كيف يكون الفقير فقيراً، والغني غنياً؟

تم نشره في الخميس 18 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً
  • الفقر، الغنى.. شاخصة على الطريق - (أرشيفية)

جون ييمّا – (كرستيان سينس مونيتور) 7/10/2012
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ما الذي يعرّف الفقير؟
يضع مكتب الإحصاء الأميركي، والوكالات الفيدرالية، وحكومات الولايات، والأمم المتحدة، والاقتصاديون، مجموعة من الأرقام المختلفة لمحاولة تعريف الفقر. لكن خط الفقر يظل فردياً وشخصياً بقدر تنوع الناس الذين يعرّفهم. الظروف تختلف، والجغرافيا عامل مهم، والأسرة والمجتمع يلعبان دوراً، والجميع يتخذون قرارات ويصنعون خيارات.
أن تكون فقيراً في آسيا الوسطى أو غرب أفريقيا ليس هو نفسه أن تكون فقيراً في لندن أو أبالاشيا. في بعض الحالات، يكون الوضع أفضل. وفي حالات أخرى، يكون أسوأ. ويمكن لطريقة العيش ببساطة أن تجعل الشخص يبدو فقيراً في نظر العاملين في الإحصاء، ولكن، هل يكون فقره بهذا المعنى فقراً حقيقياً؟
ويمكنك أن تطرح نفس الأسئلة عن الغنى كما عن الفقر. وعلى سبيل المثال، في عمل توم وولف الساخر عن نيويورك في عقد الثمانينيات، والمعنون "شعلة الفراغ،" يراجع بطل الرواية ميزانيته، ويبين كيف أن راتبا قدره مليون دولار لا يكفي ليدعم أسلوب حياته. ووفق معظم المعايير في الكون، يكون "سيد الكون" هذا غنياً بكل وضوح. وفي خارج شرنقته في منهاتن، سيكون هذا الشخص غنياً فعلاً. لكنه يشعر بأنه فقير.
إنه يعاني مشكلة لا يستطيع المال أن يحلها: فقر الروح. وبعبارة أخرى، فإنه غير سعيد. وهنا تأتي أهمية الإجابة عن السؤال المهم: ما الذي يميز الشخص السعيد؟ أن يحقق المرء الاحتياجات الأساسية شيء، وأن يشعر بالراحة شيء آخر. ولكن، كم من المال يلزم لكي يشعر المرء بالسعادة؟
ربما تتبنى أنت أيضاً وجهة النظر المشتركة الشائعة، التي تردد هذه البدهية: إننا جميعاً في حاجة إلى المال. لكن المال ليس كل شيء. هل سيفاجئك أن تعلم أن علماء الاجتماع قد أثبتوا فعلاً صحة هذه البدهيات؟
وفقاً لدراسة أجراها باحثون في جامعة برينستون في العام 2008-09 على عينة من 450.000 من الأميركيين، فإن المزيد من المال لا يساعد الفقراء على أن يعيشوا حياة أفضل، وإنما يساعدهم فقط على أن يشعروا بشكل أفضل إزاء الحياة. ويكتب واضعو الدراسة: "إن الألم الناجم عن ملمّات الحياة، بما في ذلك المرض، والطلاق، والوحدة، تتفاقم بسبب الفقر".
صحيح أن زيادة الدخل تحسن أحوال الفقراء، وإنما إلى حد ما فقط. وفيما فوق دخل مقداره 75.000 دولار، لا ينتج المال نسبة سعادة متناسبة، لأن الركض وراء دخل أعلى وأعلى بلا توقف سيقلل في الواقع نوعية حياتك. ويبدو أن هذا السعي من أجل المال ووسائل الراحة المادية يقطع الطريق على غيره من أشكال الإغناء -الأسرة، الصداقات، الهوايات، المساعي الفكرية والروحية، والاستمتاع بالطبيعة. وكان معلم البساطة، هنري ديفيد ثورو قد كتب ذات مرة: "إن ثمن أي شيء، هو كمية الحياة التي تبادلها به".
ولا تؤثر العوائد المتناقصة للثروة على الأفراد فقط. فقد وجد تقرير نشر في العام 2010 في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم، أن السعادة، على المدى الطويل، لا تزداد مع زيادة دخل بلد ما بشكل عام. ففي اليونان وغيرها من البلدان التي تضررت بشدة من الناحية الاقتصادية، ارتفعت مستويات التعاسة -إلى حد الشغب- بينما انخفض الدخل. لكنك إذا درست الناتج المحلي الإجمالي لسعادة الأمة على مدى فترة 10 سنوات أو أكثر، فإنك ستجده مستقلاً عن ارتفاع الدخل.
ما يزال ثمة المزيد من البحوث الجارية عن مفهوم السعادة، والتي ستصدر مفصلة في كتاب سيُنشر قريباً تحت عنوان "المال السعيد: علم الإنفاق،" والذي يقترح أن المزيد من المال يجعلك سعيداً فقط إذا استخدمته حتى تشتري لنفسك الوقت، أو الخبرة، أو أنفقته على الآخرين.
وإذن، ها هو ذا تعريف جاهز من علمائنا الاجتماعيين: إن الفقر سيئ. وإخراج الناس من ربقته مهم للغاية. لكن الفقر أيضاً حالة عقلية. وكذلك هو الثراء. إن المزيد من المال يجعل الناس يشعرون بشكل أفضل، وإنما إلى حد ما فحسب. أما السعادة الحقيقية فتتصل بتقدير الأشياء والاستمتاع بها، بالمساعي الأكثر عمقاً، وبمساعدة الآخرين.
أو أنه يمكنك القول: إن المال ليس لا شيء. ولا هو كل شيء. ولا بد وأن تكون قد أدركت ذلك مسبقاً.


*نشر هذا المقال تحت عنوان:
How poor is poor? How rich is rich?
جاي هاينر يصنع فقاعات عملاقة بآلة يدوية الصنع ومحلول غير سام في بحيرة تشيني، ألاسكا.

التعليق