العقوبات المفروضة على إيران غير ناجعة

تم نشره في الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • إيراني يعد أوراقاً من الريال الإيراني والدولار الأميركي اللذين اختلف سعر صرفهما محلياً بفعل العقوبات الاقتصادية - (أرشيفية)

سيبستيان رينيولت* - (لوموند) 27/11/2012

ترجمة: مدني قصري

 

 

انخفاض غير مسبوق في قيمة الريال الإيراني، وتراجع كبير في صادرات النفط: وإذن، العقوبات المفروضة على إيران حققت نجاحا كبيرا، هكذا يقال في الغرب. وعليه، يبدو أفق الجمهورية الإسلامية مسدودا: فسوف تعلق أنشطة التخصيب النووي، وسوف يعجل "ربيع فارسي" بسقوط نظامها. لكن لا شيء ينبئ بذلك إطلاقا.
هيمنة العسكر
إن العقوبات المفروضة على إيران مستمرة منذ أكثر من ثلاثين عاما، وآثارها معروفة. فهي تُبرر شرعية خطاب النظام الإيراني المعادي للغرب، وتعزز احتكار "تجار البازار" الورعين، الداعمين الأساسيين لرجال الدين، وتحد من تطور طبقة من المقاولين غير الموالين للإيديولوجية الإسلامية، وتجعل الناس أكثر اعتمادا على الدولة التي تسيطر على 80 ٪ من الاقتصاد، وتعزز سيطرة العسكر على أجزاء كبيرة من هذه الصناعة. ولا تأثير للعقوبات الجديدة سوى مضاعفة هذه الآثار
في الواقع، لا صلة للتضخم الإيراني الذي يبدو أن العالم قد بدأ يكتشفه خلال هذا العام، بهذه العقوبات. فهذا التضخم الذي بات مُزمنا منذ أكثر من خمس سنوات، مرتبط بقرارات الرئيس محمود أحمدي نجاد برفع المساعدات الموجهة للطبقات الشعبية بنسبة أربعة أضعاف، وإزالة جزء من الدعم المخصص للبنزين. وفي الحقيقة، لا بد من التذكير بأن طهران قد أعادت منذ أكثر من عشر سنوات جزءا كبيرا من أصولها الأجنبية.
ارتفاع سعر النفط الخام
إن إيران إذن قوية بفضل فائض تجاري تحقق بفضل ارتفاع أسعار النفط الخام، ناهيك عن أن البنك المركزي الإيراني يملك احتياطيا هائلا من النقد الأجنبي. ولذلك، لن تجد إيران صعوبة، ولفترات زمنية طويلة، في توفير الدولارات الضرورية للدولة من أجل استيراد الضروريات الأساسية: (الغذاء) والسلع الوسيطة، مع منعها من أي تضخم مفرط.
وتجدر الإشارة إلى أن حظر تصدير نحو خمسين مادة من المواد القيمة الأساسية (القمح، الطحين، السكر، اللحوم الحمراء، والألمنيوم، والصلب، وما إلى ذلك)، والإدارة الصارمة للاقتصاد، يتيحان التفكير على المدى الطويل في تحقيق استقرار في أسعار السلع الاستهلاكية، وهو ما ستستفيد منه الطبقات الشعبية في النهاية.
وفي المقابل، ومع فرْض العقوبات، تقدم الحكومة قدرا أقل من الدولارات في السوق الموازية التي تستخدمها الطبقة المتوسطة والعليا لشراء المنتجات المستوردة المغرية، وهي المنتجات التي يمكن للاقتصاد الإيراني أن يستغني عنها.
هبوط حاد
وقد أدى هذا التخفيض إلى انهيار قيمة الريال خلال هذا العام، وهو ما استطاعت الحكومة أن تكبحه جزئيا من خلال حظر استيراد البضائع الغربية أو المنافسة للإنتاج المحلي. وهذا ما يسمح لها بتوفير 12 مليار دولار سنويا (9.25 مليار يورو) في هذا السوق الذي يشهد الآن ومستقبلا، رغم كل شيء، ارتفاعا قويا في معدلات التضخم.
ولذلك، فإن الطبقات الحضرية الوسطى والعليا، وهي الطبقات نفسها التي نزلت إلى الشوارع في العام 2009 في أعقاب إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد المثير للجدل، هي أولى ضحايا العقوبات المفروضة على البلاد.
صحيح أن المنظومة الصحية الإيرانية بدأت تنفجر. فهذا النظام الذي لا يجد بدا من المرور عبر السوق الموازي للتزود بمتطلباته من الأدوية والعلاجات المختلفة، يشهد مع ذلك زيادة بنسبة خمسة أضعاف في أسعار بعض العلاجات الطبية، ونقصا في بعض الأدوية الغربية. لكن الصناعة الإيرانية التي تعتمد على الغرب ما فتئت تتحول اليوم نحو الصناعة الآسيوية التي تمنح لها طرقا بديلة.
