حرب إسرائيل على إيران.. خديعة "بيبي" الكبرى

تم نشره في الأربعاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • بنيامين نتنياهو يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخراً - (أرشيفية)

غاريث بورتر
 (كاونتربنتش) 7/11/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أضيفت خدعة جديدة إلى الموضوع الذي يروجه الإعلام منذ وقت طويل حول تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالذهاب إلى الحرب مع إيران، عندما بدت القصص الإخبارية وأنها تلمح يوم الاثنين من الأسبوع الماضي إلى أن نتنياهو كان قد أمر القوات الإسرائيلية بالاستعداد لشن هجوم وشيك على المواقع النووية الإيرانية في العام 2010.
ووفق تقارير، فقد تراجع نتنياهو بعد اعتراض رئيس هيئة أركان الجيوش الإسرائيلية، غابي أشكنازي، ومدير المخابرات، مئير داغان، على الأمر.
لكن تفاصيل الواقعة التي ضمها تقرير للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي ضمن برنامجه الإخباري الاستقصائي "الحقيقة"، الذي بث على الهواء الأسبوع الماضي، تشير إلى أن أمر نتنياهو لم يكن توطئة لشن هجوم وشيك على إيران. وكان الأمر بوضع القوات الإسرائيلية في حالة التأهب القصوى قد لاقى الرفض من جانب أشكنازي وداغان بشكل رئيسي لأن نتنياهو ووزير الدفاع، إيهود باراك، لم يفكرا ملياً بأن المجازفة برفع درجة التأهب إلى أعلى مستوياتها قد يشعل فتيل حرب غير مقصودة مع إيران.
وبالإضافة إلى ذلك، كان المشاركون كافة يدركون أنه لم يكن لدى إسرائيل خيار عسكري واقعي لشن هجوم على إيران. وقد فشلت معظم القصص الإخبارية التي غطت الواقعة في إبراز الفارق بين أمر بالحرب، وآخر يدعو لأقصى حالات التأهب، مما خلق الانطباع الظاهري بأن نتنياهو كان يعد العدة للذهاب إلى الحرب مع إيران. وكان يجب قراءة الأخبار بشكل حذر جداً للوقوف على المغزى الحقيقي لتلك الواقعة.
فقد حمل تقرير شبكة "واي نت" حول القصة العنوان الرئيسي: "هل كانت إسرائيل على شفا خوض حرب في العام 2010؟"، ويتساءل شخص بهدف الاستفزاز: "هل حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك جر إسرائيل إلى عملية عسكرية في إيران من دون أخذ موافقة المجلس الوزاري على ذلك؟".
وكانت وكالة فرانس برس قد ذكرت أن نتنياهو وباراك "أمرا الجيش بالإعداد لشن هجوم ضد المرافق النووية الإيرانية".
أما رواية وكالة رويترز، فقالت إن نتنياهو وباراك "أمرا مسؤولي الدفاع الإسرائيليين في العام 2010 بإعداد العدة لشن هجوم على المرافق النووية الإيرانية، لكنهما ووجها بالرفض".
ومن جهتها، ذكرت وكالة الأسوشيتدبرس أن الأمر من نتنياهو قضى "بحالة تأهب قصوى بسبب هجوم وشيك على برنامج إيران النووي". وأن الواقعة "أشارت إلى أن إسرائيل كانت قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ ضربة في ذلك الوقت، قياساً مع ما كان معروفاً في السابق".
وبالتأكيد، تكون الانطباع لدى المدون في صحيفة "الواشنطن بوست" ماكس فيشر من هذه التغطية الصحفية بأن نتنياهو وباراك كانا "قد حاولا أمر القوات العسكرية الإسرائيلية بالاستعداد لضربة وشيكة ضد إيران، لكنهما نكصا على عقبيهما بسبب رفض مسؤولين رفيعين آخرين..."، واستنتج فيشر أن نتنياهو "كان عازما على ضرب إيران أكثر مما يعتقد الناس".
وهكذا تبدو تغطية القصة وكأنها ضخت حياة جديدة في فكرة أن نتنياهو جاد في مهاجمة إيران، رغم الدليل الواضح في الأسابيع الأخيرة على أنه هبط من ذلك الموقف العالي.
