"ويأبى الله إلا أن يتم نوره"

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

كثيرة هي التحديات التي تواجه الأمة المسلمة. ولا غرابة في ذلك؛ فسنة المدافعة بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، ومطلوب من أفراد الأمة المسلمة الغيورين على دينهم أن يفهموا هذه السنة من جهة، وأن يفهموا سنته سبحانه أيضاً في الابتلاء، ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وليعلم الذين جاهدوا ويعلم الصابرين، وليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فالمدَّعون كثر، والعاملون الصادقون المخلصون قلة، والخير في هذه الأمة موصول موجود، والوعي مطلوب، والفهم مقصود.
ومن الآيات المطمئِنة المبشرة لهذه الأمة بالنصر والتمكين، هي هذه الآية من سورة التوبة، حيث ذكر الله سياق معاداة المشركين وأهل الكتاب لهذه الأمة، وعقّب بقوله: "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى اللهُ إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (الآيتان 32 و33). فهذا الدين نور، والنور لا يمكن أن يُطفَأ ولو اجتمعت الدنيا كلها، أفراداً وجماعات، بأفواههم ليطفئوه، فلا يمكن لهم ذلك، فهم عبثًا يحاولون. بل يزيد الله الأمر وضوحاً وطمأنينة لعباده، حين يأبى سبحانه إلا أن يُتمّ نوره، ولو كره الكافرون؛ وهم بطبيعة الحال كارهون، بل محارِبون باذلون كل ما بوسعهم لإطفاء هذا النور وإخماد أصله وتشويهه وتصفية أتباعه. ويزيد الله أمرا آخر؛ فهذا الدين في ضمانته وعنايته سبحانه، فهو الذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، هكذا (ليُظهره على الدين كله)، ليعلو شأن هذا الدين، ولتكون له الغلبة، وليكون هو الأكثر أتباعا وأنصارا، ولو كره المشركون على اختلاف أصنافهم. وليذهب الخيال بين أصناف المشركين والكافرين، وكل مشرك كافر، وليس بالضرورة أنّ كل كافر مشرك؛ فقد يكون ملحدا نافياً لوجود الله أصلاً، وذكر المشركين هنا ومن قبلهم الكافرين لتعميم أصناف أعداء هذه الأمة الموحِّدة، ولتأكيد أن الباطل رغم اختلاف أنواعه وربما بين أتباعه عداوة، إلا أنهم يجتمعون ضد هذا الدين.
يجتمعون لإطفاء نوره، تارة بالحروب، وهي أكثر الوسائل فشلاً عبر التاريخ، فأثرها عكسي يزيد تمسك المسلمين بدينهم، وتارة بالتشويه لنبي الإسلام وكتاب الإسلام وتاريخ المسلمين، وهذا هو الأخطر كونه فكرياً سهلاً متدرِّجا، وفيه خبث ولؤم حين تزوَّر الحقائق ويُضلَّل الفكر. وما حركات التبشير والاستشراق والتغريب إلا وسائل لتشويه صورة الإسلام في عقول المسلمين. ونشط أتباع لهؤلاء ومحبّوهم ممن يسمّون بالحداثيين ليزيدوا التشويه. فأولئك -المبشرين والمستشرقين- أسماؤهم ودياناتهم معروفة يلفظها ويمقتها المسلم ابتداءً، وقليل منهم من يتشربها، أما حين تصدر عن أسماء مسلمة مثل محمد ونصر وطه، ومع الدعم الرسمي لهؤلاء بحجة حرية الرأي وأنهم مستنيرون حداثيون، فقد حصل الشرخ الكبير مدة من الزمن، ضاعت فيه الأمة في عمومها عن أصول دينها، حين رضيت دولُنا بالمنهج العلماني المسايِر لتوجه العالم، وحين انفتح العالم على بعضه فيما يسمى بالعولمة، فزادت تحديات الملتزمين دينيا؛ أيبقون بعيدين عن التأثير مقتنعين بحتمية المنهج العلماني، أم ينشطون وهم على يقين بأن وعد الله لا يتخلف، وأنه ناصر عباده المتقين، وأن شرعه ليس رسالة شخصية أو لمجرد التبرك والثقافة، بل ليحكم ويسود، ولا يمنع هذا من المدنية والحضارة، فإسلامنا هو من علّم الناس الحضارة؟
هنا انتقل الصراع بين أتباع المناهج العلمانية، ومن هؤلاء مسلمون لا يعتقدون بالدولة الإسلامية أو الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وما عاد الغرب أو الأعداء الواضحون هم الذين يباشرون حربهم الثقافية على أتباع الدين، فرموز أولئك وأتباعهم وأنصارهم موجودون، وربما يبذلون ويضحون من أجل إبعاد المنهج الديني أو المرجعية الدينية، وقد ربط هؤلاء بين النظرة الغربية المتشائمة من الدين (نتيجة لموقف الغرب من الكنيسة، وقد تحدثنا عن ذلك مرات عديدة)، حين ارتبط الدين في أذهانهم بالتخلف والجهل، وهم أنفسهم يعلمون أن الدين الإسلامي قد عُزل عن التأثير في الحياة منذ سقوط الخلافة. وحتى حين نشأت الجماعات والأحزاب الإسلامية التي تنادي بعودة الحياة الإسلامية، فإن هؤلاء قد حوربوا وسجنوا وعُذِّبوا وشُرِّدوا، ولكن مرة أخرى: "ويأبى الله إلا أن يتم نوره".
