التعددية الدينية في الأردن: إنموذج للسلام في الشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

د. جمال الشلبي*

 

"الناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" (الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه).
سيجد المتابع لما يجري في دول الشرق الأوسط عبر وسائل الإعلام المختلفة، أن معظم هذه الدول تعاني من صراعات عرقية ودينية وسياسية بنسب مختلفة، باستثناء الأردن. والسبب في ذلك أن الموقع الجغرافي للأردن جعله محاطاً بدول قوية ذات توجهات وأيديولوجيات توسعية، ما حتم على قيادته السعي إلى اعتماد سياسة الاعتدال والتوازن والمرونة. وكل ذلك انعكس، بالتالي، على السياسة الداخلية، وما تمثله من تعددية دينية وسياسية قل نظيرها في هذه المنطقة. فالأردن الذي يقع في قلب الشرق الأوسط، ويسكنه ما يزيد على 6 ملايين نسمة؛ منهم 4 % من أبناء الديانة المسيحية، استطاع، منذ تأسيس الدولة الأردنية العام 1921 وإلى الآن، أن يرعى سياسة التسامح والوئام الديني، وأن يدافع عنها بين مكوناته المختلفة.
لقد جاءت زيارة البابا بيندكتس السادس عشر إلى الأردن العام 2009 لتؤكد أن للزيارة رسائل سياسية واجتماعية تتعدى أبعاد السياحة الدينية، وتتجاوز ترسيخ مكانة الحج المسيحي ومساره على الأراضي الأردنية، نحو إضاءة وفهم "الأنموذج الأردني" في التعايش الديني عموماً والتعددية خصوصاً.
إذن، لفهم "الأنموذج الأردني" في التعددية، سنقوم، أولاً، بتسليط الضوء على جذور المسيحية في الأردن وهويتها، ثم نتطرق، ثانياً، لدور القيادة الهاشمية في رعاية المسيحيين، إلى أن نصل، ثالثاً وأخيراً، إلى مستقبل هذه الشريحة الاجتماعية من الأردنيين، ولاسيما في ظل "الربيع العربي".
أولاً: جذور المسيحية الأردنية وهويتها
المسيحية في الأردن (كما هي الحال في بقية بلاد الشام الأخرى) ليست نتاج تبشير، بل هي النسخة الأصلية التي انتقلت إلى العالم الغربي. والمسيحية لم تكن يوماً هدية الرجل الأبيض القادم من الغرب. وفي الدولة الحديثة للأردن التي رأت النور العام 1921، لم يكن المسيحيون "أقلية"، بل كانوا جزءاً من الأكثرية العربية التي يعرف الأردن نفسه في دستوره للعام 1952 بأنه جزء منها كما جاء في المادة (1). وعندما يقول الدستور "الإسلام هو دين الدولة" في المادة (2)، فهذه ليست طائفية تعزلهم؛ فالإسلام ثقافة وحضارة، وهو مكون أساسي في شخصية العربي المسيحي.
إن أول الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي كانت عبر بوابة الأردن (مؤتة واليرموك) التي تلاحم فيها العرب المسيحيون مع العرب المسلمين العام 732، وأدت إلى فتح بيت المقدس العام 736، وما نتج عنه من كتابة واحدة من أهم وثائق التسامح والتعايش المسيحي-الإسلامي التي عرفها التاريخ؛ أي "العهدة العمرية".
فحينما دخل الخليفة العربي المسلم عمر بن الخطاب القدس واستقبله بطريركها العربي صفرونيوس، حرر ابن الخطاب للمسيحيين عهداً أعطاهم فيه "أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، ولا تسكن الكنائس ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم". وقد رفض ابن الخطاب أن يصلي في كنيسة القيامة حتى لا يكون ذلك في المستقبل حدثاً يتسبب في الخلاف بين المسيحيين والمسلمين.
إن المسيحية الأردنية "فسيفساء" شرق أوسطية بامتياز؛ فهي قادمة من مدن وقرى وبوادي الكرك وعجلون ومادبا والمفرق والسلط من ناحية، ومدن وأرياف فلسطين ولبنان وسورية من ناحية أخرى. وهذا التنوع يعكس الوجه الآخر لقوة الدولة حينما يندمج الناس في هوية وطنية تتجاوز الأديان والطوائف، وتعيد تعريف الذوات بدون أن تنفيها.