وتشير تفاصيل الواقعة في البرنامج الأصلي للقناة الثانية، كما أوردتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية اليومية، إلى أن أياً من الذين شاركوا في الاجتماع لم يصدق أبداً أن نتنياهو قد قرر فعلياً خوض غمار الحرب مع إيران.
وقد وقع الحادث، وفق البرنامج المذكور، بعد اجتماع عقده سبعة من كبار أعضاء المجلس الوزاري في وقت لم يحدد من العام 2010. وفيما كان داغان وأشكنازي على وشك مغادرة قاعة الاجتماع، كما يقول البرنامج، أمرهما نتنياهو بإعداد القوات الإسرائيلية "لاحتمال توجيه ضربة" ضد إيران عبر وضع جيش الدفاع الإسرائيلي في أقصى حالات التأهب.
وطبقاً لبرنامج القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، فقد استخدم نتنياهو العبارة الرمزية "إف بلس" للإشارة إلى حالة التأهب.
وقد رد أشكنازي وداغان بقوة على أمر نتنياهو، فما كان من نتنياهو وباراك إلا أن تراجعا. لكنه يبدو أن أشكنازي وباراك على حد سواء يوافقان على أن الموضوع لا يتعلق بما إذا كانت إسرائيل ستهاجم إيران بالفعل، وإنما يتعلق بإعلان حالة التأهب القصوى. وقد ألمح رد أشكنازي إلى أنه لم يفسر الأمر كإشارة إلى أن نتنياهو انتوى شن هجوم على إيران. ونسب إلى أشكنازي قوله عن ذلك: "إنه ليس شيئاً تفعله إذا لم تكن متأكداً من أنك ستقوم بمتابعته".
ومن جهته، سعى باراك إلى التقليل من أهمية الأمر بإعلان حالة التأهب القصوى، مؤكداً أن رفع مستوى التأهب "لم يكن يعني بالضرورة خوض الحرب".
وقال وزير الدفاع: "ليس صحيحاً أن خلق حالة يكون فيها جيش الدفاع الإسرائيلي في حالة تأهب لساعات قليلة أو لأيام قليلة لتنفيذ عمليات معينة، هو أمر يجبر إسرائيل على المضي قدما في تنفيذ هذه العمليات".
ومع ذلك، لم يؤكد أشكنازي أن نتنياهو سوف يُجبر على شن الهجوم. وبدلاً من ذلك، خشي من أن يكون لإعلان حالة التأهب تداعيات غير مقصودة إذا اقتنعت إيران بأن إسرائيل نوت فعلاً شن الهجوم، وبالتالي ينقدح فتيل الحرب.
وأبرز قائد جيش الدفاع الإسرائيلي السابق ذلك الخطر في التعليق بقوله: "هذا الأوكورديون سوف ينتج موسيقى عندما تعزف عليه". ووفق "مصادر مقربة" من أشكنازي -تستخدم هذه الصيغة في العادة عندما لا يرغب المسؤول أو المسؤول السابق في اقتباسه مباشرة.
وقال باراك أيضاً إن أشكنازي كان قد رد بقوله إن جيش الدفاع الإسرائيلي ليست لديه القدرة لتنفيذ ضربة ضد إيران. ونسب في البرنامج إلى باراك قوله: "في نهاية المطاف، عند لحظة الحقيقة، كان الجواب الذي أعطي، في الحقيقة، هو أن القدرة ليست موجودة".
ولعل ما ينطوي على مغزى هو أن باراك لم يبذل أي جهد لنفي حقيقة أن سلاج الجو الإسرائيلي لم يتوافر على القدرة لتنفيذ هجوم ناجح ضد إيران. وبدلاً من ذلك، تراه يلوم أشكنازي لفشله في إعداد القوات الإسرائيلية لهجوم محتمل.
ومن جهته، نفى أشكنازي مغضباً ذلك الاتهام السياسي. ونسب إليه القول: "لقد أعددت الخيار، وكان الجيش مستعداً للضربة، لكنني قلت أيضا إن توجيه الضربة الآن سيكون خطأ استراتيجياً".
وما يزال القادة العسكريون الإسرائيليون يقولون على الملأ إن جيش الدفاع الإسرائيلي يستطيع توجيه ضربة. لكنه بينما نقل عن أشكنازي قوله إن الجيش كان "مستعداً لضربة"، فإن هذا القول ليس مثل الادعاء بأن إسرائيل كانت تتوافر على خيار عسكري له أي فرصة نجاح لإعاقة برنامج التخصيب لدى إيران. وفي شباط (فبراير) من العام 2011، قال لرئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية في حينه، الأدميرال مايك مولن، إن الإشارات إلى الخيار العسكري هي "عبارات جوفاء" لأنه "ليس لدى إسرائيل خيار عسكري"، وفق تقرير سابق لصحيفة يديعوت أحرونوت.
ورغم الخلافات السياسية العامة بينهما، فإن كلاًّ من باراك وأشكنازي أوحيا ضمناً بأن الهدف من حالة التأهب العليا كان تحقيق أثر سياسي وليس التحضير لشن هجوم فعلي.
وفي الأثناء، بدا كل من أشكنازي ومدير الموساد السابق داغان مصدومين لأن نتنياهو وباراك كانا يبديان قدراً كبيراً من عدم المسؤولية فيما يتعلق بإدارة المخاطر الخاصة بمحاكاة التحضير لحرب مع إيران. واستنتج داغان أن نتنياهو غير مناسب لقيادة البلد -وهي نقطة كررها منذ مغادرته الموساد في العام 2011.
وكان نتنياهو قد سعى إلى استغلال التهديد المفترض بالقوة العسكرية ضد إيران لغاية ممارسة ضغط على الرئيس الأميركي باراك أوباما لحمله على تبني عقوبات شديدة ضد إيران، وحتى لحمله على التعهد باستخدام القوة إذا لم تقدم إيران تنازلات في برنامجها النووي. لكن الرد الحازم من جانب أوباما على ذلك المخطط في الصيف الماضي وضع نهاية لتلك المرحلة من مخطط خيار نتنياهو العسكري، كما انعكس في فشله تضمين أي تهديد في خطابه أمام الأمم المتحدة في أواخر أيلول (سبتمبر) الماضي.
ومع ذلك، يستمر نتنياهو في الإصرار في العلن على أنه ما يزال يدرس الخيار العسكري ضد إيران. وقال في مقابلة مع برنامج القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي: "إننا جادون، وهذا ليس استعراضاً. إذا لم تكن هناك طريقة أخرى لوقف إيران، فإن إسرائيل مستعدة للعمل".
ويقول المراقبون السياسيون في إسرائيل إن موقف نتنياهو القتالي أصبح في الوقت الراهن ثيمة رئيسية في حملته لإعادة انتخابه كرئيس للوزراء. لكن، وكما توضح تغطية واقعة العام 2010، فإن الإعلام الإخباري لم يتخل بعد عن قصة استعداد نتنياهو للذهاب إلى الحرب ضد إيران.
*مؤرخ وصحفي استقصائي متخصص في سياسة الأمن القومي الأميركي. وكانت النسخة الورقية من أحدث كتاب له بعنوان "مخاطر الهيمنة: عدم التوازن في القوة والطريق إلى الحرب في فيتنام" قد نشرت في العام 2006. وتلقى بورتر جائزة مارثا غيلهورن البريطانية في الصحافة في العام 2011 عن المقالات التي كتبها عن الحرب الأميركية في أفغانستان.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Bibi’s Big Bluff

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العالم غريب (ابو سامي)

    الخميس 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    فعلا عجبي من العالم الذي لا يريد ان يفهم ان اسرائيل لا تستطيع القيام بحرب على اية دولة مهما كان صغر تلك الدولة ...
    اليهود لا يحاربون لوحدهم وهذا ثابت منذ وجودها في فلسطين
    وهي لم تنتصر بحرب مطلقا لانها لم تحارب اصلا ...
    ان مصر وحدها قادرة على محو اليهود عن بكرة ابيهم اذا لم تتدخل اي دولة في الحرب