رب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم؛ فكلما ازداد الأذى والتشريد لأتباع الفكر الإسلامي، زاد أنصارهم والمتعاطفون معهم، فانتشر هؤلاء في الأرض، ونشروا الدعوة، ولهم الفضل في نشر الإسلام في الغرب والشرق، وفي الحفاظ على الهوية الإسلامية في بلاد المسلمين أنفسهم، وصبروا وضحوا، وهم الآن الأكثر تأثيرا في العالم. فدين الإسلام رسميا هو الأكثر انتشاراً في العلم كله، رغبة لا رهبة، طوعاً لا كرهاً؛ هو دين الفطرة، هو وحده الملبي لحاجات الإنسان، المجيب عن كثير مما يحيّره ويشتته ويقلقه. وفي بلاد المسلمين الذين أريد لهم الضياع والتقليد والانبهار بالحضارات الأخرى، حين أجرم الحكّام في حقوق شعوبهم المسلمة ليتركوهم عبيدا يمجدونهم ويهتفون بحياتهم ويغنّون لهم، وربما يظن ظانّ أنهم أبطال فاتحون ماجدون، وهم الذين منعوهم حقوقهم وحريتهم كي لا يبدعوا ويبنوا حضارة هم أوْلى بها من غيرهم، إلى أن أزيح اللثام عن وجه قبيح لأنظمة استبدادية، لعل ما نشهده الآن فترة تاريخية هي مفترق طرق لهذه الشعوب أن تستعيد مجدها ودورها الحضاري، حين تملك إرادتها وحريتها وتستشعر بشريتها التي سلبت ردحاً من الزمن.
إننا نعاني في بلادنا الإسلامية من المثبطين المعوِّقين، من المنافقين ومن المستسلمين والمقلّدين والمنبهرين بالآخر، ومن الحداثيين، أكثر من معاناتنا المباشرة من الأعداء الواضحين التقليديين. صحيح أن سلوكيات كثير من المسلمين تبعث على الحزن والأسى، ولكن الأهم من ذلك هو الإجابة عن سؤال: من أوصل المسلمين إلى هذا المستوى من التخلف والجهل والعدوانية؟ أليست الأنظمة المتواطئة مع الغرب على وجه التحديد؟ من الذي دعم دكتاتوريات عربية أذلت شعوبها في سورية وليبيا واليمن ومصر وغيرها؟ وهذه الدول الغربية الآن تدّعي براءتها من الماضي القريب، وهي نفسها التي تقف عائقاً أمام تقدمنا وحضارتنا، ولا يهمها في منطقتنا كلها إلا شيء واحد اسمه "إسرائيل".
من حق الشعوب العربية خاصة، والإسلامية عامة، أن تتحرر وتستعيد مجدها. وليس الدين حاجزا ومانعا من التقدم، بل الدين هو الحضارة وهو العلم والمدنية، هو الذي يبني المبادئ ويربطها بالعقيدة لا بالمصالح والسياسة، هو الذي يساوي بين البشر ويؤكد العدالة بينهم، هو الذي يؤسس للكرامة الإنسانية ويجعل ميزان التفاضل هو التقوى، ويحث على الأخلاق واحترام الآخر وحواره، هو الذي حرر الإنسان وضبط سلوكياته ليكون التوازن بين حاجاته ومجتمعه والمجتمعات، إنه الدين الذي أكمله الله وأتم به النعمة ورضيه لنا، فهل نستدرك على الله، أو نرد ما قدمه لنا من هدايات في شتى المجالات؟
ليس الدين حكراً على طائفة أو جماعة. ووجود الجماعات والأحزاب وسيلة لا غاية، وليس أحد منا (أفراداً وجماعات) حجة على المسلمين، ولا يجوز لي إن كنت معادياً لجماعة ما أو حزب ما أن يطغى هذا العداء أو الكره فيشمل الدين نفسه، فالدين هو الأصل، والجماعات وسائل تخطئ وتصيب، وعلاقتي هي بالله والدين لا بالأشخاص والأحزاب أو الحكّام. فليظهر واجبي الدعوي والإصلاحي، ولتكن ثقتي بالله وكتابه ونبيه، وولائي لله ورسوله والمؤمنين. وما أشدها من لطمة على وجوه الغربيين وأذنابهم الشرقيين حين أعلنت "إسرائيل" أنها دولة يهودية، ولم يتحدث المنافقون كثيراً عن هذا الأمر، يرضونه لليهود ويحرمونه بل يجرّمون من يدعو إلى الدولة الإسلامية.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره، والله متمّ نوره (في آية أخرى)، وسيظهر هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، وكفى بالله شهيداً (كما في آية سورة الفتح). فالله يضمن ويشهد، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يؤكد: "سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار". والجولة للإسلام العظيم، وربما هي جولة سلمية، حيث الانفتاح والحجة والحوار. والحق أبلج والباطل لجلج، والغرب نفسه ربما يكون ميدانا رئيساً لنشر الإسلام، وأقول للمبغضين: "قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور" (آل عمران، الآية 119)، ومخرج ما كنتم تحذرون، وما كنتم تكتمون.
*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ناصح أمين (azzam)

    الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2012.
    د. المجالي يؤخذ على مقالتكم طولها وتكرار الأفكار فيها لو تأخذون بالاختصار مع الإفادة جزيتم خيرا