تحديات تواجهها تونس

تم نشره في الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • تونسيات يشاركن في الانتخابات التشريعية السابقة - (أرشيفية)

افتتاحية  (النيويورك تايمز)
ترجمة عبد الرحمن الحسيني
بالكثير من المقاييس، تحظى تونس بأفضل فرصة لتتميز من بين بلدان الربيع العربي بالانتقال إلى الديمقراطية. فهي دولة تقودها قيادة إسلامية معتدلة تحتفظ بروابط وثيقة مع الغرب. وبعد عامين تقريباً من الإطاحة بواحد من عتاة الأوتوقراطيين الأكثر قمعية، زين العابدين بن علي، انغمس التونسيون معمقاً في المهمة الحاسمة الكامنة في صياغة دستور ما بعد الثورة.
 لكن ثمة موجة من الحوادث العنيفة الأخيرة، بما في ذلك الهجمات التي شنت على السفارة الأميركية في تونس في الشهر الماضي، صبت وقوداً على نار التوترات الجديدة بين الحكومة الإسلامية المعتدلة وبين أحزاب المعارضة العلمانية الليبرالية حول دور الإسلام والطريقة الأمثل للتعامل مع المتطرفين. وستحدد كيفية حل تلك التوترات مستقبل تونس والنقاش الإقليمي الأوسع حول ما إذا سيكون بالإمكان نجاح تعايش الإسلام مع الديمقراطية.
ومنذ انتصارها في انتخابات الجمعية الدستورية في تشرين الثاني (أكتوبر) من العام الماضي، تحاول حركة النهضة، الحزب الإسلامي المعتدل الذي يقود الحكومة في ائتلاف مع حزبين علمانيين، طمأنة التونسيين إلى أنها ستحترم القيم الديمقراطية الليبرالية ولن تعمد إلى فرض قانون أخلاقي إسلامي صارم.
لكنها فتحت المجال بذلك أمام موقف متسامح تجاه الإسلاميين المغالين في المحافظية، والذين يعرفون بالسلفيين. ولا يقتصر المنتقدون على العلمانيين وحسب، الذين يجيشون أصلاً لهزيمة "النهضة" في الانتخابات المقبلة. ففي تقرير حديث، قالت منظمة "هيومان رايتس ووتش" إن السلطات بدت غير قادرة -أو غير راغبة- في حماية الأفراد من هجمات يشنها عليهم المتطرفون الدينيون. كما اشتكت المجموعة من تزايد القيود المفروضة على حرية التعبير فيما يخص الصحفيين والفنانين ومنتقدي الحكومة المتخفية في رداء الحفاظ على النظام العام والمعنويات الجماهيرية.
وفي الأثناء، يسود اعتقاد بأن أقلية وحسب من السلفيين تتبنى العنف. وعليه، وبدلاً من الانقضاض على كل السلفيين، يحاول قادة حركة النهضة دمجهم في النظام الديمقراطي. لكن الهجوم على السفارة، والذي ألحق الضرر بصورة تونس، وفي الجهود الرامية لإنعاش الاقتصاد المتعثر، قد تكون اضطرت المعنيين إلى إعادة التفكير. وفي مقابلات أجريتها في تونس في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، قال مسؤولو حركة النهضة أن المتطرفين المنخرطين في العنف سيحاكمون وفق القانون. وبعد ذلك، قضت محكمة تونسية على قائد في المجموعة الإسلامية الراديكالية "أنصار الإسلام" بالسجن لمدة عام واحد بعد تجريمه بالتحريض على مهاجمة السفارة الأميركية. وككل، اعتقلت السلطات 144 شخصاً على خلفية الأحداث.
 كما استدرجت حركة النهضة النيران بتسامحها مع طرح الاقتراحات الدستورية التي تمجد الشريعة وتنتقص من حقوق النساء. وفي نهاية المطاف، تراجع الحزب التابع للحركة عن تلك المواقف وعن مسودة الدستور بشكلها الحالي قبل أن تعمد الجمعية إلى شطب مسألة الشريعة وإقرار المساواة الجندرية. وقد يكون قادة النهضة يناورون في ذلك بهدف جر السلفيين إلى العملية السياسية، بينما يحافظون على دعمهم السياسي، لكن تلك المناورة أعطت العلمانيين المسوغ للشك في التزام حركة النهضة بالتعديل.
إلى ذلك، ينظم العلمانيون ائتلافاً معارضاً تحت قيادة الباجي قائد السبسي، رئيس الوزراء السابق الذي خدم أيضاً في حكومة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة. وبينما يقفون على جادة الصواب عند انتقادهم الخطوات الخطأ التي خطتها حركة "النهضة"، فإن عليهم أيضاً أن يدركوا أنه لم يعد بالإمكان، في ظل الديمقراطية، استبعاد الإسلاميين من المشاركة في السلطة.
وفي الأثناء، يتركز الضغط على حركة "النهضة" للتوصل إلى وضع دستور يحمي حقوق كل التونسيين في ظل نظام من العدالة المتساوية، كما وخلق الوظائف بحيث لا يتم جر الشباب التونسي المتعلم، لكن العاطل عن العمل، إلى الحركة السلفية التي ستعمد إلى استغلال أوضاعهم وانخداعهم بها. كما تتم ممارسة الضغط أيضاً على العلمانيين من أجل التوصل إلى طرق للعمل مع "النهضة" لبناء دولة أفضل. وذلك يتطلب المزيد من التنازل والالتزام نحو الصالح العام أكثر مما يرغب أي من الجانبين في إظهاره حتى الآن.

*نشرت هذه الافتتاحية تحت عنوان: Tunisia’s Challenges

التعليق