ولا تختلف الطبيعة الاجتماعية للمسيحيين الأردنيين عن أقرانهم المسلمين الأردنيين أبداً. ومن الواضح أنه ليس للمسيحيين الأردنيين وجود مستقل بوصفهم طائفة دينية، ولا هم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم طائفة، ولا يتجسد حضورهم في كنيسة أو كنائس، بل في عشائر كغيرها من العشائر الأردنية. ولهذا يقول الأب رفعت بدر، عضو الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة: "حتى مطلع القرن العشرين، كان المسيحيون في شرق الأردن ينتظمون ضمن عشائر تدين بالمذهب الأرثوذكسي، وهي تابعة دينياً لبطريركية القدس للروم الأرثوذكس، التي تنظم شؤونها وفقاً للعرف العشائري كشقيقاتها وجاراتها القبائل العربية المسلمة". إلى أن يقول: "وبقيام المملكة الأردنية الهاشمية العام 1946، دخلت إلى المجتمع الأردني المسيحي العشائري التقليدي عناصر التحديث، وهي مدارس وإرساليات كنائس أخرى ككنيسة الروم الكاثوليك القادمة من دمشق وحيفا، وكنيسة اللاتين القادمة من بطريركيتهم في القدس، وكنائس بروتستانتية آتية غالباً من فلسطين. فاعتنق قسم من هذه العشائر الأرثوذكسية مذاهب مسيحية أخرى".
وعلى كل حال، وكما يقول الكاتب الصحفي الأردني-المسيحي ناهض حتر: "يكره أبناء العشائر المسيحية أي إشارة تمسّ بعروبتهم الصافية أو بأردنيتهم الأصيلة، فينفرون من الكلام عن "التعايش" و"التعددية" و"التسامح" وما يشبه ذلك من مصطلحات ليبرالية لا تفهم ولا تعكس حقائق البنية الاجتماعية الأردنية التي تدور مدار العشيرة والكتل العشائرية، وتندغم في سياق مشروع وطني لا مكان فيه إلا لهوية واحدة هي الهوية الأردنية العربية الممتدة في التاريخ والمتجذرة في الجغرافية من الغساسنة وورثتهم الأمويين حتى حلف البلقاء والدولة الأردنية الحديثة".
باختصار شديد، تُقرأ المسيحية الأردنية "كنموذج لازدهار الثقافات الفرعية" داخل بيئة ثقافية إسلامية مفتوحة. وهي البيئة التي تجعل من زيارة قداسة الحبر الأعظم للأردن العام 2009 عيداً وطنياً لكل الأردنيين، ليس من أجل قداسته فقط، بل تعبيرا عن احترام للمسيحية الأردنية  بوصفها جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي الوطني.
ثانياً: المسيحيون: حظوة ملكية مستمرة
يمكن القول بدون تردد إن للمسيحيين موقعاً متميزاً في الأردن على جميع المستويات. وتبرز المبادرات والخطابات الملكية، والتشريعات والسياسات المطبقة على أرض الواقع، لتؤكد هذه الحقيقة:
- المبادرات الملكية الحالية
منذ اعتلاء الملك عبدالله الثاني العرش العام 1999، برزت للوجود ثلاث مبادرات ملكية تدعو إلى التعايش والتسامح والتآخي الديني، ليس فقط بين مكونات الدولة والمجتمع الأردني (الإسلامية والمسيحية) بل والمجتمع والأسرة الدولية ( الغرب والإسلام). والمبادرات الثلاث هي:
1. رسالة عمان: بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)2001، برزت مبادرة "رسالة عمان" العام 2004، والتي تعد أهم مبادرة عربية تجاه الآخر (المسيحي والغربي). فقد أُعلن عن "رسالة عمان" في أحد مساجد عمان بمبادرة من العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وبحضور عدد كبير من كبار علماء العرب والمسلمين في ليلة القدر من شهر رمضان التي وافقت 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004. وكان هدف الرسالة توضيح الأعمال التي تمثل الإسلام من تلك التي لا تمثله، وتوضيح حقيقة الإسلام وقيمه القائمة على حسن النية، والاعتدال، والسلام.
