تحليل اقتصادي

ملامح موازنة العام 2013: خطوة في الاتجاه الصحيح ولكن؟

تم نشره في الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • جرافيك -(الغد)

د.عزالدين كناكريه*

تضمنت رسالة جلالة الملك في الاسبوع الماضي أهمية اتخاذ خطوات جادة وواضحة في اولويات الإصلاح خاصة في مجال المالية العامة واهمية الشراكة بين القطاع العام والخاص للخروج بتصور علمي يؤدي الى هذا الإصلاح ويخفض مستويات العجز في الموازنة العامة وايجاد بدائل للطاقة وترشيد الانفاق.
وقد أعلن وزير المالية الملامح الأولية لمشروع قانون الموازنة العامة للعام 2013، والتي أشار فيها الى ان موازنة العام القادم ستكون واقعية وشفافة ومتحفظة بالنسبة للنفقات الجارية اضافة الى انتهاج خطوات جديدة بموجب برنامج الاصلاح المالي للسنوات الخمس المقبلة لاصلاح الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد حتى تنعكس على موازنات الأعوام المقبلة والتركيز على احتساب عجز الموازنة (قبل المنح).
ولاشك أن السير بتنفيذ برنامج اصلاح اقتصادي يعتبر بحد ذاته خطوة مهمة في وقف اي تراجع في المكتسبات الوطنية، والانطلاق منها لتحقيق مؤشر اقتصادي افضل، الا ان مايميز أي برنامج اصلاح عن غيره هو مكونات وفرضيات هذا البرنامج ومدى انسجام هذه الفرضيات مع الواقع ومع خصوصية الاقتصاد الاردني، إضافة الى الاجراءات التنفيذية المقترحة لتحقيق أهداف هذا البرنامج والتزام الحكومات في السير بتنفيذه وتحديثه دوريا اعتمادا على المتغيرات والمستجدات.
إن التركيز في احتساب العجز في الموازنة "قبل المنح" يعتبر خطوة مهمة في مجال الاصلاح المالي، خاصة أنها تهدف الى اعادة الاستقرار المالي والنقدي من خلال تخصيص النفقات العامة للموازنة اعتمادا على الايرادات المحلية المتوقعة وليس اعتمادا على المنح المالية المتوقعة. وهذا من شأنه أن يؤدي الى ضبط عجز الموازنة بشكل أكبر وتجنب مواجهة أية أعباء مالية اضافية فيما لو لم يتم استلام قيمة المنح المتوقعة، خاصة أن نسبة عجز الموازنة قبل المنح تزايدت سنويا الى ان وصلت الى نسب عالية في العام الماضي وهذا العام لتبلغ حوالي  12 % من الناتج المحلي الاجمالي.
ولتحقيق هذا الاصلاح لابد من السير بمعالجة العديد من التشوهات الحالية في جانبي الايرادات والنفقات، واستكمال الاجراءات التي اشار اليها رئيس الوزراء خاصة في مجال ترشيد النفقات ودمج المؤسسات ومعالجة التحديات في قطاع الطاقة وغيرها، فلا يعقل أن تبقى الايرادات المحلية قاصرة على تغطية كامل قيمة النفقات الجارية، كما لا يعقل أن تستمر النفقات الجارية بالنمو بشكل كبير جدا يفوق كثيرا النمو الحاصل في الايرادات المحلية.
وتشير التقديرات الى ان نسبة تغطية الايرادات المحلية للنفقات الجارية للعام 2012 لن تزيد على 75 %  بعد أن تناقصت خلال الاعوام القليلة الماضية، في حين ان المفترض ان تغطي الايرادات المحلية 100 % من النفقات الجارية، الامر الذي يعني اضطرار الحكومة الى الاقتراض لتغطية الفجوة في تمويل النفقات التشغيلية للحكومة والتي يفترض أن يتم تغطيتها من خلال الايرادات المحلية.
كما ان التوسع المنوي إحداثه في النفقات الرأسمالية بمقدار 500 مليون دينار لتصبح حوالي 1250 مليون دينار للعام المقبل 2013 من شأنه أن ينعكس ايجابيا على النمو الاقتصادي، بشرط ان تخصص هذه النفقات للمشاريع التي تؤدي الى تحقيق نمو وتشغيل عمالة بشكل اكبر، خاصة أن التوقعات تشير الى تمويل معظم هذه النفقات من خلال المنح المالية الموجهة لتلك المشاريع وليس على حساب زيادة عجز الموازنة، واذا ما اخذ بعين الاعتبار النفقات الرأسمالية الاخرى التي تنفذها بعض المؤسسات المستقلة والمشاريع الرأسمالية التي يتم تمويلها من خلال المنح والقروض المباشرة والنفقات الرأسمالية للمشاريع التي تنفذها البلديات والجامعات وغيرها، فإن الانفاق الرأسمالي سيرتفع بقيمة تلك المشاريع.
 ولا بد من الاشارة عند الحديث عن عجز الموازنة الى العجز بشقيه (عجز الموازنة وعجز الوحدات المستقلة) لان كلا العجزين ينعكس اثرهما على زيادة رصيد الدين العام كون رصيد الدين العام يمثل رصيد المديونية الداخلية والخارجية للموازنة العامة والمديونية الداخلية والخارجية للقروض المكفولة من الخزينة للوحدات المستقلة، كما ان التعديلات الدستورية للعام 2011 قد أوجبت تقديم مشرع قانون الموازنة العامة ومشروع قانون موازنة الوحدات المستقلة معا الى مجلس الامة، والمأمول ان تعكس ارقام مشروع 2013 ومشروع موازنة الوحدات المستقلة ما يحقق هذه الاهداف.
 ولابد عند الرجوع الى الملامح الاولية لموازنة العام 2013 من الاشارة الى انها خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ولكن ليس من السهولة تحقيق اهدافها دون تضافر الجهود في القطاعين العام والخاص للعمل الجاد لوضع تصور مشترك واجراءات تنفيذية محددة وواضحة تأخذ بعين الاعتبار التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني والبدائل المناسبة التي من شأنها ان تحافظ على الاستقرار المالي والنقدي وبنفس الوقت تحقيق النمو الاقتصادي بالشكل المأمول.
 ومن الاهمية الاشارة الى ضرورة مأسسة آلية التنسيق المشترك بين القطاعين العام والخاص وان لا تكون على شكل لجان مؤقتة تنتهي اعمالها بمجرد وضع البدائل المقترحة، وانما  لابد ان تكون هناك استمرارية في العمل لضمان تحديث هذه البدائل دوريا وفقا للمتغيرات والمستجدات سواء على الساحة المحلية أو الدولية، لتحقيق الاهداف المنشودة وفقا لرؤية جلالة الملك الذي أكد بشكل واضح أهمية العمل بشكل جاد لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية.


* أمين عام وزارة المالية الأسبق

التعليق