لحظة مرسي

تم نشره في السبت 1 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • الرئيس المصري محمد مرسي - (أرشيفية)

توماس فريدمان - (نيويورك تايمز)
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
شكلت الحرب المصغرة التي وقعت بين حماس وإسرائيل في الفترة الأخيرة أول اختبار لنظام ما بعد الصحوة العربية في الشرق الأوسط. ومن خلال تورطها في المبارزة الصاروخية مع إسرائيل، ثم طلبها الدعم من الدول العربية، وخاصة مصر، كانت حماس تختبر القاهرة بقدر ما تختبر إسرائيل. وكان السؤال الذي طرحته حماس على المصريين بسيطاً: هل أنجزت مصر ثورتها الديمقراطية في العام الماضي لتصبح أكثر شبهاً بإيران أم أكثر شبهاً بالصين؟ وبعبارات أخرى، هل تكون مصر على استعداد للتضحية بمعاهدة سلام كامب ديفيد، وبالمساعدات الأميركية والتنمية الاقتصادية من أجل دعم أجندة حماس الراديكالية الموالية لإيران، أم أنها غير مستعدة لمثل ذلك؟
وكان الجواب الذي جاء من القاهرة: كلا. لم يرد الرئيس محمد مرسي القادم من جماعة الإخوان المسلمين أن يتم جره وتوريطه في مواجهة شاملة مع إسرائيل بالنيابة عن حماس، وعمد بدلاً من ذلك إلى الإلقاء بثقل مصر في جهود الوساطة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار. لكن ذلك يدفع بسؤال أكثر مراوغة إلى المقدمة –عما إذا كان مرسي الذي قدم نفسه، في الوقت الراهن، باعتبار أنه يفضل أن يكون أقرب إلى دينغ زياوبينغ من آية الله الخميني، ينطوي على الرغبة في أن يكون أنور السادات أيضاً؛ أي، أن يستخدم نفوذه من أجل تحقيق انفراج بين الإسرائيليين والفلسطينيين بحيث لا يتم القبض على مصر عالقة في هذه الخطيئة مرة أخرى.
من المستحيل أن لا يعاني المرء وهو يحاول تخمين كم النفوذ الذي يمكن أن يمارسه مرسي في عملية السلام، إذا ما اختار إشراك إسرائيل من حيث الأساس. ولأنه يمثل الإخوان المسلمين بالتحديد، طليعة الإسلام العربي، ولأنه انتخب بطريقة ديمقراطية أيضاً، فإن إلقاء مرسي بثقله وراء محاولة إبرام اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، سيكون أكثر قيمة لإسرائيل بكثير من السلام البارد الذي قدمه السادات وحافظ عليه حسني مبارك. وفي حين كان السادات قد عرض على الإسرائيليين سلاماً مع الدولة المصرية، فإن مرسي يمكن أن يعرض على إسرائيل سلاماً مع الشعب المصري، ومن خلاله، مع العالم المسلم وما وراءه.
لكن من المفارقات، مع ذلك، أن كل هذا سيعتمد على أن لا يصبح مرسي دكتاتوراً مثل مبارك، وإنما على بقائه رئيساً منتخباً شرعياً، يمثل الشعب المصري حقاً. وقد أصبح ذلك الآن محل شك، نظراً لاستيلاء مرسي المقلق للغاية على السلطة في الأسبوع الماضي، وما أعقب ذلك من رد الفعل العنيف في الشارع المصري. ويجب على الرئيس أوباما أن يكون حذراً في أن لا يقايض ديمقراطية مصر بإحلال الهدوء بين إسرائيل ومصر وحماس. وكنا قد جربنا ذلك في حقبة مبارك. ولم ينته إلى خير.
لا شك في أن الثمن الذي يطلبه مرسي للانخراط مع إسرائيل سوف يكون التعامل مع مبادرة السلام العربية -الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الضفة الغربية والقدس الشرقية العربية، باستثناء مقايضة الأرض المتبادلة المتفق عليها، وعودة بعض اللاجئين، مقابل تطبيع العلاقات الكامل مع إسرائيل. وإذا ما تقدم مرسي بمثل هذا الاقتراح في محادثات مباشرة مع الإسرائيليين، فإنه سيتمكن بمفرده من إعادة إحياء معسكر السلام الإسرائيلي.
