مهمات ووظائف الرسل والأنبياء

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 03:00 صباحاً

أسامة شحادة*

ما نزال مع كتاب "الرسل والرسالات" للشيخ عمر الأشقر، رحمه الله، والذي يعد من أفضل الكتب المعاصرة في موضوع العقيدة الإسلامية. ونقتطف منه باختصار وتصرف مهمات ووظائف الرسل والأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي ظل الهجمات المتكررة على النبي، صلى الله عليه وسلم، لزم التذكير بعِظم وأهمية دور الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، في سعادة البشرية. والجهل بمحورية دور الأنبياء والرسل هو سبب للإلحاد من جهة، وسبب لانتقاصهم من جهة أخرى.
وقد استخلص د. الأشقر من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المهمات والوظائف التالية للرسل والأنبياء:
 1 - البلاغ المبين: إذ إن الرسل سفراء الله إلى عباده، وحملة وحْيه. ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عباد الله: "يا أيَّها الرَّسول بلغ ما أُنزل إليك من رَّبك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته" (المائدة، الآية 67). والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس، وهو يبلغهم ما يخالف معتقداتهم، ويأمرهم بما يستنكرونه، وينهاهم عمّا ألفوه "الَّذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلاَّ الله" (الأحزاب، الآية 39).
والبلاغ يكون بطريقين: بتلاوة النصوص التي أوحاها الله من غير نقصان ولا زيادة "اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب" (العنكبوت، الآية 45)، "كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا" (البقرة، الآية 151). ويكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم التي أوحاها الله إليه من غير تبديل ولا تغيير.
ومن البلاغ أن يوضح الرسول معنى الوحي الذي أنزله الله لعباده، لأنّه أعرف من غيره بمراد الله من وحيه. وفي ذلك يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للنَّاس ما نزل إليهم ولعلَّهم يتفكَّرون" (النحل، الآية 44). والبيان من الرسول للوحي الإلهي قد يكون بالقول؛ فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أموراً كثيرة استشكلها أصحابه، كما بين المراد من الظلم في قوله تعالى: "الَّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مُّهتدون" (الأنعام، الآية 82)، فقد بيّن صلى الله عليه وسلم أن المراد به الشرك بالله، لا ظلم النفس بالذنوب.
وكما يكون البيان بالقول يكون بالفعل؛ فقد كانت أفعاله صلى الله عليه وسلم في الصلاة والصدقة والحج وغير ذلك، بياناً لكثير من النصوص القرآنية.
2 - الدّعوة إلى الله: لا تقف مهمّة الرسل عند حدّ بيان الحقّ وإبلاغه، بل عليهم دعوة الناس إلى الأخذ بدعوتهم، والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقاداً وقولاً وعملاً. فهم يقولون للناس: أنتم عباد الله، والله ربكم وإلهكم، والله أرسلنا لنعرفكم كيف تعبدونه، ولأننا رسل الله مبعوثون من عنده، فيجب عليكم أن تطيعونا وتتبعونا "ولقد بعثنا في كل أمَّةٍ رَّسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطَّاغوت" (النحل، الآية 36)، "وما أرسلنا من قبلك من رَّسولٍ إلاَّ نوحي إليه أنَّه لا إله إلاَّ أنا فاعبدون" (الأنبياء، الآية 25). وقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس إلى الله جهوداً عظيمة، وحسبك في هذا أن تقرأ سورة نوح لترى الجهد الذي بذله على مدار تسعمائة وخمسين عاماً.
3 - التبشير والإنذار: ودعوة الرسل إلى الله تقترن دائماً بالتبشير والإنذار "وما نرسل المرسلين إلاَّ مبشرين ومنذرين" (الكهف، الآية 56). وتبشير الرسل وإنذارهم دنيوي وأخروي؛ فهم في الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة، وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها، ويخوّفون العصاة بالشقاء الدنيوي ويخوفون المجرمين والعصاة من عذاب الله في الآخرة.
