تفكيك سورية: الفصل الثاني

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • عنصر في الثورة السورية في حيّ دمرته الاشتباكات في مدينة حلب - (أرشيفية)

عيسى خلف - (ميدل إيست أونلاين)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
كما في كل شيء عن سورية، يظل المرء في حالة ارتباك وحيرة: هل هذا الصراع قابل للتعريف، سياسيا واجتماعياً- على أنه حرب أهلية؟ وهل اصبحت الحرب هناك طائفية؟ ما هي؟ كم قوة وانتشار الجهات السلفية (والجهادية الكونية) في الصراع السوري؟ هل كانت عسكرة الثورة خطوة حكيمة، أم أنه لم يكن لدى المعارضة أي خيار آخر في هذا الصدد؟ وهل بمقدور المجموعات المسلحة إلحاق الهزيمة بقوات النظام أم سيكون هناك جمود دائم ودموي، يكون الأكيد الوحيد فيه هو التدمير الفسيولوجي الكامل لسورية وانقسامها على المدى الطويل؟ وهل ستكون المحصلة المتفاوض عليها، أي الحل السياسي، هي الاحتمال الوحيد، أم أن من باب الجهل التحدث عن حلول سياسية في هذه المرحلة من الصراع؟
على الرغم من هذا الضباب هناك، فإن في بالي عدة ثوابت. الأول أن سورية ليست حالة أكيدة من نظام سيئ في مقابل مجتمع جيد، لأن ذلك المجتمع ليس واحداً يتطلع إلى الاطاحة العنيفة بالدولة، وهذه ليست ثورة جماهيرية وإنما هي تمرد سني. وأي عفوية في أصولها، بما في ذلك هدف المقاومة غير العنيفة، وصلت إلى نهاية سريعة، وتم تزويدها بالحافز بتدفق الأسلحة والأموال والاستخبارات الأجنبية، بما في ذلك من الولايات المتحدة. وترغب أغلبية "صامتة" بيأس في تجنب تفكيك سورية، لأنها ببساطة تحب بلدها، وليس النظام أو الثوار المسلحين، وتفضل الإصلاح/التسوية المتفاوض عليها.
الثاني، من الزيف أن تتم مساواة كل معارضة سورية للدولة البعثية، كما يصوِّر النظام، بالعمل نيابة عن الصهاينة والإمبرياليين. ومن الزيف بنفس المقدار الاشارة إلى أن الدفاع عن تسوية متفاوض عليها يعادل شراء الرد الذاتي للنظام عن خط مواجهة معاد للإمبريالية، والذي لا يمكن الاستغناء عنه.
ثالثا، تقوم قوى أجنبية، وخاصة واشنطن والعديد من حليفاتها في الناتو وتركيا والعربية السعودية وقطر، بانتهاك القانون الدولي بانتهاج أسلوب الانقلاب وتغيير النظام بالقوة، والمشاركة في المسؤولية الاولية عن التطرف وزعزعة الاستقرار والعنف المرعب الذي يحل بشعب سورية. وتبدي واشنطن اهتماما في تغيير النظام، وليس بضمان أن لا يتسيد اي من الجانبين لفرض تسوية متفاوض عليها.
رابعا، الحقيقة الاساسية هي قضية الشعب السوري ومطالبته بالكرامة، وهي حقوق انكرت عليه وانتهكت بوحشية حتى هذا الوقت من جانب أنظمة خانعة مثل البعث السوري. فالثورة ضد النظام البعثي ليست مؤامرة، على الرغم من وسمها بهذه الطبيعة راهنا.
خامسا، بالرغم من التنوع المجتمعي والولاءات المنقسمة في سورية، فإن الحقيقة تشير إلى أن ثمة مؤيدين عديدين للنظام، والى أن اغلبية ترغب في تغيير سلمي، فان النظام الاجتماعي السياسي السوري يجب أن يصبح دولة مدنية تحترم حقوق الانسان وتستند إلى المواطنية.
ومع ذلك فهل يتطلب التعقيد الداخلي لسورية ودورها الاقليمي تفكيراً خاصاً وواقعية موضوعية.
