"محكمة راسل الشعبية تدين جرائم الاحتلال الاسرائيلي المرتكبة بحقّ الفلسطينيين

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً
  • الناشط كِن لوخ (يمين) في ندوة أقامتها محكمة راسل حول فلسطين في مقر "أمنيستي" في لندن - (أرشيفية)

داني سكيشتر — (ميدل إيست أونلاين) 10/10/2012
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لا تحظى احتياجات الشعب الفلسطيني ومكامن قلقه باهتمام الأخبار كثيراً في الولايات المتحدة، على الرغم من أن الموضوعات الخاصة بهذا الشعب ما تزال تُطرق منذ عقود في مدينة نيويورك التي تستضيف مقر الأمم المتحدة.
وثمة الكثير من الدراسات المفصلة لتغطية الإعلام، والتي تثبت أن الإعلام الأميركي نادراً ما يغطي الهموم الفلسطينية، أو يبرز المنظور الفلسطيني في البرامج الحوارية أو برامج الأخبار ما لم، بل وحتى يندلع عنف ما.
وفي الأثناء، يتم تجاهل الانتقادات التي يوجهها القادة الأجانب للتصرفات الإسرائيلية إلى حد كبير أيضاً، إلا إذا صُنّفت على أنها مجرد جدالات حول مزاعم صاخبة عن معاداة السامية بدلاً من كونها سبراً لغور القضايا المنطوية على انتهاكات القانون الدولي وإساءات المعاملة، على غرار نظام الأبارتيد في المناطق التي تحتلها إسرائيل.
ويسعى المنافحون عن الحقوق الفلسطينية ومنتقدو انتهاكات القانون الدولي، وغالباً من دون تحقيق الكثير من النجاح، إلى لفت الانتباه إلى الوقائع القمعية على أرض الواقع، ولكن ليس في مناظرة أيديولوجية وحسب. وهم يريدون تغيير السياسة الأميركية التي غالباً ما تسير وفق هوى إسرائيل، فيما يعود في جزء منه إلى قوة اللوبي الإسرائيلي والحسابات العسكرية الإقليمية.
وربما تكون إحدى التنظيمات الأكثر وضوحاً للعيان، والتي تحاول تعبئة الفراغ في هذا الصدد، هي محكمة راسل حول فلسطين، "محكمة الشعوب الدولية"، التي تشكلت استناداً إلى مبادرة الفيلسوف البريطاني الراحل برتراند راسل، المحاضر المرموق والمؤلف والزعيم الأخلاقي الذي كان أول من ابتكر  فكرة المحكمة في الستينيات (من القرن الماضي)، لحث المفكرين المعروفين جيداً على تعرية جرائم الحرب في فيتنام.
وكنت قد غطيت تلك المناسبة عندما انعقدت المحكمة في ستوكهولم بهيئة محلفين من أمثال جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وكاتب المسرح السويدي بيتر فايس، والناشط الأميركي ضد الحرب ديفيد ديلينغر من بين أسماء لامعة أخرى في الحقلين الثقافي والسياسي.
وقد استرعت المحكمة الاهتمام الكوني، والإدانات من جانب الحكومة الأميركية، وكذلك وسائل الإعلام الأميركية، عندما أدلى شهود عيان فيتناميون بشهاداتهم حول التجريد الكيميائي للشجر من أوراقه، والإساءة الممنهجة، والمميتة غالباً، لحقوق الإنسان.
وفي هذا المقام، أتذكر مراسل التلفزيون الأميركي مورلي سافر، وهو يقدم "تلخيصاً" -بعد جلسة واحدة عندما كان الحضور قد غادروا- مديناً مزاعم المحكمة عن حدوث جرائم حرب أميركية ومستهزئاً بالمحكمة باعتبار أنها لا تعدو كونها دعاية شيوعية.
وبعد ثلاثين عاماً، حملت مجلته الإخبارية الخاصة "60 دقيقة" تقارير تؤكد أنها كانت هناك بالفعل أعمال عدوانية وحشية ارتكبت في أماكن مثل "ماي لاي"، حيث ذبح جنود أميركيون مدنيين أبرياء، بمن فيهم العديد من الأطفال. ولو لم يكن "سافر" شغوفاً جداً بنزع الثقة عن التجارب الفيتنامية، وراء عندها، فإن شيئاً ما ربما كان قد حدث بخصوص حالات إساءة المعاملة، أو على الأقل جعلها تعرف.
 واليوم، تركز محكمة راسل على "تآمر ومسؤولية ممارسات محلية ودولية وموحدة مختلفة، وتكريس حصانة إسرائيل في ظل القانون الدولي". وتسعى المحكمة إلى توفير منصة "للشخصيات الدولية التي تدافع عن قضية وضع حد للاحتلال الإسرائيلي وإنكار الحقوق الفلسطينية".