2. كلمة سواء: مبادرة بدأت باعتبارها رسالة مفتوحة كتبها 38 داعية إسلاميا في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2006 إلى كبار رجال الدين المسيحي بعد شهر من خطاب البابا بيندكتس السادس عشر الذي اعتبره المسلمون لا يليق بالاحترام المفترض بين الإسلام والمسيحية، ولتؤسس بذلك مبادرة برعاية مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في الأردن تدعو إلى السلام والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، وإيجاد أرضية مشتركة بين المعتقدين قائمة على وصيتين: حب الله، وحب الجوار. ويتم عقد لقاءات دورية لتفعيل الحوار الإسلامي-المسيحي. ووقع على هذه الوثيقة 138 شخصية دينية وسياسية مسلمة.
3. الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان: أطلق الملك عبدالله الثاني هذه المبادرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2010، وتبنتها الجمعية من خلال تخصيص الأسبوع الأول من شهر شباط (فبراير) من كل عام أسبوعاً للوئام بين أتباع الأديان. والهدف من هذه المبادرة، كما  يقول مدير مركز التعايش الديني في عمان الأب نبيل حداد، هو: "مواجهة العنف والكراهية، والدعوة لاستخدام الحوار الإيجابي ونشر ثقافة الاحترام المتبادل وقبول الغريب، خاصة في ظل ما يجري حالياً في كثير من المجتمعات من عنف طائفي، وغياب للتسامح الديني".
وتتبدى أهمية هذه المبادرات بأن صاحبها هو الملك عبدالله الثاني، أحد أعضاء العائلة الهاشمية التي تعود في نسبها إلى رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. كما أن التعايش المسيحي–الإسلامي في الأردن، والذي تصل نسبة المسيحيين فيه قرابة 4 %، يعطي دفعة قوية لتطبيق فعلي لأفكار هذه المبادرة. ولا شك أن الصورة التي يحظى بها الأردن في الغرب تعزز من مصداقية هذه المبادرات، ولاسيما أن الأردن يسعى إلى قيادة "الدبلوماسية العربية" لشرح وجهات النظر العربية وتفسيرها دولياً، سواء على الجانب السياسي؛ كعملية السلام مع إسرائيل، أو على الجانب الديني عبر "رسالة عمان" خصوصا التي تحاول أن تجدد "العقد الإنساني" بين العالم العربي والإسلامي من جهة والعالم الغربي المسيحي من جهة أخرى.
الهاشميون بين الخطاب الديني وسياسة التنوع
بناء على التداخل بين ما هو سياسي وديني في طبيعة النظم السياسية في الشرق الأوسط ومنها الأردن، لا تخفي القيادة الأردنية رغبتها في أن تؤدي دوراً في علاقة الإسلام بالأديان الأخرى، وبخاصة المسيحية منها. فها هو الحسين بن علي، شريف مكة وقائد الثورة العربية الكبرى العام 1916، يؤكد في مراسلاته لمكماهون الإنجليزي على عروبة ولايات حلب وبيروت بالقول: "إنها ولايات عربية محضة، ولا فرق بين العربي المسيحي والمسلم، فإنهما أبناء جد واحد". وقد أكد ابنه الملك فيصل الأول، ملك سورية، هذه الحقيقة من خلال خطاب له في حلب في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1918 بالقول: "إنني أكرر ما قلته في جميع مواقفي بأن العرب قبل موسى وعيسى ومحمد، وأن الديانات  تأمر في الأرض باتباع الحق والأخوة. وعليه، فمن يسعى لإيقاع الشقاق بين المسلم والمسيحي والموسوي (اليهودي) فما هو بعربي".
ومع تأسيس إمارة شرق الأردن العام 1921 على يد الأمير (الملك) عبدالله الأول، نجح الأمير (الملك) في بناء قاعدة من العلاقات مع أهالي الإمارة من مسلمين ومسيحيين على اختلاف طوائفهم. إذ تم في عهد الإمارة بناء الكنائس، وازداد عدد المدارس التابعة للطوائف المسيحية، وكلها أمور تشير إلى سياسة التسامح والاعتدال والوسطية التي أطلقتها شعارات الثورة العربية الكبرى. وقد ترسخت سياسة الاعتدال والوسطية "رسمياً" في عهد الملك طلال بن عبدالله الذي صدر في عهده العام 1952 الدستور الأردني الذي ما يزال معمولاً به إلى الآن. وقد جاء هذا الدستور معبراً عن المظاهر الديمقراطية، والمساواة، والعدالة، واحترام حقوق الإنسان؛ فالفقرة (1) من المادة (6) منه تنص على: "الأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين". وجاء الميثاق الوطني لعام 1991 ليوضح ما جاء في الدستور بالقول: "الأردنيون رجالاً ونساءً أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين" . كما لم يحرم هذا الدستور الأقليات العرقية أو الدينية من حقوقها وامتيازاتها، بل راعى أن يقدم لها الحماية المطلوبة، كما تبين المادة (14) من الدستور التي تنص على: "تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في المملكة"، الأمر الذي عاد الميثاق الوطني لعام 1991 وفسره بدعوته "لترسيخ قيم التسامح والموضوعية، واحترام معتقدات الغير". ومن جهة أخرى، جاءت المادة (19) من الدستور لتؤكد "حق الجماعات في تأسيس مدارسها والقيام عليها لتعليم أفرادها".
وانتهج الملك الراحل الحسين بن طلال في سياسته مبادئ الاعتدال والوسطية، حتى إنه كرس هذا المنهج على المستويين العربي والعالمي. وتوج الحسين أفكاره بتأسيس مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي العام 1980؛ إذ ساهمت هذه المؤسسة، عبر ربع قرن من الزمن، في رعاية الحوار الإسلامي-المسيحي الذي عقد في عمان، في سبيل التوفيق بين الأفكار والتقارب بين أصحاب الديانات، فضلاً عن تأسيس "المعهد الديني للدراسات" في عمان العام 1987، والذي أصدر كتباً متميزة في هذا المجال، لتعميق التفاهم واحترام قيم الآخرين. واستكمالاً لهذا الدور التنويري، قام الملك الحسين بتأسيس جامعة آل البيت العام 1993 للتقريب بين المذاهب الإسلامية، والجمع بين علوم الدين والدنيا.
ويجدر بنا أن نقرأ باهتمام فكر الأمير الحسن بن طلال، الذي ترجم وعيه بهذه الوسطية والاعتدال في مؤلفه المتميز "المسيحية في العالم العربي" المنشور بالإنجليزية في لندن العام 1995، وتُرجم إلى العربية. وقد ختم الأمير حسن كتابه موجهاً خطابه إلى المسيحيين العرب قائلاً: "يخطئ المسيحيون العرب أشد الخطأ إذا شعروا بالخوف من مستقبل التطورات في العالم العربي، وكذلك يخطئ كل من يعبر عن مخاوف قد تهدد مستقبلهم".
بفضل هذا الخطاب السياسي–الديني نحو التعددية، خرج الأردن من "دائرة العنف" التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ووصلت ذروتها إلى العالم عبر "بوابة" 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي افتتحت صفحة جديدة من العلاقات الدولية القائمة على: العنف، والإرهاب، والحروب الاستباقية الحمقاء.. إلخ.
- الدور الوطني للمسيحيين
على أرض الواقع، يكفي أن نشير إلى أن النظام السياسي في الأردن يعطي للمسيحيين 9 مقاعد في البرلمان الأردني الذي يتشكل من 150 نائباً، على الرغم من أن نسبتهم الديموغرافية لا تتجاوز 4 %. وإضافة إلى الحصة المحددة في مجلس النواب، حافظ المسيحيون على حضور مؤثر في السياسة؛ فوصلوا إلى مناصب عليا في الدولة (نائب رئيس وزراء، وزراء بلاط وخارجية..) والأحزاب والنقابات. وبموازاة ذلك، يتمتع المسيحيون بثقل اقتصادي في الشركات والمصارف، وبثقل فكري في الجامعات والصحافة. كما أن لهم  حضوراً مهماً في الحياة الثقافة، إذ أسس سمو الأمير الحسن بن طلال وقاد على مدى عقود حوارات على مستويات عالمية في التعايش الديني، وقدم دراسات تعد من أهم ما وثق عن المسيحيين العرب. ولعل الخطوة الأخيرة المتمثلة في تدشين جامعة مادبا العام 2010 التي ترعاها الكنيسة الكاثوليكية تعد استمراراً لهذا الحضور.
ويمكن التذكير ببعض الأسماء التي أدت دوراً مهماً في المجالات كافة:
1. المجال الإعلامي: هناك أربعة كتّاب كانوا يحظون بالقراءة في فترة الثمانينيات والتسعينيات، كلهم مسيحيون، هم: فهد الفانك، وطارق مصاروة، والراحل جورج حداد، وفخري قعوار.
2.  المجال الثقافي: ما يزال الأردنيون يستذكرون العلامة روكس بن زائد العزيزي، ورديفه المؤرخ سليمان الموسى، والأديب غالب هلسة، وهشام غصيب.. وغيرهم. أما في الجانب الفني، فكانت الأسماء المسيحية في هذا القطاع أكثر من الأسماء المسلمة، مثل عائلتي المشيني وصوالحة، والثنائي جميل وجوليت عواد، وعبير عيسى، وموسى حجازين.
3.  المجال السياسي: أدى المسيحيون دوراً مهماً في تحديث السلطة السياسية الأردنية كوزراء، مثل  د. كامل أبو جابر، ورجائي المعشر، ومروان  المعشر، وغيرهم. كما أدوا أيضاً دوراً لا يستهان به في الأحزاب اليسارية والقومية، مثل د. كمال الشاعر في حزب البعث، ونايف حواتمه أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفهمي السلفيتي في الحزب الشيوعي.
تحتاج المسيحية الأردنية، وسط حالة فقدان الوزن التي يعانيها الشرق الأوسط وتداعي الصراعات من كل جهة، إلى قراءة متأنية، لفهم العمق الحقيقي للثقافة الإسلامية، وأنماط التعايش والاندماج التي تنتهجها المجتمعات نفسها حينما تعلو رابطة المواطنة على أي رابطة أخرى.
ثالثاً: أي مستقبل" لنموذج التعددية" الأردني في الشرق الأوسط؟
تعرض الشرق الأوسط، ومنه الأردن، إلى هزات سياسية واجتماعية وعسكرية كثيرة في تاريخه المعاصر؛ فمن احتلال فلسطين العام 1948 إلى احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق العام 2003، ناهيك عن الانقلابات والحروب الأهلية، والصراع العربي-الإسرائيلي الذي عرف وحده 8 حروب إلى الآن، وصولاً إلى الربيع العربي العام 2010.
لقد أدت حالة عدم الاستقرار هذه، إضافة إلى صعود التيار الإسلامي بعد هزيمة العرب في حرب حزيران (يونيو) العام 1967 على حساب التيار القومي والعلماني، إلى هجرة عدد كبير من المسيحيين العرب في الشرق الأوسط. وخضعت حالة "التوأمة" التاريخية بين المسلمين وإخوانهم المسيحيين العرب لشتى أنواع العمليات الاستئصالية، وكأن المطلوب هو "تفريغ" المشرق العربي كله من الحضور المسيحي!
وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعت المسيحيين للهجرة إلى الغرب، سواء أكانت نفسية أم لها علاقة بما حدث من وقائع على الأرض، فإن النتيجة، كما يلاحظ الكاتب الصحفي حسين الرواشدة، كانت "معبرة بامتياز"؛ فقد تراجعت مثلاً نسبة الوجود المسيحي في فلسطين من 21 % بعد النكبة إلى 8 % العام 2008، فيما تراجعت أيضاً نسبته في لبنان من نحو 55 % العام 1932 إلى نحو 40 % الآن. وحدث ذلك في مصر وفي العراق وفي غيرهما من دول المشرق العربي؛ إذ تشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المسيحيين في المنطقة العربية يبلغ ما بين 12-15 مليون نسمة، يتوقع أن يهبط إلى نحو 6 ملايين في العام 2020.
وعلى الرغم من أن الأردن لم يشهد هجرة بالدرجة نفسها التي حدثت في دول الجوار، إلا أن هناك تقارير تذكر أن نسبة المسيحيين انخفضت من 4 % إلى 3 % حالياً في بلد يزيد عدد سكانه على 6 ملايين؛ أي ما يوازي 250 ألف نسمة، منهم ما يقارب 60 إلى 70 ألفاً يعيشون في الخارج. وحسب رأي أمين سر رؤساء مجلس الكنائس في الأردن، الأب حنا كلداني: "لا توجد هجرة مسيحية من الأردن، بل هي معقولة وتستند إلى مبدأ إيجاد فرص عمل سواء أكانت نحو دول عربية أم غربية". ويؤيد الدكتور عامر الحافي، أستاذ الأديان المقارنة بجامعة آل البيت الأب كلداني، بالقول: "إن الهجرة في الأردن للشباب المسيحيين والمسلمين معاً تنطلق من مبدأ البحث عن فرص عمل أفضل؛ أي أنها ليست هجرة قسرية أو بتسهيلات من الدولة الأردنية".
