البنوك العربية خلال 2013: آفاق أفضل وتحديات أكبر

تم نشره في الخميس 20 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

بقلم إبراهيم شكري دبدوب*
لا شك أن البنوك العربية قد تأقلمت مع واقع العمل في منطقة مثقلة بالاضطرابات السياسية على مر تاريخها، إلا أن حالة عدم اليقين والضبابية السياسية ما تزال آخذة في التصاعد خلال الفترة المقبلة، بموازاة تحديات عالمية لا تقل تعقيدا. لكن رغم هذا الواقع المحفوف بالمخاطر والتحديات، فإن الموارد الغنية للاقتصادات الخليجية والتركيبة الديموغرافية للأسواق العربية توفران جملة من الفرص للبنوك العربية.
في الواقع، لم يمنع الاضطراب السياسي المتزايد في ظل الربيع العربي البنوك العربية من أن تشهد انتعاشا ونموا في نشاط أعمالها خلال العام 2012. وذلك لم يقتصر فقط على الأسواق الخليجية التي تستفيد من الإنفاق الحكومي، بل امتد إلى أسواق عربية أخرى. لقد شكل العام 2012 حقيقة عام التعافي بالنسبة الى البنوك العربية، ولو بدرجات متفاوتة. فرغم استمرار الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على المنطقة، وما تبعها لاحقا من أحداث سياسية، استمرت البنوك العربية بتحقيق الأرباح خلال العام، وواصلت موجوداتها النمو بوتيرة صحية، ولو أن العائد على حقوق المساهمين ما يزال دون مستوياته ما قبل الأزمة. ومن المتوقع أن تواصل البنوك العربية التعافي والنمو خلال العام 2013، مستفيدة من تحسن الآفاق الاقتصادية والتوجهات الهيكلية الداعمة، رغم استمرار التحديات وتزايد المخاطر.
نمو اقتصادي قوي
بشكل عام، كانت المنطقة العربية بمنأى عن التأثير المباشر للأزمة العالمية، لكنها تأثرت بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وتدهور مستويات الثقة في الأسواق العالمية. ومنذ العام 2008، نجحت الدول التي لم تتأثر بالربيع العربي من تحقيق انتعاش قوي رغم معاناة القطاع المصرفي عموما بتراجع جودة الأصول وحجم المديونيات الضخمة. كما استطاعت اقتصادات دول الربيع العربي أن تحقق بدورها نموا موجبا، وهو ما يشير إلى قدرتها على التعافي والنمو بوتيرة أسرع مع استقرار الوضع السياسي.
وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، فقد حققت نموا قويا متمتعة بفوائض مالية وخارجية ضخمة، مما ساعدها على زيادة الإنفاق الحكومي وتعزيز استثماراتها. ولا شك أن ارتفاع أسعار النفط قد وفر دعماً قوياً للمالية العامة للدول الخليجية ومكنها من زيادة الإنفاق الرأسمالي، وهو ما تعكسه قيمة المشاريع قيد التخطيط أو التنفيذ حاليا، والتي تقدر بنحو 2.5 تريليون دولار. وهذا المركز المالي القوي للدول الخليجية يوفر دعماً حيوياً لبنوكها، ويضمن لها الاستقرار والنمو القوي حتى في حال شهدت أسعار النفط تقلبات طفيفة عن مستوياتها الحالية. ومن هذا المنطلق، يتوقع أن تواصل الاقتصادات الخليجية أداءها القوي في العام 2013 والأعوام اللاحقة.
أما الاقتصادات غير النفطية، فستستمر بالاستفادة من الاستثمارات الخليجية وانعكاس السياسات الإنفاقية لدول الخليج على الدول المجاورة، كما أنها قد تستفيد أيضاً من الدعم الرسمي من قبل الدول النفطية التي بدأت بضخ مبالغ مالية ضخمة على شكل استثمارات وقروض. ولا شك أن مزيدا من الدعم على شكل خطة مارشال عربية من شأنه أن يعزز الاستقرار الاقتصادي للدول غير النفطية ويحفز نموها.