وقد قابلت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي في القاعة الكبرى لاتحاد "كوبر" حيث تناظر الرئيس أبراهام لينكولن مع خصومه السياسيين في العام 1860، تماماً عندما كان الزخم باتجاه الحرب الأهلية يتأجج.
 وجاءت المناسبة الغاصة بالناس في نيويورك في أعقاب جلسات سابقة في برشلونة (ركزت على التآمر من جانب الاتحاد الأوروبي)، وفي لندن (على تآمر الشركات الكبرى)، وفي كيب تاون مشبهة السياسات الإسرائيلية بنظام حقبة الأبارتيد في جنوب إفريقيا.
وفي المقابل، أقام داعمو إسرائيل من الجنوب إفريقيين احتجاجاً غاضباً استقطب اهتمام الإعلام الرئيسي. وربما كان ذلك هو السبب في نأي اللوبي المؤيد لإسرائيل في نيويورك بنفسه بعيداً هذه المرة، على أمل أن المحكمة وما تتوصل إليه من استنتاجات ستلقيان آذاناً صماء. وربما يكون أعضاؤها مرهقين بعد أيام من الصراخ في الأمم المتحدة.
وضمت هيئة المحلفين في هذه المرة وزير المخابرات السابق في جنوب إفريقيا وزعيم حركة التحرير روني كاسريلس؛ والمحامي الجنوب إفريقي جون دوغارد؛ والكاتبة أليس ووكر؛ والناشطة أنجيلا ديفيس؛ والنائبة الأميركية السابقة سينثيا ماكيني، بالإضافة إلى شخصيات لامعة من أوروبا، مثل داعية السلام ستيفان هيسيل البالغ من العمر 94 عاماً، والزعيم الأميركي الوطني دينيس بانكس.
 وفي اليوم الأول من الجلسة التي استغرقت يومين، استمعت هيئة المحلفين إلى شهادة من المؤرخ الإسرائيلي آيلان بابي عن أصول الصهيونية والتزامها بطرد الفلسطينيين حتى قبل ولادة دولة إسرائيل. وكان هناك العديد من الخبراء القانونيين حول دور الأمم المتحدة في تقديم المساعدة للاجئين الفلسطينيين، لكنها نادراً ما تمت مواكبة تلك المساعدة بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين. ودان متحدث بعد الآخر الأمم المتحدة لتجاوزها المشاعر، وتخليها عن تفويضها بسبب الضغط الإسرائيلي والأميركي.
وبالإضافة إلى ذلك، تم تحذير الحضور من التصفيق. وتبعاً لذلك، نحت المناسبة لأن تكون مفرغة من العاطفة وأكاديمية وقانونية. وكانت هناك محاضرات طويلة عن السوابق القانونية، والتي ربما قدرها المحامون في قاعة المحكمة، لكن بعض الناس من حولي مالوا إلى الاستسلام للنوم.
وكان من المفارقات أن أيّ فلسطيني لم يتحدث أمام المحكمة عن فلسطين في اليوم الأول من انعقادها. وكان من المقرر أن يحضر نعوم تشومسكي يوم الأحد، لكن يبدو أنه أصيب بالتهاب في الحنجرة، ما ترتب عليه ظهوره عبر سكايب. وكانت الصورة قاتمة بمثل عرضه المتقطع بسبب نوبة السعال التي صاحبت عرضه الذي حذر من أن الحالة "قاتمة".
ويوم الأحد، كانت هناك تفاصيل أكثر عن تاريخ إسرائيل في إخضاع الفلسطينيين وإجلائهم من قراهم، ومن ثم تدمير منازلهم لطمس أي معالم تدل على وجودهم. وكانت ثمة عروض عن الجرائم مثل "التطهير العرقي" والتفرقة المفضوحة، وإنكار الحقوق، والقيود غير القانونية لتجريم مواطنة الفلسطينيين وطمس هويتهم كمجموعة أغلبية تم تحويلها إلى أقلية في بيئة كولونيالية.
 وفي فترة بعد الظهر، كانت هناك ما يمكن وصفها بأنها "مكتبة العذاب النفسي" مستنسخة عروضاً من محامين دوليين يقيمون الحجة على ضرورة معارضة المجتمع الدولي للاحتلال العسكري الشائن، والتي توجت في الختام بمناظرة حية ومباشرة.
وحاجج "الشاهد" الفلسطيني الوحيد صالح حمايل، بأنها تجب إعادة تأطير الحالة لأنها فريدة من نوعها. إنها ليست إبادة جماعية تماماً، ولا نظيرة للأبارتيد لأن كل المجتمع الفلسطيني يجري تدميره عن عمد. وانتقل إلى طرح مصطلح "القتل المجتمعي" على أنه جدير بأن يعد جريمة.