ولك أن تأخذ حلب كمجسم مصغر للتعقيد السوري، وهي المدينة السورية الاضخم التي يتكون 92 % من سكانها من السنة. وبالاستماع إلى الاعلام الغربي أو القطري أو السعودي، يجنح المرء إلى الاعتقاد بأن المدينة قد تفجرت في ثورة عفوية، وأنها كانت منذ البداية تخوض حرباً بطولية ضد القوات العسكرية والأمنية للنظام. ومع ذلك، ومن خلال حسابات موضوعية، دعم سكان حلب حكومة دمشق بأغلبية ضخمة، ويدفع العديد منهم الثمن بانتقامات الجيش السوري الحر. والآن، ومنذ نفاذ المجموعات المسلحة والعنف المحموم للسلفيين والجهاديين الأجانب والتفجيرات الانتحارية وعمليات الخطف وقطع الرؤوس والنهب والسلب والاغتصاب والقوة النارية الثقيلة والعشوائية والمحو البطيء للتاريخ العظيم التجاري للمدينة، يتساءل المرء: ما الذي حدث لسكانها وانتماءاتهم؟ نحن نعرف فقط أن قوات الحكومة والموالين ما يزالون يسيطرون على المدينة، فيما عدا زوجاً من الأحياء، كما هو حالهم في معظم البلد. وقد فرت أعداد لا تعد ولا تحصى من الناس، العديد منهم تعرضت منازلهم الفارغة للسلب والنهب والاقتحام من جانب محرريها المفترضين، خشية العودة إلى انتقام الثوار.
ويضم لواء التوحيد الإسلامي الميول في حلب، الجزء الظاهري من الجيش السوري الحر، عدة فصائل مسلحة، بمن فيها العديد من فصائل الإسلاميين السلفيين المتنوعين هم أنفسهم، والذين يتراوحون بين أنواع الإخوان المسلمين إلى المتطرفين من أشباه القاعدة، كما أن ثمة نفوذا حرفيا سلفيا كبيرا ملحوظا تماما في صفوف الثوار المسلحين. وتخضع الفصائل المتباينة التي تشكل الجيش السوري الحر لسيطرة الاسلاميين بشكل كبير. وتضم كتائبها آلاف المقاتلين من المجموعة السلفية الجهادية، جبهة النصرة، الدعامة الأساسية لكتائب التوحيد في حلب. وفي وضع يتسم بالقيادة اللامركزية والمتباينة، يوجد هؤلاء الناس هناك في خطوط المواجهة. وتعاني كل هذه المجموعات، بما فيها الجيش السوري الحر، من علاقات غير يسيرة ومنزوعة الثقة مع الائتلاف الوطني للثورة السورية وقوى المعارضة، كما فعلت في السابق مع المجلس الوطني السوري الذي أهمل الآن، وكما تفعل راهناً مع القوى الغربية.
ولحسن الطالع، لا تنطوي سورية على تراث من الإسلام السياسي المتطرف، بل على العكس. وفي ضوء تنوعها التعددي وموقعها الجيو-استراتيجي وتاريخها القومي العلماني، فإن نوع الجهاد المتطرف لا يجد له مكاناً في سورية. وتعد الفوضى العارمة والتدمير الفسيولوجي والخطر الحاضر دائما من الحرب بين النظام والسنة، والتي تتحول إلى حرب اهلية طائفية، بمثابة مصدر قلق بالغ، ومكمن نمو للسلفيين في هذه البيئة. ومع ذلك، لا غرابة من انجازاتها العسكرية العنيفة، ذلك أن هذه هي ثورة للمسلمين السنة في الاساس، منطلقة من حماة وحمص بمشاركة أجانب اختبروا في المعارك، بمن فيهم السلفيون الذين يلقون الدعم من جانب الاوتوقراطيين السنة والمانحين الاثرياء في شبه الجزيرة، ومن غير المرجح أن يرتقي نظام سلفي حرفي إلى السلطة، ناهيك عن الجهاديين الكونيين، لكن من المرجح ارتقاء نظام يهيمن عليه الإخوان السنة مع تهميش المجلس الوطني.
