الناجي

تم نشره في الاثنين 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • الرئيس السوري بشار الأسد - (أرشيفية)

رندة سليم* - (فورين بوليسي) 12/11/2012

  ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يوم 18 آب (أغسطس) 2011، أصدر الرئيس الأميركي باراك أوباما بياناً مكتوباً تضمن القول: "من أجل الشعب السوري، حان الوقت لكي يتنحى الرئيس الأسد عن منصبه". وكانت تلك أول دعوة صريحة يوجهها للزعيم السوري للتنحي. والآن، وبعد 452 يوماً، مايزال بشار الأسد في السلطة. وكما قال للتلفزيون الروسي مؤخراً: "أنا سوري، ولدت في سورية، وسوف أعيش وأموت في سورية".
 وحتى عندما تطور ما كان في البداية انتفاضة سلمية إلى تمرد مسلح واسع النطاق، فإن نظام الأسد ما يزال يثبت أنه شديد العناد. وهو ما يزال يتحدى كل مركز حضري في البلد. وبينما نجح المتمردون في تحرير أراضٍ في المحافظات السورية الشمالية، فإنهم ما يزالون غير مسيطرين حتى على مدينة رئيسية واحدة. وعلى عكس بلدان عربية أخرى حيث أطاحت انتفاضات المواطنين بالأوتوقراطيين، لا يظهر نظام الأسد أي أمارات على الضعف، ومن ثم الدخول في طي النسيان في وقت قريب.
وعلى عكس الحال في ليبيا، حالت المصالح المتنافسة للاعبين الإقليميين والدوليين حتى الآن دون التدخل العسكري الأجنبي. لكن قوة النظام والانقسامات التي تعصف بالقوى المناهضة للأسد، لعبت حتى الآن دوراً مهماً في تثبيط همة أي تدخل أجنبي مباشر. وفي ما يلي أربعة أسباب تفسر لماذا يظل الأسد في السلطة:
أولاً: لم تتصدع التركيبة الداخلية للنظام. وفي تموز (يوليو) الماضي، تلقت الدائرة الداخلية المحيطة بالأسد ضربة خطيرة حين قتلت قنبلة أربعة من أعضائها -بمن فيهم صهر الأسد، آصف شوكت، ووزير الدفاع داود راجحة. لكن الأسد ومجموعته من المستشارين الكبار سرعان ما استفاقوا من هذه الضربة، فعينوا بدائل للمسؤولين الذين قتلوا في الانفجار.
ووفق مقربين من دوائر النظام، كان انفجار تموز (يوليو) هو أول حدث منذ بداية الانتفاضة يجعل نظام الأسد يشعر بأنه تحت التهديد. وثمة نكسات أخرى، مثل انشقاقات رئيس الوزراء السابق رياض حجاب، وصديق الأسد، القائد السابق في الحرس الجمهوري، العماد مناف طلاس، والتي لم تشكل بدورها تهديداً خطيراً للنظام. ومع حلول الوقت الذي انشقا فيه، كانا مجرد شخصيتين هامشيتين في المحور الداخلي للنظام.
وكما أعلن الأسد في مقابلة آب (أغسطس)، فإن هذه الانشقاقات كانت بمثابة "تطهير ذاتي" للنظام، حيث خلصته من العناصر غير الموالية. والآن، صغرت الدائرة الداخلية النظام لتقتصر على أعضاء عائلة الأسد ومسؤولي الأمن العلويين موضع الثقة، وبعضهم ممن احتفظوا بمناصبهم منذ حكم والد الأسد؛ حافظ. ويبدو أن هذا المحور يتكون من شخصيات أكثر صقرية، والتي ترى الصراع في أبعاد وجودية. وفيما تضمحل الدائرة الداخلية، يصبح رد النظام أكثر تصميماً ودموية.
وكما قال الأسد في المقابلة مع التلفزيون الروسي، فإن التدخل العسكري الخارجي غير مرجح لأنه سيكون مكلفاً جداً للمجتمع الدولي. وإذا صح ذلك، فإن النظام يحسب أنه يستطيع التمسك بالسلطة، وينكر على المعارضة المسلحة القدرة في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض -جاعلاً الثوار يفقدون الزخم على نحو متزايد. ويعزز هذا الاعتقاد الدعم الموثوق الذي يحظى به النظام من روسيا وإيران.
ثانياً: ليست القوات العسكرية السورية قريبة من نقطة الانكسار. ويقدر عدد أفراد القوات المسلحة العاملين بنحو 295000، بالإضافة إلى 314000 جندي إضافي في الاحتياط. وعلى الرغم من استحالة الحصول على أرقام دقيقة، فإن بعض الحسابات الخفية تجعل من الواضح أن جل هذه القوة لم ينشق وينضم إلى صفوف الثوار.