ولكن، هل لي أن أتوقع ذلك؟ ليس بأكثر مما أتوقع كسب جائزة اليانصيب. فقد كره الإخوان المسلمون الدولة اليهودية وناصبوها العداء منذ وقت طويل، وكذلك حالهم مع التعددية السياسية والدينية والنسوية. ولذلك، إليكم ما أتوقع: المزيد من المتاعب بين إسرائيل وحماس، والتي من شأنها أن تهدد باستمرار بجر مصر إلى المعمعة. وقد ظلت حماس منظمة مثيرة للخجل. فهي تخضع مصالح الشعب الفلسطيني لإيران (ولسورية في وقت سابق) التي تريد من حماس أن تفعل كل ما بوسعها من أجل جعل حل الدولتين مستحيلاً، لأن من شأن ذلك تسليم إسرائيل إلى قبضة الموت الدائم في الضفة الغربية، وهو ما سيشكل نقضاً للديمقراطية اليهودية، وسوف يصرف انتباه العالم عن تصرفات إيران وسورية الإجرامية.
وكانت إسرائيل قد غادرت غزة كلها في العام 2005، وهو ما وفر لحماس خياراً بين أمرين: إما أن تعترف بإسرائيل، وتكون لها حدود مفتوحة وتستورد أجهزة الكمبيوتر؛ أو أن تستمر في إنكار وجود إسرائيل، فتبقي على حدودها مغلقة، وتقوم بتهريب الصواريخ. وقد اختارت حماس الصواريخ على أجهزة الكمبيوتر. ومع كل صاروخ يهبط بالقرب من تل أبيب أو القدس، يقول إسرائيلي آخر: "كيف يمكننا أن نفلت الضفة الغربية من قبضتنا، فنخاطر بإغلاق مطارنا؟" وهذا هو بالضبط ما تريده حماس وإيران –التآكل والطحن الدائم للديمقراطية، وتدمير للشرعية، وعزل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية على المسرح العالمي- وهما سعيدتان جداً باستخدام الشعب الفلسطيني كضحية بشرية من أجل تحقيق هذا الهدف.
لعل أفضل وسيلة تستخدمها إسرائيل لإضعاف حماس، ستكون العمل على تمكين السلطة الفلسطينية العلمانية التي يقودها محمود عباس في الضفة الغربية من الحصول على قدر أكبر من الاستقلال وبناء اقتصاد مزدهر، بحيث يستطيع كل فلسطيني مقارنة أي الاستراتيجيتين هي التي تعمل بشكل أفضل: العمل مع إسرائيل أو ضد إسرائيل. وقد فشلت الحكومة الإسرائيلية الحالية في القيام بذلك. وهي في الحقيقة حكومة مفرطة في قصر النظر. لكن حماس تجعل من الأسهل على إسرائيل الإفلات بذلك عن طريق تجاهل ما نعرفه من التاريخ: إن كل من يجعل الأغلبية الصامتة الإسرائيلية تشعر بعدم الاطمئنان أخلاقياً إزاء الاحتلال، بينما يجعلها آمنة استراتيجياً في إسرائيل، يكسب. وبعد أن طار السادات إلى القدس، عرف الإسرائيليون أنها لم تعد ثمة طريقة -على المستوى الأخلاقي- يستطيعون بها التمسك بسيناء، كما شعروا بأنهم لم يعودوا في حاجة إلى ذلك، استراتيجياً. وعندما فعل العاهل الأردني الملك حسين وياسر عرفات الشيء نفسه، تمكن كلاهما من الحصول على أرض. واليوم، لا شيء يجعل الإسرائيليين يشعرون بمزيد من انعدام الأمن الاستراتيجي وبأنهم آمنون أخلاقياً مع الاحتلال أكثر من هجمات حماس الصاروخية الغبية، حتى بعد انسحاب إسرائيل.
لذلك، وكما ترون، أصبح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي غير المحلول، ومستقبل الديمقراطية المصرية، والصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل والعرب مع إيران وسورية، كلها قضايا متشابكة جميعاً. والآن، تستطيع قيادة مصرية ذكية وشجاعة نزع فتيل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتعزيز الديمقراطية المصرية، وعزل النظامين الإيراني والسوري، وحماس. بينما ستعمل قيادة متهورة أو ضعيفة على تمكين هؤلاء الثلاثة الأخيرين جميعاً. إن هذه لحظة كبيرة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Morsi’s Moment

التعليق