسألة الطاقة في الأهمية.
وفضلاً عن ذلك، فإن الدور الذي يلعبه الشرق الأوسط في الجغرافيا السياسية العالمية سوف ينمو في العقود المقبلة، وهو ما من شأنه أن يزيد من صعوبة التعرف على الكيفية التي قد تخرج بها الولايات المتحدة ببساطة من المنطقة. ففي غضون الأعوام الخمسة عشر التالية، سوف تمثل دول منظمة الأوبك نحو 50 % من إنتاج النفط على مستوى العالم، مقارنة بنحو 42 % اليوم. وعلاوة على ذلك، ستكون الدولة التي ستتوقف عليها هذه الزيادة في الأرجح هي العراق.
وإذن، هل ستستطيع الولايات المتحدة أن تتجاهل الدولة التي ستصبح في غضون عشرة أعوام تقريباً ثاني أضخم دولة مصدرة للنفط على مستوى العالم، والتي سوف تولد أكثر من 200 مليار دولار سنوياً من العوائد، في حين يهيمن عليها نظام شيعي استبدادي مقرب من إيران؟ وهل تنسحب في مواجهة التهديد الاستراتيجي الذي يفرضه ذلك على حلفائها الثلاثة في المنطقة -المملكة العربية السعودية، وتركيا، وإسرائيل؟
الواقع أن هذا الاحتمال يبدو بعيداً تماماً ما دامت الأزمة النووية الإيرانية باقية بلا حل، وما دامت الأزمة السورية مستمرة في توسيع الانقسام الشيعي السُّنّي في المنطقة (وهو الأمر الذي انعكس في زيادة التوترات بين تركيا وإيران). وحتى عندما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما في زيارة إلى آسيا في تشرين الثاني (نوفمبر) -الرحلة التي كان المقصود منها تأكيد "محور" أميركا الجديد- فإنه اضطر إلى تخصيص قدر كبير من الوقت والاهتمام للتوسط من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في غزة.
وإذا كان النفط يمثل حقاً المصلحة الأميركية الوحيدة أو الأولى في الشرق الأوسط، فإن علاقة الولايات المتحدة الخاصة بإسرائيل تصبح محيرة للغاية، وذلك نظراً للضرر الذي قد تنطوي عليه بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة بين الدول العربية المصدرة للنفط. فحتى عندما كان اعتماد الولايات المتحدة على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط في أوجه، فإنها نادراً ما بدلت سياستها في دعم إسرائيل.
ومن الأهمية بمكان أيضاً أن نضع في اعتبارنا أن معاناة الولايات المتحدة في العام 1973 بسبب الحظر النفطي الذي فرضته منظمة أوبك كان أقل من معاناة أوروبا، رغم أن أميركا التي أعادت تمويل وإمداد إسرائيل في حربها ضد مصر وسورية في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام، كانت الهدف الأساسي من ذلك الحظر. وفي نهاية المطاف، تعزز موقف أميركا في المنطقة بعد أن أصبحت مصر حليفة للولايات المتحدة وأبرمت معاهدة سلام مع إسرائيل.
كما يعني اهتمام الصين المتزايد بالشرق الأوسط تضاؤل احتمالات الانسحاب الأميركي. فسوف تظل الولايات المتحدة مهتمة بضمان أمن إمدادات الطاقة لحلفائها في آسيا، والتي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على البلدان المصدرة للنفط في المنطقة، مثلها في ذلك كمثل الصين.
ورغم ذلك، وفي حين يبدو الانسحاب الأميركي من المنطقة غير مرجح إلى حد بعيد، فإن تعرض الولايات المتحدة للمنطقة سوف يتضاءل حقاً؛ وفي ظل هذا التضاؤل، فإن الدور الذي تلعبه أميركا هناك سوف يصبح على الأرجح أكثر خفوتا -بل وربما أكثر ازدراء. ومن المرجح أن تكون مشاركتها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني محدودة بالحفاظ على الوضع الراهن بدلاً من السعي إلى التسوية الشاملة.
هذا الموقف -الذي انعكس في معارضة أميركا لمنح فلسطين وضع الدولة المراقب في الأمم المتحدة- سوف يكون بمثابة الاعتراف من جانب الولايات المتحدة بأنها تخلت عن حل الدولتين في الشرق الأوسط. ومن المؤكد أن يكون من شأن ذلك إرضاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والطرف الفلسطيني الساعي إلى إضعاف السلطة الفلسطينية. لكن هذا يؤكد بشكل كامل مزاعم أولئك الذين يعتقدون بأن الرئيس أوباما هو رجل حسن النوايا، ولكنه ليس زعيماً صاحب رؤية.


*أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس، ومؤلف كتاب "إنجازات محدودة: سياسة أوباما الخارجية".
*خاص بالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2012.

التعليق