وقال لي قاسم سعد الدين، القائد في الجيش السوري الحر في حمص مؤخراً إن الانشقاقات العسكرية تشكل حوالي 30 % من ضباط وضباط صف التمرد المسلح الذين يقدر عددهم بما يتراوح بين 50000 و100000 رجل. ويعني هذا أن معدل الاستنزاف في الجيش السوري يصل في أفضل الحالات إلى حوالي ما يتراوح بين 5 إلى 10 % -وهو ما لا يكفي لإضعاف قدراته القتالية على نحو خطير.
وبالإضافة إلى ذلك، وعندما يطرح عليهم الاختيار، فإن العديد من المنشقين يعودون إلى بيوتهم، مؤثرين ذلك على الانضمام إلى صفوف الجيش السوري الحر. كما تم التعويض عن خسائر الأسد في القوات العسكرية خلال الزيادة في عديد القوات شبه العسكرية "الشبيحة". ويصبح هؤلاء المقاتلون العلويون بشكل رئيسي بازدياد قوة مقاتلة ماهرة بفضل التدريب الذي يتلقونه من جانب ناشطي حزب الله. وفي الأثناء، يظل الولاء للنظام قوياً في أوساط الجنود غير العلويين. ومن جهتهم، تصرف المتمردون على نحو يثبط عمليات الانشقاق: فقد أظهر شريط فيديو بث على الموقع الخاص بالتواصل الاجتماعي "يوتيوب" ثواراً وهم يعدمون مجموعة من الجنود السوريين غير المسلحين، وهو ما يقنع الجنود الآخرين بالتمسك بالنظام.
ثالثاً: تظل الجالية العلوية في سورية معادية للانتفاضة. وحتى الآن، يبقى الاستياء السياسي في صفوف العلويين، الأقلية الدينية التي ينتمي الأسد إليها، محدودة جداً في الوقت الراهن -على الرغم من القليل من الانشقاقات العسكرية والمدنية في هذه الصفوف.
وتظهر هناك بعض أمارات الامتعاض داخل الطائفة العلوية، فيما يعود بشكل رئيسي إلى الإصابات الثقيلة في صفوف قوات النظام ذات الأغلبية العلوية. ففي يوم 29 أيلول (سبتمبر)، كان هناك إطلاق نار في بلدة القرداحة، الموطن الأم لأسلاف الرئيس الأسد -وقد وقع الاشتبكاك بين اثنين من أقرباء الأسد. وبينما يعتقد بأن القتال كان يتعلق بشؤون العمل في تهريب السجائر والأسلحة وغيرها من السلع المحظورة، والتي تسيطر عليها عائلة الأسد الممتدة، فإنه ربما كانت له بعض التداعيات السياسية.
وقد سارعت عائلة الأسد إلى نفي أي إشارة على وجود استياء في صفوف العلويين، نظراً لأن هذا الاستياء يقوض رواية النظام التي تتحدث عن انتفاضة إسلامية سنية تستهدف الطائفة العلوية. وبعد إطلاق النار في القرداحة، على سبيل المثال، تداعوا على جناح السرعة إلى ترتيب مصالحة بين العائلتين المتنازعتين. وفي الأثناء، تتم ملاحقة واصطياد ناشطي المعارضة العلويين وسجنهم وضربهم. وعندما لا يجدي كل شيء آخر، فإن عائلاتهم وأقاربهم ينبذونهم.
إلى ذلك، يعتمد أي أمل على تفجر النظام من الداخل على فك العلويين لرباطهم النفسي مع الاستدامة السياسية للأسد. وليس ثمة أمارات تشير إلى أن هذه العملية قد بدأت حتى الآن. فقد فشلت المعارضة -خاصة القيادة المنفية- فشلاً ذريعاً في التقرب من الطائفة العلوية. ولم تتمكن أي شخصية معارضة حتى الآن من طرح قضية مقنعة للعلويين بأن مستقبلهم في سورية ما بعد الأسد سيكون آمناً وخالياً من عمليات القتل الانتقامية، وأنهم سيتمتعون بحقوق متساوية مثل إخوانهم السنة، وأن مصالحهم الاقتصادية ستصان وأنهم لن يكونوا موضع الشك والريبة لأعوام ستأتي. ولعل الأسوأ من ذلك هو أنه ليس هناك تفكير جاد يتأسس في صفوف المعارضة حول كيفية تطوير مثل هذا السرد.