ويبدو أنّ التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية؛ فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها ودفع الشر عنها. فإذا بصّر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصِّلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة، فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، ونعيم الله المبشر به نعيم يستعذبه القلب ويهيم به الخيال. وعندما يُبيّن الرسل للناس الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال، فإنّ النفوس تهرب من هذه الأعمال. إن بعض الذين لم يفقهوا دعوة الإسلام يعيبون على دعاة الإسلام أخذهم بالإنذار والتبشير، وهؤلاء بحاجة إلى أن يراجعوا أنفسهم وينظروا في موقفهم هذا، في ضوء نصوص القرآن وأحاديث الرسول التي تبين أسلوب الدعوة.
4 - إصلاح النفوس وتزكيتها: من رحمة الله أن يحيي نفوس عباده وخلقه بوحيه، وينيرها بنوره "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نَّهدي به من نَّشاء من عبادنا" (الشورى، الآية 52). والله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي لرسله من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النُّور" (إبراهيم، الآية 5).
وإخراج الرسل الناس من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلاّ بتعليمهم تعاليم ربهم، وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، ودلالتهم على السبيل التي توصلهم إلى محبته، وتعريفهم بعبادته "هو الَّذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مُّبينٍ" (الجمعة، الآية 2).
5 - تقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائفة: كان الناس في أول الخلق أمّة واحدة على الفطرة السليمة؛ على التوحيد والإيمان وعبادة الله وحده، ولا يشركون به أحداً. فلمّا تفرقوا واختلفوا، أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلوهم من الضلال "كان النَّاس أمَّةً واحدةً فبعث الله النَّبِيِّينَ مبشرين ومنذرين" (البقرة، الآية 213).
وقد كان كلُّ رسول يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم ويهديهم إليه، وهذا أمر متفق عليه بين الرسل جميعاً. ثم كُلُّ رسول يصلح ويقوِّم الانحراف الحادث في عصره وبلده؛ فالانحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط، وهو يتمثل في أشكال مختلفة؛ فنوحٌ أنكر على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم؛ وهود أنكر على قومه الاستعلاء في الأرض والتجبّر فيها؛ وصالح أنكر عليهم الإفساد في الأرض واتباع المفسدين؛ ولوط حارب جريمة اللواط التي استشرت في قومه؛ وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في الميكال والميزان. وهكذا، فكل هذه الجرائم وغيرها التي ارتكبتها الأمم خروج عن الصراط المستقيم، وانحراف عنه، والرّسل يبينون الصراط المستقيم ويحاربون الخروج عنه بأيّ شكل من الأشكال.
6 - إقامة الحجّة: الله جلّ وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حجّة يوم القيامة "رُّسلاً مُّبشرين ومنذرين لئلاَّ يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسل" (النساء، الآية 165). ولو لم يرسل الله الرسل إلى الناس لجاؤوا يوم القيامة يخاصمون الله –جل وعلا– ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار، وأنت لم ترسل إلينا من يبلغنا مرادك منّا؟ كما قال تعالى: "ولو أنَّا أهلكناهم بعذابٍ من قبله لقالوا ربَّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبَّع آياتك من قبل أن نَّذلَّ ونخزى" (طه، الآية 134).
7 - سياسة الأمة: الذين يستجيبون للرسل يُكونّون جماعة وأمة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم. والرُّسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم؛ فهم يحكمون بين الناس بحكم الله "فاحكم بينهم بما أنزل الله" (المائدة، الآية 48)، وقال تعالى: "يا داوود إنَّا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين النَّاس بالحق" (ص، الآية 26). وأنبياء بني إسرائيل كانوا يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ" (متفق عليه).
فالرسل وأتباعهم من بعدهم يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويلون شؤون القضاء، ويقومون على رعاية مصالح الناس. وهم في كلّ ذلك عاملون بطاعة الله، وطاعتهم في ذلك كلّه طاعة لله "مَّن يطع الرَّسول فقد أطاع الله" (النساء، الآية 80).
ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بهذه الطاعة "إنَّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا" (النور، الآية 51).


*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الصراحة (رجاء)

    الاثنين 1 نيسان / أبريل 2013.
    رووووووووووووعة جدا