كان الهاجس الرئيس للمجلس الوطني المنحل هو التسلح من دون برنامج سياسي واضح. وقد حصل الائتلاف الوطني الجديد على اعتراف سياسي به كحكومة مؤقتة -حتى ببقاء سورية دولة عضواً في الأمم المتحدة تحت قيادة حكومة الأسد- من جانب قطر والعربية السعودية وفرنسا وبريطانيا وتركيا، وتبعتهم الولايات المتحدة التي وضعت إحدى المجموعات الثورية، جبهة النصرة، في قائمتها للإرهاب أيضاً. (ودفع هذا الإجراء كل بقية مجموعات الثوار المسلحين إلى الإعلان عن دعمهم للجبهة). ويتوقف الدعم الغربي على التعهد بأن يعمل الائتلاف على توحيد المعارضة، على الأقل من خلال العمل كمظلة، وعلى أن يكون مراقباً أفضل يستطيع القيام بالمهمة المستحيلة، وحتى التافهة، لضمان وتأييد تلك المجموعات التي تستحق الدعم المسلح الذي تعترف واشنطن بأنه يرقى إلى ثلثي المجموعات المقاتلة وقادتها.
وقد راهنت هذه الأطراف في الأساس على توسيع عضوية الائتلاف الجديد إلى ثلاثة أضعاف حجم المجلس السابق، والذي يضم معظم أعضاء المجلس القديم بحيث يضمن تشكيل الجسم الجديد تمييع النفوذ الإسلامي. وقد رفضت واشنطن، على وجه الخصوص، المجلس الذي يسيطر عليه الإخوان لأنه لم يستطع تحقيق الوحدة أو السيطرة على الإسلاميين المتطرفين أو استثنائهم، حتى بالرغم من أن أعضاء المجلس فعلوا ما أرادته الولايات المتحدة أكثر ما يكون: فقد تحدثوا عن السلام والعلاقات الجيدة مع إسرائيل. أما إذا كانت الولايات المتحدة راغبة في دعم حل متفاوض عليه، فهو في رأيي ليس موضوعاً مفتوحاً، فترددها الواضح في تزويد الثوار بأسلحة متطورة أو ثقيلة، على عكس حلفائها المتهورين الذين تسيطر عليهم بشكل مهزوز، يعود إلى خوفها من اندلاع عنف غير مسيطر عليه وغير مدار، ما يفضي إلى قيام نظام إسلامي غير مطواع، وحتى عدائي.
وينبع تشدد إدارة أوباما من التوتر السائد بين الحلفاء الإقليميين العدائيين واعترافها بالعديد من الوقائع: انتشار المجموعات المتطرفة، واحتمال حدوث جمود دموي يزعزع المنطقة، كما واحتمال وضع أن تضع مجموعة مسلحة يدها على الأسلحة الكيماوية. وهكذا، فإن هدف واشنطن الأكثر مباشرة وإلحاحاً، حيثما لا يعيق مهمات سلام الأمم المتحدة والحوار، هو الضغط على الائتلاف لغاية إنشاء قيادة عسكرية مركزية، وتحقيق وحدة سياسية، وإبعاد المتطرفين الذين يُفترض أنهم يشكلون ثلث الثوار المسلحين. ولا تدعو نسختها من الحل المتفاوض عليه إلى مباحثات أصلية داخلية بين دمشق والثوار، وإنما تدعو إلى مغادرة الأسد. وهي مرحلة تعرفها واشنطن بأنها انتقالية، لكنها تمثل في الحقيقة شرطاً مسبقاً. وحتى بشأن هذا، كما تتصور واشنطن، فإنه يجب أن يتم تجنب التبني غير الملزم لقوة السلفيين المتطرفة التي تسبب بها العنف المطول، والإبقاء على القانون الدولي وروسيا خارج المعادلة، مع ضمان حكم ائتلاف مطيع.
ولا يقوم مفهوم واشنطن لإنهاء المعاناة السورية على إجراء مفاوضات أخلاقية وقانونية ودبلوماسية وعاجلة بين الثوار والحكومة. وبدلاً من ذلك، تشدد مراراً وتكراراً على سقوط الأسد العنيف حتماً، وكأنه هو فقط المسؤول عن الكارثة التي تحل بشعبه، وبذلك تعفى هي وحليفاتها من التآمر على عذاب سورية وإطالة أمد هذا الجيشان المرعب.