رابعاً: ما تزال المعارضة السورية متشظية. وكانت مجموعات المعارضة السورية قد وقعت اتفاقية مؤقتة يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر)، والتي استهدفت توحيد كل الفصائل المعادية للأسد تحت مظلة ائتلاف واحد. (وهو ما تم في الدوحة مؤخراً). ومع ذلك، تمس الحاجة لعمل الكثير: ويكمن التحدي الرئيسي الذي يواجه كل مكون مفرد من المعارضة -بدءاً من القمة ونزولاً إلى أصغر اللجان التنسيقية المحلية- في غياب برنامج سياسي يوحد المجموعات المفترقة المعادية للأسد. وعلى الرغم من أن ثمة مجموعات مختلفة ما تفتأ تعمل على أجندة "الاستمرار يوماً آخر"، فإنه ليس ثمة رؤية سياسية عامة حول كيفية الانطلاق إلى اليوم، الذي يعقب سقوط الأسد.
وباختصار، ثمة فراغ سياسي وفراغ تنظيمي عند كل مستوى من مستويات المعارضة السورية. وقد فاقمت تدفقات التمويل المتنوعة المتوفرة للمعارضة هذه المشكلة، مع ظهور تشكيلات سياسية وعسكرية جديدة، لمجرد الغاية الوحيدة المتمثلة في تلقي أموال. والذي يحكم اليوم المنافسة ليس التعاون -حتى في داخل المجالس العسكرية. وكما أخبرني أحد الناشطين المعارضين، فإن "صفوف المعارضة السياسية السورية تنتفخ من خلال المزيد من التشظي".
وثمة بعض الخطوات التي يجري اتخاذها راهناً لتصحيح هذه المشكلات. ويعد مؤتمر مجموعات المعارضة السورية في الدوحة، العاصمة القطرية، من المتطلبات الضرورية المسبقة لإرساء أرضية العمل لحقبة سورية ما بعد الأسد. ويجري تأسيس مجالس محلية في الأراضي المحررة، وجمع ناشطين مدنيين محليين ومجالس عسكرية في جهد يرمي إلى تشغيل المؤسسات الحكومية مرة أخرى. ويهدف عمل هذه المجالس إلى المساعدة في تقديم الخدمات الضرورية للسوريين والوفاء باحتياجاتهم اليومية. وما يزال الوقت مبكراً جداً، مع ذلك، على تقدير ما إذا كانوا سينجحون في التغلب على الاقتتال الداخلي والتنظيم البائس الذي ما يزال يعصف بمؤسسات المعارضة حتى الآن.
وفي الأثناء، وفي ظل غياب شيء يغير قواعد اللعبة، يظل الجمود العنيف في سورية هنا ليبقى. ويعتقد كل جانب في هذا الصراع بأن استمرار الزخم يخدم قضيته، ولذلك يبدو كل جانب غير راغب في التوصل إلى صفقة.
وبغض النظر عمن يتربع على قمة النظام السوري في المستقبل، فإنه سيكون مجبراً على التعامل مع مواطنين يرجح أنهم لم يعودوا يقبلون بأن يحكموا بقبضة من حديد. وقد لا يسقط نظام الأسد غداً، لكنه لن يعود باستطاعته الحكم في سورية -ولم تعد رافعاته القديمة قادرة على العمل، وقد أثبتت أنها غير قادرة على إجراء إصلاحات كبيرة وذات مغزى.
ومن جهة أخرى، فإن عسكرة الصراع تهمش الناشطين والمجموعات المدنية التي بدأت الانتفاضة. ويضمن فشل العارضة السياسية -وعدم رغبتها- في وضع خريطة طريق معقولة لتسوية الصراع، أن يكون الصراع العسكري هو النهج الخاطئ للانتفاضة على المدى القصير إلى المتوسط، مما يغرق البلد أعمق في أتون الفوضى العارمة والعنف.
وفي هذه الفترة الفاصلة، ينجم لاعبون جدد في سورية. وبشكل خاص، تقحم مجموعات جهادية أجندتها الخاصة في الصراع. وعلى الرغم من أنها ما تزال غير واضحة الهوية كما كانت في أوج الحرب الأهلية العراقية، فإنها تتوافر على احتمال أن تكون لاعباً رئيسياً في أي سورية مستقبلية. في الحروب، مثلما في التطور، يكون الأنسب والأصلح هو الذي يعيش ويزدهر -وتبدو هذه المجموعات، لسوء الطالع، هي الأنسب.
*زميلة بحث في المعهد الأميركي الجديد، وعالمة في معهد الشرق الأوسط.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
The Survivor

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق