حدود العلاقة الأميركية-الأوروبية

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:55 صباحاً
  • الرئيس الأميركي أوباما مع عدد من قادة أوروبا في لقاء سابق - (أرشيفية)

برنار غيته – (ليبراسيون) 2012/10/30
ترجمة: مدني قصري
بعيدا عن كل الحسابات، وما دامت النتيجة ستكون ضيقة للغاية، تحسم أميركا أمرها دائماً في أسبوع الانتخابات. وبكل تأكيد، لا يكون اختيارها عديم الأهمية بحيث لا يبالي به أحد. فمع ميت رومني، تعود أميركا إلى نظام ما اصطلح على وصفه بتعطيل النظام الاقتصادي، وإلى رفض "المساعدة الاجتماعية"، وإلى فكرة أنه كلما ازداد الأغنياء غنى، صار الجميع أحسن حالاً. ومع باراك أوباما، يستمر البيت الأبيض، على العكس من ذلك، في مجابهة لوبيات الضغط المالية وممثليها، لصالح إعادة التوزيع الضريبي، ولصالح الدولة الحَكَم والضامنة على المدى البعيد لقوة عامة قادرة على الدفاع عن أضعف المواطنين، وعن الصالح العام.
إنه صراع أميركا روزفلت، وكينيدي، وجونسون، ضد أميركا ريغان وبوش. وعادة ما يكون ثقل نتائج هذه المعركة ذا تأثير كبير على علاقات قوى التوازن الدولي ما بين رأس المال والعمل، ولكن ليس هذا هو المهم.
سواء كان رومني أو أوباما هو الفائز في النهاية يوم 6 تشرين الثاني (نوفمبر)، (فاز بها الرئيس أوباما بفترة رئاسية ثانية) فإن الرئيس الأميركي سيفكر وفقا لأفق المحيط الهادئ، وليس أفق المحيط الأطلسي. وسوف يفكر في آسيا وليس في أوروبا. ولعل أفضل إشارة على ذلك هي أن أياً من المرشحين الرئاسيين لم يأت خلال مناظرتهما حول السياسة الخارجية على ذكر أوروبا أو حلف شمال الأطلسي، وهو التحالف الذي ما انفكت الدبلوماسية الأميركية تستند إليه منذ نحو سبعة عقود.
ذلك لأن أوروبا لم تعد تشكل أي مشكلة لأميركا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، ولأنه لم يعد لديها أسواق يجب غزوها. وقد حوّلت أميركا كل اهتمامها نحو آسيا الصاعدة، حيث لديها اليوم مواقف صناعية تسعى لتأمينها، وقوة منافسة تسعى لمحاصرتها: وهي الصين، قبل أن تفرض الأخيرة هيمنتها على جيرانها ومنافسيها في هذا العالم الجديد.
والآن، وبعد أن أصبح الاتحاد السوفياتي جزءاً من التاريخ، أصبحت المعركة معركة جبابرة تندلع بين أميركا والصين. وسوف تهيمن هذه الحرب على القرن، وسوف تغير الجغرافيا السياسية. ولن يعود هناك غرب من ناحية وأطلسي من الناحية الثانية، وإنما الولايات المتحدة وآسيا من ناحية، ومن الناحية الثانية أوروبا ومناطق نفوذها الشرقية والجنوبية؛ منطقتان كبيرتان تسعيان للبحث عن توازنات داخلية لن تعثرا عليها إلا بعد وقت طويل.
ولا يعني هذا أن أي تضامن سوف يتلاشى بين عشية وضحاها بين ضفتي الأطلسي. سوف تستمر العلاقة المتميزة بطبيعة الحال، لكنها سوف تتراجع أكثر فأكثر، لأنها ستكون للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أولويات أخرى غير الحفاظ على هذه العلاقات.
حتى تتمكن من مواجهة آسيا، سوف تسعى الولايات المتحدة في المقام الأول إلى بناء جبهة توحّد الأميركتين في سوق مشتركة تمتد من ألاسكا إلى الأرجنتين. وسوف تسعى لأن تعارض الصين في ما تسعى إليه من تعزيز تحالفاتها مع اليابان وجنوب شرق آسيا، والهند أيضاً إذا أمكن. إن تضخم الميزانيات العسكرية الآسيوية، وإعادة نشر القوات الأميركية في منطقة المحيط الهادئ، والمواجهة بين الصين واليابان حول جزر صغيرة غير مأهولة ومتنازع عليها، هي أمور تنبئ منذ الآن بمناورات هائلة.
لقد بدأ القرن الجديد في منطقة المحيط الهادئ، وهو يبدأ بالتوازي في أورو-أفريقيا، حول هذه البحيرة المشتركة: البحر الأبيض المتوسط.
سواء شاء أم أبى، وسواء أقر بذلك أم لم يقر، فإن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يعتمد إلى ما لا نهاية على الحماية العسكرية من الولايات المتحدة الأميركية. وليس عليه أن يحقق في نهاية المطاف دفاعه المشترك وحسب، ولكن عليه أيضا أن يؤمّن الاستقرار على حدوده من خلال بناء علاقات قوية مع روسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، أي جيرانه الثلاثة الكبار الذين لا مفر من أن يأخذ الطفرات التي تعيشها هذه البلدان بالاعتبار، وهي الطفرات التي تُعتبر، على أي حال، أقرب إليه من أميركا. 
إن روسيا تتراجع في ظل هيمنة حكم فلاديمير بوتين الذي يحلم بأن يربطها بالصين حتى يدعم حكمه الدكتاتوري بعيداً عن الديمقراطية الأوروبية. لكن هذا المشروع لا مستقبل له. فروسيا في حاجة إلى أوروبا حتى تمنع اليد العاملة والتجار والصينيين من مواصلة زحفهم على سيبيريا، ناهيك عن حقيقة أن الطبقات الوسطى الحضرية الروسية الجديدة تتطلع إلى أوروبا، وبالتأكيد ليس إلى آسيا. لذلك، يترتب على الاتحاد الأوروبي أن يقترح على روسيا أفقا ديمقراطيا من خلال إرساءٍ قواعد جديدة مع أوروبا، والتي يمكن أن تختارها روسيا في النهاية عندما تتأكد من مأزقها الحالي، وكذلك الأمر بالنسبة لأفريقيا والشرق الأوسط.
إذا كانت أوروبا تريد تحقيق الاستقرار على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وإذا كانت ترغب في  أن تواكب النمو الناشئ في أفريقيا، والخطوات الأولى للديمقراطية العربية، وإذا كانت تريد فتح أسواق والحدّ من تدفق الهجرة غير الشرعية، وأن تطوي نهائيا صفحة النزعة الجهادية، فإن عليها أن تستثمر في المغرب العربي، وفي المشرق وأفريقيا السوداء، وأن توطد أواصرها بهذه المناطق، وتصنع منها شركاء اقتصاديين على المدى الطويل. وكما هو الحال مع روسيا، لا بد من إرساء أسس لمصير مشترك مع هذه البلدان، وسيكون هذا المصير أكثر وضوحا من مصيرها مع الصين التي ليس الاستقرار فيها مضمونا أكثر مما هو في هذه البلدان. وهنا إذن تتحدّد ملامح مستقبل أوروبا، مثلما يتحدد مستقبل الولايات المتحدة في آسيا.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: L’Amérique, l’Europe et leurs marches

التعليق