الولايات المتحدة لا تستطيع الابتعاد عن الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 1 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • متظاهرون مصريون يمزقون العلم الأميركي في القاهرة احتجاجاً على الفيلم المسيء للنبي مؤخراً - (أرشيفية)

روبرت كاغان* - (الواشنطن بوست) 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
أبو ظبي- كانت الثيمة المتكررة في منتدى السير بني ياس، الذي استضافته الإمارات العربية المتحدة وتشاثام هاوس في أبو ظبي في الأسبوع قبل الماضي هي: أين هي الولايات المتحدة؟ ومع افتتاح المنتدى، كانت إسرائيل قد بدأت لتوها في شن هجماتها على غزة رداً على هجمات صواريخ حماس. وفي الأثناء، استمرت الحرب الأهلية السورية من دون أن تلوح في الأفق أي نهاية لها، في حين ما تزال الإجابات عن التحدي المتنامي من إيران مراوغة، في الوقت الذي يصيب فيه نهج التطور السياسي لمصر العديدين بالقلق.
ولم يقترح أحد أن باستطاعة الولايات المتحدة الإجابة على كل الأسئلة، أو إنه يجب عليها ذلك. لكنه كان في هذا التجمع الدبلوماسي العربي والشمال أفريقي والجنوب آسيوي والأوروبي الذي ضم مسؤولين مدنيين دوليين، إجماع غامر على أن القوة العظمى غائبة عن كل القضايا المذكورة. والسؤال الوحيد الذي أثير هو ما إذا كان هذا الغياب سيكون مؤقتاً أم أنه سيكون دائماً.
وكان مؤثراً رؤية حجم الرغبة الكامنة في رؤية دور أميركي في الشرق الأوسط، والذي يكون أكثر نشاطاً وفاعلية. وكان ثمة القليل من الحديث هنا عن تراجع أميركا كقوة عالمية متفوقة. ولا يبدو أن أحداً يستعد لصعود صيني أو هندي أو تركي في الأثناء، حتى إن الأوروبيين لا يزعمون بأن الاتحاد الأوروبي ينطوي على الإرادة أو القدرة على الاضطلاع بدور أكبر في المنطقة. وتظل الولايات المتحدة لاعباً أهم بما لا يقاس.
إن الذي أصاب الناس بالقق واليأس ليس أفول أميركا، وإنما تراجع إحساس أميركا بالاهتمام -الإحساس بأن إدارة أوباما والشعب الأميركي قد نفضوا أيديهم من الشرق الأوسط.
وكان الرئيس أوباما يشرع في أول رحلة له بعد إعادة انتخابه، وكانت الوجهة جنوب شرق آسيا، الرمز المناسب لمحوره المعلن. ولا يحسد أحد الولايات المتحدة على إيلائها المزيد من الاهتمام لآسيا، لكن الناس في الشرق الأوسط ينظرون إلى هذا التمحور على أنه محاولة للابتعاد عن المشاكل الصعبة التي تواجهها هذه المنطقة. ويعتقد الناس هنا أن أوباما سئم من عملية السلام في الشرق الأوسط قبل ثلاثة أعوام، فأخذ يبدي تردداً إزاء الانخراط فيها مرة أخرى. وهم يرون حجم الصمت الذي تعتصم به الولايات المتحدة فيما يتعلق بعمل شيء في سورية. ويشتكي المراقبون الأميركيون المخضرمون من أن البيت الأبيض ووزارة الخارجية لا يتوافران كلاهما على رافعة لها أثر فعلي في الشرق الأوسط بحيث يتم التركيز على المنطقة كل الوقت.
ومن الصعوبة بمكان إنكار ذلك: فهناك العديدون في الولايات المتحدة، وليس في داخل إدارة أوباما وحسب، ممن يبدون وأنهم يعتقدون بأن السياسة الأميركية تحتاج إلى "إعادة موازنة". وهم يحاججون بأن الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط تتراجع، بينما تصبح الولايات المتحدة فيه أقل اعتمادية على إمدادات النفط من المنطقة. وفي الأثناء، لا يفعل أوباما إلا القليل لدحض إحساس شعبي متنام بأن ليس هناك سوى المتاعب من تورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
عندما تفجرت الثورات العربية أول الأمر، تعهد البيت الأبيض وأوباما بتخصيص اهتمام كبير وموارد لمتابعة هذه التطورات التي تغير العالم. لكن التحمس وهن منذ وقت طويل. وقد درجت الإدارة على الترويج لنجاحها في ليبيا، لكن الافتقار إلى الاهتمام والمتابعة عمل على إطفاء النقطة التي كانت مضيئة يوماً ما. وقد تفاخرت حملة أوباما الانتخابية بأنها استطاعت سحب القوات الأميركية من العراق. وفيما عدا ذلك، يتبقى لدى مسؤولي الإدارة القليل ليقولوه عن واحدة من الدول الأكثر أهمية في الشرق الأوسط، والتي ما تزال منخرطة في كفاح تاريخي من أجل تغيير ديمقراطي.
إن المفارقة، بطبيعة الحال، هي أنه في كل مرة تحاول فيها إدارة أوباما الالتفات باتجاه آسيا، يقوم الشرق الأوسط بجرها إلى الوراء -وهو ما يتجلى حرفياً في حالة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. ولعل من الوهم الاعتقاد بأننا لن نستمر في الانجرار إلى شؤون الشرق الأوسط. فالعالم لم يعد مقسماً بشكل حاد وواضح إلى مناطق متمايزة، ولو أنه لم يكن كذلك في أي وقت من الأوقات. ولا غرو أن التطورات في الشرق الأوسط تؤثر على العالم، تماماً كما تفعل التطورات في آسيا. وأياً يكن المكان الذي تحصل منه الولايات المتحدة على نفطها، فإن أسعار الطاقة الكونية تتأثر بحقيقة ما إذا كان النفط ينساب بحرية من الشرق الأوسط، وما إذا كان حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا سيعتمدون على هذه المنطقة كمصدر رئيسي. وفي حال استحواذ إيران على السلاح النووي، فإن ذلك لن يؤثر على الشرق الأوسط فحسب، وإنما أيضاً على نظام عدم الانتشار النووي الكوني. وسيؤثر نجاح أو فشل تجربة المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية الجارية راهناً في مصر وتونس وغيرهما في كافة السياسات في عموم العالم الإسلامي، امتداداً من المغرب إلى باكستان إلى جنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى أوروبا. وفي حال انهيار سورية، فإن الفرص تكون كبيرة في أن تكسب مجموعات إرهابية مسلحة جيداً موطئ قدم لنفسها في دولة تتوافر على مخزونات كبيرة من الأسلحة الكيميائية، والتي تعد من بين الأضخم في العالم.
إن النظام العالمي الراهن ليس متجانساً ولا ملتحماً، وهذا هو حال الاستراتيجية الكونية الضرورية لاستدامته. وقد فسر رجل دولة مرموق الأحجية العامة هنا بالقول: "ألا تستطيع الولايات المتحدة أن تمشي وهي تمضع اللبان في الوقت نفسه؟" طوال عقود، ظلت الولايات المتحدة قادرة على تقديم الأمن والبقاء منخرطة في ثلاثة مسارح رئيسية في آن واحد: أوروبا، وآسيا، والشرق الأوسط. واليوم، أصبحت هذه المسارح أكثر ارتباطاً وتداخلاً مع بعضها البعض، اقتصاديا واستراتيجياً مقارنة بالسابق.
وهكذا، دعونا نولي آسيا، وبكل السبل، كل الاهتمام الذي تستحقه. لكن العالم لن يوفر لنا ترف الحط من أهمية المنطقتين الأخريين. ذلك ما يعنيه أن تكون قوة عظمى كونية: أننا نستطيع إعادة التمحور، لكننا لا نستطيع المغادرة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: United States cant pivot away from Middle East.
*زميل رفيع في معهد بروكنغز وكاتب عمود شهري في "البوست". آخر كتبه: "العالم الذي صنعته أميركا".

التعليق