وللالتفاف على العقوبات المفروضة عليها من الغرب، تمتلك إيران العديد من الوسائل البديلة. فقد تعتمد في البداية على جشع بعض التجار الذين يمنحون لأنفسهم هوامش مريحة تسمح لهم بأن يخلقوا، انطلاقا من البلدان التي تزودها إيران بالنفط الخام، دوائر معقدة ومتغيرة أيضا للدولارات، ما بين البنوك وشركات وسيطة، صينية وماليزية وروسية وسويسرية، وعراقية وإماراتية ولبنانية، لتمويل وارداتها بكميات كبيرة.
ثم إن إيران تستطيع أن تستند إلى تقاليد المقايضة العريقة في الزمن، لممارسة التجارة خارج حدود البلاد. وقد باتت عائداتها من النفط تتحول إلى بترو يوان، وروبية، ويَنْ، وأونس، وإلى بترو سبائك ذهبية، تُبدلها في الهند والصين وكوريا الجنوبية واليابان وتركيا وأوكرانيا مقابل الأرز، والبنزين، والفحم والألمنيوم، والصلب، والجرافيت، وقطع غيار السيارات، ومعدات الإعلام الآلي، ومقابل خدمات واستثمارات مباشرة. واكثر من ذلك، تتوقع إيران من هذه التجارة الحصول على 13 ناقلة صينية عملاقة.
الشرق الأوسط تعاد صياغته بالكامل
وأخيراً، تستفيد إيران من إعادة صياغة الشرق الأوسط،، حيث تشهد بعض البلدان فيه نموا سريعا. فمنذ بداية العقوبات في شهر كانون الثاني (يناير) 2012، والعالم يلاحظ تضاعف التجارة الإيرانية مع تركيا مقارنة مع العام 2011، وانفجار التبادل التجاري مع العراق الذي يعاني من وطأة القطيعة التجارية مع سورية، وتوقيع معاهدة مع كابول ونيودلهي لتمكين أفغانستان من الحصول على منفذ إلى البحر من خلال ميناء شاباهار الإيراني، وإقامة منافذ مقايضة الأسمدة والنفط مع باكستان لاسترداد القمح، والتهريب المنظم للبنزين والمحروقات نحو جميع حدودها، وأخيراً استيراد مهم لكل ما ينقصها عبر دولة الإمارات.
وفي الواقع، يظل السؤال المطروح هو: كيف يمكننا أن نتصور إمكانية خنق اقتصاد بلد يكبر فرنسا بثلاث مرات (1635000 كم مربع)، ويعيش حالة من النمو القوي منذ أكثر من عشر سنوات، وعلى نفس المسافة بين الشرق والغرب، ولديه أكبر عدد من الدول المجاورة، بعد روسيا (خمسة عشر إذا حسبنا الحدود البحرية)؟
ثاني احتياطي عالمي
مع المصادقة على  مستويات تبعية جميع اقتصادات العالم إزاء الهيدروكربونات (ما تزال إيران تمتلك ثاني احتياطي عالمي)، ولذلك، فإن أي تصور لإمكانية قطع عائداتها النفطية أمرٌ لا طائل من ورائه بتاتا. فإذا كانت العقوبات قد أحدثت آثاراً أكبر من تلك التي كانت متوقعة في الأشهر الستة الأخيرة، فإن انخفاضاً بنسبة 50 ٪ في الصادرات، يرجع إلى حد كبير لكون الهند واليابان وكوريا الجنوبية قد خفضت وارداتها بنسبة 30 ٪ إلى 40 ٪، وهذا بسبب عدم قدرتها على تأمين ناقلاتها منذ أن أصبح محظورا على الشركات الأوروبية القيام بذلك منذ شهر كانون الثاني (يناير).
خطر الصدمة البترولية
الآن، وقد صوتت الهند واليابان على تشريع قوانين حتى تُطمئن نفسها، وبينما تطمئن إيران كل الذين يتجهون نحو كوريا الجنوبية، فإن هذه الدول الثلاث تواصل في الوقت الحالي الحصول على وارداتها ضمن الحدود التي سوف تجعل إيران، مع احترام المقياس السداسي الذي يقضي بخفض وارداتها بنسبة 18 %، وهي النسبة التي طلبتها الولايات المتحدة، تحتفظ من الآن ولغاية شهر كانون الثاني (يناير) 2013 بنفس حجم صادراتها السابقة للعقوبات المفروضة عليها.
ولذلك، فلنفكرْ في البديل، ولنكنْ واقعيين. إن باكستان تعيش انقلابا دائما منذ إنشائها. وأفغانستان غارقة في الفوضى التي نعرفها. والعراق ومن بعدها سورية تعيشان في حرب أهلية. ولبنان يجد نفسه أكثر هشاشة من أي وقت مضى، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني مستمر بلا نهاية.
بالنظر إلى هذه المعايير، فإننا لا نفهم كيف يمكن لبلد أيا كان، أن يضرب إيران، ليخلق بذلك منطقة ينعدم فيها الاستقرار السياسي الذي سوف يتمتد من فلسطين إلى الصين، ويهدد بخطر صدمة نفطية سوف تُضاعف آثار الأزمة في جميع أنحاء العالم، مع برميل نفط بسعر يتراوح ما بين 150 و200 دولار. إن فشل العقوبات ضد إيران يُنبئ باستئناف المفاوضات التي باتت وشيكة.


*أستاذ بجامعة دوفين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Les sanctions contre l'Iran sont inefficaces

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق