زيارة أمير قطر إلى غزة: نافذة فرص

تم نشره في السبت 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزراء حماس اسماعيل هنية اثناء زيارة الأمير إلى غزة-(ا ف ب)

يوسي بيلين-اسرائيل هيوم
تُرسل إلينا غزة غير قليل من نُذر الشر في السنين الأخيرة. فقد أراد أريئيل شارون في حينه أن يضائل المشكلة السكانية، ولم يؤمن لحظة واحدة باحتمال تسوية سياسية مع الفلسطينيين.
لم يكن مستعدا للتفريق بين حماس وم.ت.ف، وحينما استقر رأيه على ترك قطاع غزة وإجلاء جميع مستوطنيه في 2005، لم يوافق البتة على أن يفعل ذلك جزءا من تفاوض سلمي مع رئيس السلطة الفلسطينية الجديد، محمود عباس. وفي 2006 أُجريت الانتخابات في السلطة الفلسطينية وفازت حماس فوزا أدى إلى امتعاض اولئك الذين يريدون تسوية في منطقتنا.
بعد ذلك بأكثر من سنة سيطرت حماس بالقوة على قطاع غزة. ولم تنقطع القذائف الصاروخية وقذائف الرجم وطال المدى ولم توقف عملية "الرصاص المصبوب" في أواخر 2008 تهديد القذائف الصاروخية بل أضرت أكثر بصورة إسرائيل. على أثر ذلك قطعت قطر بصورة مطلقة العلاقات التي لم تكن موجودة أصلا بيننا وبينها.
لم يُفض الحصار الإسرائيلي على غزة الذي تم عقابا على إطلاق القذائف الصاروخية وعقوبة ترمي إلى الافراج عن جلعاد شليط وولدت عنه صناعة الأنفاق الزاهرة، لم يُفض إلى تغيير في سلوك غزة. بل انه في واقع الامر منح التسويغ للقوافل البحرية لاولئك الذين يأتون لانقاذ سكان غزة من أيدينا. وأصبحت حماس في اثناء ذلك أكثر اتزانا لكن المنظمات الأخرى التي أغضبها اعتدالها تحل محلها في إطلاق النيران على إسرائيل.
حظيت غزة في الاسبوع الماضي بأول زيارة لرئيس دولة. ولم يكن ذلك رئيس مصر الجديد بل أمير قطر، حمد بن خليفة آل ثاني الذي يرأس أغنى دولة في العالم (على حسب الإنتاج الخام المحلي للفرد).
ووعد بمساعدة تبلغ نحوا من نصف مليار دولار فأغضب محمود عباس وقيادة فتح، ويبدو أنه لم يغضبهما فقط لأن مصر لم يعجبها ذلك ولا تركيا، واستشاط أحمدي نجاد غضبا لأن حماس في غزة تستسلم بهذه السهولة لقطر متخلية عن رعايته.
وسارعت إسرائيل ايضا إلى التحفظ بصورة رسمية من الزيارة التي فيها اعتراف بحكومة حماس في غزة قبل ان تعترف هذه بإسرائيل وبالاتفاقات معها وتلتزم بوقف العمليات المسلحة.
لكن لا يمكن ان نتجاهل ايضا الطاقة الايجابية الكامنة في هذه الزيارة غير المتوقعة للأمير وزوجته الشيخة موزة. فاذا كان الحديث من جهة عن تحول عن التزام لايران إلى التزام لقطر فهذا تطور ينبغي ألا يُستهان به.
ومن جهة اخرى فان من يكون مستعدا لانفاق هذا القدر الكبير من المال على مشروعات بناء في قطاع غزة ويريد ان ينشيء فيها مدينة جديدة (باسمه) ليس معنيا بأن يُعرض كل ذلك للخطر بجولة عسكرية اخرى بين الجيش الإسرائيلي وحركات حماس المسلحة.
ان أمير قطر شخص لا مثيل له في قيادة العالم العربي، وتُمكّنه الموارد المالية غير المحدودة تقريبا التي يملكها من السلوك كما يسلك. انه يطبق في بلاده نظاما سلطويا مع قدر كبير من الانفتاح وحرية التعبير، وقد انشأ "الجزيرة" التي أسهمت اسهامها في ثورات الربيع العربي، وهو يستورد إلى بلده الصغير فروعا عن أفضل جامعات العالم ومستشفيات بل يستورد مواقع تزلج على الجليد (والحديث عن دولة تكون فيها درجة 50 مئوية في الظل درجة حرارة معقولة بيقين). وكان مشاركا في النضال للقذافي في ليبيا ونضال بشار الاسد في سوريا، وفي مواجهة ما يجري في السنين الاخيرة في العالم العربي، فانه يجد نفسه يرأس دولة صغيرة جدا فيها نحو من 200 ألف مواطن، بصفته زعيما يقود اجراءات سياسية.
ليس سهلا ان نفهم سياسة هذا الرجل. ان ما يميزها، أكثر من كل شيء، البراغماتية. والأمير ذو ثقة عالية بالنفس تُمكّنه من الكلام بحرية نسبية، ومن ان يفعل افعالا يحذرها آخرون وهو قادر على استضافة إسرائيليين كبار جدا، لا بصورة سرية، وان يستضيف في نفس الوقت خالد مشعل، وان يكون صديقا مقربا من بشار الاسد وان يواجهه بعد ذلك حينما خلص إلى استنتاج ان الرئيس السوري تجاوز الحد، وما أشبه ذلك.
من الواضح ان أكبر تهديد له هو ايران وهذا واحد من القواسم المشتركة الأبرز بينه وبين إسرائيل، لكنه ليس الوحيد على أي حال من الاحوال. وهو متحفظ جدا من العنف ومعني جدا بالاستقرار في الشرق الأوسط.
بالنسبة إلينا فان حقيقة ان الحديث عن زعيم عربي في أفضل سنيه، مليء بالدافع، وعن واحد قادر على التلفظ باسم إسرائيل حتى وهو يتجول في غزة، ويلتزم جدا بمبادرة السلام العربية في 2003، قد تكون فرصة لاحداث شيء من النظام في الفوضى الاقليمية.
ولما كان معنيا لنفسه بعمل الوسيط فمن المنطق ان نفترض ان يكون مهتما بالمساعدة على التوصل إلى تفاهمات للأمد البعيد بيننا وبين ادارة هنية في غزة، تفاهمات تشمل التزام حماس ان تكافح بصورة أكثر فاعلية اطلاق منظمات اخرى للقذائف الصاروخية، وتشمل تحررا كبيرا من جهتنا بالنسبة لما يُستورد إلى غزة، وما يصدره القطاع (وهو شيء ممنوع اليوم كليا تقريبا).
اذا نشأت في إسرائيل بعد الانتخابات حكومة تريد ان تدفع إلى الأمام بمسيرة سياسية استراتيجية فيستطيع حمد بن خليفة آل ثاني ان يؤدي دورا في دفع المبادرة العربية إلى الأمام، ومن المؤكد انه يريد ذلك، وسيكون من الصعب على كثير من زعماء آخرين في العالم العربي رفض ذلك بسبب الاسباب التي فصلتها.
كان الرد الاول على زيارته لغزة والاستعراض العسكري الذي نجحت حكومة حماس في ترتيبه من اجله، كان – بلا شك – عدم الارتياح والغضب.
لكن قد يخرج من الشوك العنب إذا استطعنا أن نستعين بالمنزلة التي اكتسبها أمير قطر من أجل تخفيف اللهب في المنطقة بل من أجل أكثر من ذلك.

التعليق