كان التسليح الأجنبي للثوار، أي عسكرة الصراع، هو أسوأ ابتلاء لسورية، لأن سورية ليست بحاجة إلى أسلحة مميتة وحرب، بل هي بحاجة لمعارضة متماسكة ممثلة بحق، ومبنية من دون تدخل خارجي، والتي تكون مستعدة للتوصل إلى حل سياسي متفاوض عليه للصراع العنيف. وهذا يتطلب اتفاقية سورية وطنية داخلية على تغيير انتقالي في النظام عبر انتخابات يتم الإشراف عليها.
هذا على الأقل هو الشيء المثالي، على الرغم من أنه ليس واقعياً لأن الجميع، بدءاً من الثوار المجتمعين الذين يميلون إلى امتلاك أسلحة متطورة، مروراً بأعضاء الائتلاف، فواشنطن فأنظمة الخليج المحلية يريدون رأس الاسد. وفي الحقيقة، يرى المحور العلوي للنظام هذا على أنه تهديد وجودي.
إن ما يسود في سورية اليوم هو غموض يثير الجنون، ونفاق مثير للحنق من العلاقة بين الائتلاف والثوار المسلحين، وجنون السياسة العربية الداخلية وكراهية الخليج والأتراك للنظام السوري العلوي الشيعي -وهو ما اصفه بأنه المتلازمة السنية لتدمير دولة، عبر عمليات فرنسية وبريطانية مغلفة بالدفاع عن الديمقراطية وبالسيطرة الأميركية الاحادية التفكير على سورية تحت دثار دبلوماسية بناءة ومسؤولة. وبوجود لاعبين خارجيين متعددين يتابعون بعنف أجنداتهم الخاصة ويدعمون فصائل متعددة برؤاهم الخاصة، كما يفعل هؤلاء، فإن فرص السوريين في التوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه، ناهيك عن تسوية تفضي إلى ذلك، هي عملياً -صفر.
وفي الواقع، نرى أن البعث والنظام السوري والأسد والنظام الاجتماعي والسياسي الذي ساد في سورية لما يقارب النصف قرن قد انتهت، أو أنها لن تعود على الأقل. وهذا في حد ذاته شيء استثنائي. وفي نهاية المطاف، فإن العنف المرعب والإرهاب من جانب كل من الدولة ومعارضيها هو مسؤولية النظام، لأنه اختار ذهاب البلد إلى الجحيم، داعيا بذلك وعن غير قصد إلى التدخل الخارجي، وليس إلى الإشراف سلمياً على انتقال ديمقراطي في المرحلة المبكرة من الثورة. وهذه نوعية دائمة من الأنظمة العربية الحاكمة غالباً لأنها تفتقر إلى الشرعية الأساسية، وتحكم مجتمعات مقسمة.
لم يعد باستطاعة المرء القول بأن سورية اليوم هي ما درجت أن تكونه في السابق، معتدلة وبراغماتية ومستقرة، ومركزاً اقليمياً علمانياً يقصي النزعة التطرفية. ويعد هذا الدور السياسي وظيفة طبيعية لتشكيلتها الطائفية الإثنية المتنوعة نسبياً، وإلى التعقيد السياسي لشعبها. وفي ظل ظروف متغيرة على نحو راديكالي، والأكثر أهمية: وجود سورية موهنة ومتشظية، فإنها قد لا تكون قادرة على لعب ذلك الدور لعقود ستلي. الآن، يحطم الغرب وحلفاؤه في الشرق الأوسط مجموعة حاكمة لصالح أخرى يهيمن عليها إسلاميو الإخوان المسلمين. ولا يريد أولئك السلفيون/ الجهاديون على خطوط المواجهة اقتسام السلطة وحسب، بل إن بعضهم قد يستمر في العنف والتمرد إلى ما بعد الأسد، ما ينذر بتواصل الخطر على العديد من السوريين.

*عيسى خلف (دكتوراه الفلسفة في السياسة والدراسات الشرق أوسطية، جامعة أكسفورد)
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: The unmaking of Syria: Act 2

التعليق