لكن آخرين لم يوافقوا، مشيرين إلى إن الأبارتيد يعد أصلاً جريمة ضد الإنسانية، والتي من الممكن استخدامها كأساس للقيام بعمل دولي. وكان هناك أخذ ورد محموم، حيث وافق معظم الحضور على أن كلا المفهومين يمكن اللجوء إليهما، حتى على الرغم من أن أحدهما يتمتع بدعم القانون الدولي.
وثمة موضوع لم أطرقه: فساد وتواطؤ السلطة الفلسطينية مع المفاوضين الأميركيين والإسرائيليين. ولك أن تطالع كتب كلايون اي. سويشر الكاشف، الأوراق الفلسطينية للتوثيق الخاصة بالقصة التي كشف النقاب عنها لفضائية "الجزيرة".
وكانت النقطة العالية في المحاكمة هي الظهور الموجز لوالديّ الناشطة الأميركية المعادية للاحتلال راشيل كوري التي دهستها جرافة تابعة للجيش الإسرائيلي حتى الموت. وقد أصر الوالدان على أنه لم تكن ثمة تحقيقات مناسبة، أو أن تكون التحقيقات طلبت من جانب الرئيس الأميركي، كما دانا المحكمة الإسرائيلية التي برأت ساحة الجيش الإسرائيلي.
وحضر المحكمة زويلانزيما فافي، الأمين العام لمؤتمر نقابات العمال في جنوب إفريقيا، للإعراب عن تضامنه مع الفلسطينيين، ولانتقاد صمت النقابات الأميركية حول الموضوع. ومستشهداً بداعية الحقوق الإنسانية الأميركي الراحل مارتن لوثر كينغ، هاجم فافي "الصمت المزمجر" لنقابات العمال الأميركية.
ولدى جنوب إفريقيا حركة مقاطعة وسحب استثمار وفرض عقوبات تدعو لتطبيقها على إسرائيل، وهي آخذة في الانتشار في شتى أنحاء العالم. وفي الأسبوع الماضي كانت إعلانات المقاطعة ونزع الاستثمار وفرض العقوبات ترفع على طول الطرقات السريعة في جنوب إفريقيا. ومن جهتهم، أيد قادة الحركة المعادية للأبارتيد، مثل القس ديزموند توتو، الحملة.
ومما كان مؤثراً  بشكل خاص هو حضور العديد من الشباب اليافع من مجموعات ناشطة ومن الجامعات، والعديد منهم ممن ينطوون على خلفيات شرق أوسطية. وبدوا وأنهم يقدرون التأهيل "التعليمي" للمتحدثين الذين حشوا أوراقهم وعروضهم بحقائق وسياقات ما حول المناسبة، لتتحول إلى ما يشبه دورة أكثر من كونه تحشيداً سياسياً.
شخصياً، كنت أحب لو كان ثمة أسلوب أكثر ألواناً وطاقة للإيحاء للجمهور بمزيد من الانخراط في القضايا. وكان من الممكن خلق مزيد من التفاعل بين المحلفين والجمهور، والذي ينطوي على المساعدة لتحدي ما يخلق إحساساً في بعض الأحيان بأنه صيغة عتيقة الطراز وذات اتجاه واحد.
كانت هناك العديد من الكاميرات التابعة للإعلام البديل، مجموعات مثل تلفاز "ديب ديش"، ولكن ليس من إعلام الاتجاه السائد، على الرغم من أنني التقيت بصحفي مزهو بنفسه من صحيفة "وول ستريت جورنال" التابعة (للقطب الإعلامي روبرت مردوخ)، والذي كان متواجداً كما هو واضح من أجل "تعرية" المحكمة.
وقد تبادلت الحديث معه لفترة قصيرة من الوقت. فانتقد المناسبة لأنها انطوت على وجهة نظر واحدة وحسب –على الرغم من أن المتحدثين تفاوتوا في مقارباتهم. وعرّف الصحفي نفسه بأنه أميركي إيراني بعد أن دان إيران ووصفها بأنها معادية للسامية بسبب انتقادها إسرائيل.
وقال تكراراَ عن المحكمة، فيما بدا غريباً أن يصدر عن عضو في صفحة الآراء في الصحيفة المذكورة المعروفة بأنها تقف مع اليمين على نحو جامح، وبأنها أحادية الجانب مع اليمين دائماً: "إنها منحازة كثيراً إلى جانب واحد".
وفي المحكمة، كشف النقاب عن الكثير عن فلسطين وعن مبلغ الـ4.5 مليار دولار من الدعم الأميركي السنوي لإسرائيل. وهي معلومات يحتاج الشعب الأميركي لمعرفتها. ومع ذلك يستمر الساسة الأميركون، شأنهم شأن الإعلام، في تجاهل واحدة من أكثر القضايا الأخلاقية إلحاحاً في وقتنا الراهن. وعلى نحو متزايد، تراهم لا يقدمون لها حتى تأييداً شفوياً.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Tribunal Weighs Crimes on Palestine

التعليق