والحقيقة أنه لا يوجد سبب للمسيحيين في الأردن لأن يتركوا وطنهم ويهجروه، وبخاصة في ظل حالة الاستقرار واحترام المواطنة التي يحظى بها المسيحيون في الأردن، وهو ما يؤكده الأب كلداني بالقول: "إن المواطن الأردني المسيحي يتمتّع بكامل حريته لإقامة الشعائر الدينية والصلوات والاحتفالات بالأعياد الدينية، وإعلانها يوم عطلة رسمية لجميع الأردنيين، ولاسيما أعياد الميلاد المجيدة". ويؤكد الأب كلداني على أن المسيحيين في الأردن "ليسوا حدثاً طارئاً بل يعيشون مع إخوانهم المسلمين في هموم مشتركة وعادات وتقاليد مجتمع متشابهة تماماً في كل المناسبات الاجتماعية". في حين يؤكد الأب بدر أن "الملك عبدالله الثاني والحكومات الأردنية المتعاقبة تحافظ بكل اهتمام على أماكننا المسيحية المقدسة في الأردن، وبنوع خاص على مقام النبي موسى في جبل نبو، ومقام النبي إيليا، وموقع استشهاد يوحنا المعمدان في مكاور، وموقع عُمّاد السيد المسيح، حيث تفضلت الحكومة ومنحت مجاناً عدداً من الكنائس مواقع لإقامة الأديرة والكنائس".
وعلى كل حال، وبصرف النظر عن حجم أو نسبة ظاهرة الهجرة المسيحية من الشرق عموماً والأردن خصوصاً، فإن وقفة عربية مسلمة باتت ضرورة حتميّة للدفاع عن هذا المكوّن العربي الذي لا يستغنى عنه، أي الحضور المسيحي العربي الفاعل والإيجابي في المنطقة. وهي وقفة لا يعبّر عنها بأبلغ ممّا جاء على لسان الملك عبدالله الثاني، لدى استقباله في 12 آذار (مارس) 2012 للبطريرك الماروني بشارة الراعي: "إن المسيحيين العرب جزء أصيل من الحضارة العربية الإسلامية، ويجب أن نعمل جميعاً على المحافظة على تعزيز الوجود المسيحي والحد من هجراتهم، ولاسيّما من فلسطين وبعض الدول العربية التي تشهد عدم استقرار".
وعلى الرغم من العلاقات النموذجية من التعددية الدينية التي يعيشها الأردن، بشقيها المسيحي والإسلامي، فقد صدر تقرير عن وزارة الخارجية الأميركية العام 2010 ينتقد الحريات الدينية في الأردن، الأمر الذي  أثار حفيظة المسيحيين الأردنيين عبر بيان مجلس رؤساء الكنائس في الأردن الذي يرأسه البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريرك الأرثوذكس في الأردن وفلسطين، ويضم في عضويته رؤساء الكنائس المعترف بها في الأردن، والبالغة 14 كنيسة. فقد انتقد البيان التقرير من حيث أنه: "اختار تسجيل حالات فردية لا يمكن أن يقاس عليها في تقرير أجواء التآخي والتعايش في بلدنا". وأكد البيان "أن الدولة الأردنية كفلت على الدوام الحريات الدينية للمواطنين من أتباع جميع المذاهب دون تحيّز أو تمييز". وحذر البيان "من تلك الأنماط من الممارسات التي تتحدث عن الحريات الدينية والسياسية وحرية الضمير وحرية الرأي والتعبير"، وقال: "إنها أعجز من أن تفهم ميزة التعايش الفريد في الأردن"، مشدداً على "أن مسيحيي الأردن ليسوا بحاجة إلى من يفسّر لهم حقوقهم".
ويبقى السؤال: هل يمكن أن تؤثر التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها العالم العربي، تحت مسمى "الربيع العربي"، في إضعاف التعددية الدينية أو تقويتها، ولاسيما مع وصول الإسلاميين إلى الحكم في معظم دوله؟ وهل من الممكن أن يحافظ الأردن على أنموذجه في التعددية الدينية كما حافظ على وجوده واستقراره أمام تغيرات الربيع العربي العاصفة؟


*أستاذ العلوم السياسية ونائب عميد كلية الآداب في الجامعة الهاشمية. وحائز على جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية 2006.
والمقال في الأصل خطاب ألقي في اليونسكو في نيسان (إبريل) 2012 بمناسبة تسليم جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية العاشرة.

التعليق