توجهات داعمة
إلى جانب النمو الاقتصادي، قد تستفيد البنوك العربية كذلك من مجموعة من التوجهات والعوامل الهيكلية الإيجابية. فالتركيبة الديموغرافية للدول العربية تسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وفي زيادة الطلب على الخدمات المصرفية. فواقع أن الشباب يشكلون الشريحة الأكبر من السكان، وأن الأسواق العربية ما تزال غير مكتفية أو غير مشبعة مصرفيا، من شأنه أن يوفر للبنوك العربية مجالا واسعا لتحقيق نمو مستدام. لكن ذلك مرهون من دون شك بقدرة الدول العربية على توفير فرص العمل في ظل النمو السكاني المطرد، خصوصا وأن المؤشرات الديموغرافية تشير إلى أن أكثر من 50 % من السكان هم دون سن الثلاثين. ومن المهم الإشارة هنا الى أن توفير فرص العمل يعتمد بشكل كبير على إجراء إصلاحات هيكلية، وذلك يستغرق وقتاً.
من جهة ثانية، بدأت البنوك مؤخرا بالاستفادة من التطورات التكنولوجية. فالابتكارات الجديدة في عالم التكنولوجيا قد دفعت البنوك إلى تطوير سبل التعامل مع عملائها وطرح المنتجات والخدمات لهم. وهذا التطور يحفز البنوك على المنافسة في طريقة طرح خدماتها، وقد ظهر هذا جليا في الخدمات المصرفية من خلال الإنترنت والهواتف الذكية. ومما لا شك فيه أن مواكبة هذا التطور التكنولوجي وتطبيقه يتطلب من البنوك الاستثمار في أنظمتها التقنية وتطويرها، بالإضافة الى كفاءات بشرية قادرة على الابتكار. ورغم سعيها في هذا الإطار، تبقى البنوك العربية بطيئة نسبياً في مواكبة هذا التطور بسبب ضعف البنى التحتية في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إلا أن ذلك لا يخفي الفرص التي يتيحها تطور الخدمات المصرفية في الأسواق العربية.
تحديات ومخاطر
إن العوامل الداعمة للبنوك العربية من آفاق اقتصادية وتوجهات إيجابية، تقابلها مجموعة من التحديات والمخاطر على الساحتين الإقليمية والعالمية. في الواقع، تواجه اقتصادات المنطقة تحديات تفوق طاقتها، لاسيما أنها واصلت مواجهة المزيد من تداعيات الربيع العربي. ورغم أن مطالب التغيير التي خرجت بقوة في العام 2011، بدأ يخفت صوتها تدريجياً، وأن المؤسسات قد استطاعت في الواقع أداء أعمالها المعتادة في معظم الدول التي شهدت ولادة أنظمة جديدة، الا أن عدم الاستقرار السياسي يبقى من أبرز التحديات التي تواجه البنوك العربية.
لكن هذه التحديات لا تتوقف عند الاضطرابات السياسية ولن تنتهي مع انتهائها. فهناك تحديات جوهرية ستبقى ماثلة أمام دول المنطقة؛ أبرزها "الديمقراطية الناقصة" التي انعكست من خلال التحرك الشعبي للمطالبة بالعدالة الاجتماعية. وحتى لو هدأت الاضطرابات، فإن التغيير السياسي يشكل من دون شك فرصة حقيقية لتطبيق الحوكمة على نحو أعمق، والتحول بشكل تدريجي، ولو بطيء، الى نظام أكثر عدالة ومساواة.
ومن أبرز التحديات الجوهرية التي تواجه منطقتنا أيضا؛ ضعف القطاع الخاص، في ظل البيئة التشغيلية الصعبة التي تتسم بها معظم دول المنطقة، ولو بدرجة متفاوتة. وهذا من شأنه أن يقوض الجهود لتوفير فرص العمل للشباب. ففي ظل غياب قطاع خاص ديناميكي وفعال، لن تتمكن دول المنطقة، وحتى الدول الخليجية منها، من تحقيق نمو اقتصادي مستدام في الأجل الطويل. لا شك أن بعض الدول تقوم بمساع إصلاحية لتحسين بيئة الأعمال لديها، لكن هذه الإصلاحات تسير ببطء عموما.
وإلى جانب عدم الاستقرار والنقص في الديمقراطية وضعف القطاع الخاص وتقويض دوره، تواجه البنوك العربية عموما تحديات تتعلق بجودة أصولها التي تأذت بفعل الأزمة العالمية. لقد اضطرت البنوك خلال الأعوام الماضية إلى تجنيب الكثير من المخصصات لتغطية القروض المتعثرة. ورغم أن هذا المنحى كان عاما في مختلف الأسواق العربية، إلا أن انعكاسه على البنوك لم يكن متشابها. ففيما تجاوزت البنوك الخليجية -بشكل عام- مسألة جودة الأصول، فقد تواجه البنوك في الاقتصادات الانتقالية تزايدا في القروض المتعثرة في حال لم يتعاف النمو الاقتصادي بوتيرة أسرع أو لم يستقر الوضع السياسي. لكن رغم ذلك، تتمتع البنوك العربية برسملة جديدة عموما، وهذا سيساعدها على مواجهة التحديات والأخطار.
تحديات وفرص عالمية
على الساحة العالمية، تبدو المخاطر أيضا ماثلة، وسترخي بظلالها من دون شك على اقتصادات المنطقة. فاحتمال أن تشهد الاقتصادات المتقدمة المزيد من التباطؤ نتيجة تفاقم الأزمة في أوروبا والسياسات التقشفية الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية، يفرض تحديات إضافية على المنطقة وبيئة الأعمال فيها، ولاسيما من بوابة أسعار النفط والاضطرابات المالية.
في الواقع، لقد استطاعت دول الخليج أن تتأقلم مع الوضع العالمي الجديد في مرحلة ما بعد الأزمة، والمعطيات الجديدة التي فرضتها. ومن أبرز هذه المعطيات؛ النمو الاقتصادي الضعيف في الاقتصادات المتقدمة وتزايد دور الأسواق الناشئة على المستوى العالمي. وفي ظل هكذا بيئة؛ حيث تلعب الحكومات دورا أكبر على الساحة الاقتصادية والبنوك تسعى إلى خفض انكشافاتها وحجم مديونياتها، فإن البنوك ذات الرسملة الأفضل والصناديق السيادية الأقل استدانة هي من سيكون محرك النمو. وهذه المعطيات توفر في الواقع فرصا للمصارف العربية. فالتحديات التي تواجه البنوك الأوروبية ومتطلبات بازل 3 الجديدة من شأنها أن تزيد من تنافسية المصارف العربية وتوفر لها فرصا جديدة. وقد رأينا بالفعل العديد من البنوك العالمية تنسحب من المنطقة أو تحد انكشافها عليها، ولاسيما في سوق تمويل المشاريع، وهذه من أبرز المجالات المتاحة أمام البنوك الإقليمية.
كما أن ارتفاع الطلب على النفط من دول مثل الصين والهند والشرق الأوسط، يوفر فرصة لدول الخليج لرفع إنتاجها والتوجه أكثر نحو الشرق. فرغم زيادة الإنتاج الأميركي والتطور التقني الذي يشهده، إلا أن الحديث عن أن الولايات المتحدة الأميركية باتت أقل اعتمادا على النفط من الشرق الأوسط فيه بعض من المبالغة. وفي رأي، ستبقى الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الناشئة معتمدة على النفط الخليجي. وهذا من شأنه أن يدعم الآفاق الاقتصادية لدول المنطقة.
في الخلاصة، لقد سجلت البنوك العربية عموما أداء جيدا خلال العام 2012، ويتوقع أن تواصل تعافيها خلال العام المقبل. فرغم البيئة التشغيلية الصعبة والتحديات الاقتصادية والسياسية، سجلت البنوك العربية تحسنا في نشاطها ومستوى ربحيتها. وتبقى البنوك الخليجية في موقع أفضل من نظيرتها العربية مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط والاستقرار السياسي. لكن التحديات الإقليمية والعالمية ما تزال مائلة أمامنا ولن تستثني أحدا. علينا أن نكون جميعا مستعدين لها.

* الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني عضو مجلس إدارة معهد التمويل الدولي ومجموعة بريتون وودز العالمية في واشنطن

التعليق