تشابهات بين أوباما وكارتر في سياسة الشرق الأوسط

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • لوحة تعقد مقارنة بين الرئيسين الأميركيين أوباما وكارتر - (أرشيفية)

مارك غوتالييه - (لبيراسيون)
ترجمة: مدني قصري
هل يمكن للرئيس باراك أوباما أن يكون فخورا بسجل إنجازاته في الشرق الأوسط؟ لقد باتت إسرائيل تهدد أكثر من أي وقت مضى بمهاجمة إيران التي ما انفكت تتحدى العالم ببرنامجها النووي. وتبدو عملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني وأنها أوشكت على الموت السريري. وقد استولى الإسلاميون على السلطة، وخاصة على حساب حلفاء أميركا السابقين. ولم تختف الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة. وصارت المنطقة غير مستقرة أكثر من أي وقت مضى منذ "الربيع العربي"، فيما انضم أوباما إلى "شعبية" بوش بين المسلمين. ولا يتردد الجمهوريون في الإشارة إلى فشل الرئيس، بمقارنته بواحد من أسلافه الديمقراطيين، جيمي كارتر.
تميز وصول كارتر إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 1977 بالدعوة التي وجهها من أجل الانفتاح السياسي، مثيرا بذلك بعض الآمال في الشرق الأوسط. وبرعايته نجحت جهود توطيد السلام بين مصر وإسرائيل، بعد مرور خمس سنوات على حرب يوم الغفران. وعلى الرغم من الجدل الذي أثارته هذه الاتفاقيات، فإنها أبعدت احتمالات قيام الحرب المفتوحة بين الدولة اليهودية وأكبر دولة عربية. لكن هذا النجاح الدبلوماسي الهائل الذي سبب الامتعاض في المنطقة سرعان ما طمسه سقوط شاه إيران، ثم الغزو السوفياتي لأفغانستان، ثم بشكل خاص أزمة الرهائن في طهران، والتي كلفت الرئيس الديمقراطي في النهاية إعادة انتخابه. ومع ذلك، كان هذا الرئيس قد حاول أن يُنجز عملية الإنقاذ "مخلب النسر"، لكن المحاولة انتهت بلا أي انتصار مُشرّف على رمال إيران.
وقد اضطر كارتر للمراهنة كثيراً، لكنه خسر كل الرهانات. فقد اتُهم بأثر رجعي بإضعاف حليف ذي قيمة بمطالبه الملحة المتعلقة بتحقيق الديمقراطية فيه، وقد اتهم بعدم تدخله فيما بعد من أجل الحيلولة دون سقوطه، وأخيرا اتُهِم بجعل الدبلوماسيين والجيش موضع استهزاء وسخرية. وعلى الجانب الإيراني، أهانت السلطة الإسلامية الجديدة الرئيس كارتر إلى حد إطلاق سراح الدبلوماسيين الأميركيين في يوم تنصيب ريغان. فهل يمكننا الحديث الآن، بعد مرور ثلاثين عاماً، عن أوجه الشبه بين كارتر وأوباما؟ في إيران، لم تُجْدِ سياسة اليد الممدودة التي عرضها باراك أوباما نفعًا منذ صيف العام 2009، أمام  قمع "الحركة الخضراء". وقد تكرر نفس السيناريو في سورية، حيث اصطدمت محاولة التقارب الدبلوماسي بالثورة الشعبية. وفي ليبيا، وعلى الرغم من دعمهم لمعارضي القذافي، مُني الأميركيون بمقتل سفيرهم في ظل النظام الجديد. وفي مصر، اعترف أوباما علنا بأن سلطة الإخوان المسلمين الجديدة "لا صديقة ولا عدوة". وفي أعين المملكة العربية السعودية، جاء تخلي أوباما عن حسني مبارك ليضع موضع شك قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها. ومع ذلك، فقد عرف أوباما كيف يغض الطرف إزاء ما يتعرض له المتظاهرون في البحرين، البلد ذي الأهمية الاستراتيجية الكبرى.
إن الرئيس أوباما الذي يعتبر أكثر رمزية، على عكس كارتر تماما، لم يفعل أي شيء للمضي قدماً في الشرق الأوسط. فقد تخلى عن مطلبه بوقف الاستيطان الإسرائيلي منذ العام 2010، قبل أن يختفي من على شاشات فلسطين. وحتى وإن كان نتنياهو يتظاهر بتجاهل الأمر، فقد أبقى أوباما في الواقع على موقف الولايات المتحدة الرامي إلى حماية إسرائيل على الساحة الدولية. 
ومع ذلك، فقد نجح أوباما في عمليته "مخلب النسر": لقد قتل بن لادن. وحاز على نوبل للسلام (مثل كارتر) رغم أنفه. وقد عمم بنجاح استخدام الطائرات من دون طيار المثيرة للجدل في مكافحة تنظيم القاعدة في باكستان واليمن. وقد سحب جنوده سالمين من العراق وأفغانستان، بعد أن قرر "زيادة" مؤقتة في بداية عهدته الرئاسية. وقد تحمل باراك أوباما الكثير من المخاطر، وحقق الكثير من الفوز في الرأي العام الأميركي الذي يحب رؤساءه الذين يضطلعون بدور "القائد العام."
وفي العام 2012، ضمت الدائرة الإسلامية المؤيدين للديمقراطية الذين يدركون فشل النماذج الإيرانية والجهادية. وجعل باراك أوباما بلده أكثر واقعية، حين أصبح أول رئيس أميركي يقبل بعالم متعدد الأقطاب. وقد تجسد ذلك في الشرق الأوسط مع بعض التحفظ، وفي تفويض المسؤوليات، كما حدث في التدخل العسكري في ليبيا، أو الدعم الحالي لتأثير تركيا في العراق.
ويضاف إلى ذلك أن عدم شعبية الولايات المتحدة في العالم الإسلامي هي عنصرٌ هيكلي وبنيوي. ومن المفارقات أن سحر الصورة التي تتمتع بها هذه البلاد قد تضاعف، وهي الصورة التي جسدها انتخاب أوباما تجسيدا كاملاً. لكنه كان من السذاجة الاعتقاد بأن خطاب القاهرة في العام 2009، عندما خاطب الرئيس الأميركي ابن المسلم، مستقبليه بتحية "السلام عليكم" الجليلة، كان كافيا لإحداث أثر إيجابي دائم على الرأي العام. وحتى نُصدر حكماً على أداء رئيس الولايات المتحدة فيما يخص الشرق الأوسط، فإنه لا بد من أن نضع جهوده ضمن منظورها الصحيح. وقد جاء باراك أوباما خلفاً لجورج دبليو بوش الذي كانت حصيلته السياسية كارثية. وهكذا، يكون أوّلُ رئيس إفريقي أميركي قد شيد في المنطقة أكثر مما دمّره سلفه. وإذا ما أعيد انتخاب باراك أوباما، فإننا لا بد أن نأمل في أن يصبح في النهاية رجلاً ذا أثر محسوس وبنّاء في الشرق الأوسط.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Au Moyen-Orient, Obama ou le faux Carter

التعليق