الإعلام الأميركي يتعجب من "قلة امتنان" المسلمين

تم نشره في الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

غلين غرينوالد - (الغارديان) 14/9/2012

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أحد أبرز الاتجاهات التي تشكل رد الفعل الأميركي على الاحتجاجات الجارية الآن في العالم المسلم هو الشعور بالحيرة، وحتى الغضب، لأن هؤلاء المسلمين ليسوا أكثر امتناناً للولايات المتحدة. فبعد كل شيء، كما يقول هذا الاتجاه، كانت الولايات المتحدة هي التي أنعمت عليهم بأعطيات الحرية والديمقراطية -أي الحقوق نفسها التي أصبحوا يمارسونها الآن- فكيف يمكن لهم إذن أن يكونوا سوى شاكرين وممتنين؟ ووفق هذه النظرة إلى العالم، يبدو من الغريب بشكل خاص أن تكون الولايات المتحدة؛ منقذهم ومزودهم بالحرية، هي هدف غضبهم الأخير.
قبل نحو أسبوع، نشرت صحيفة أميركا اليوم (يو أس إيه توداي) مقالاً تحت عنوان: "بعد الهجمات في ليبيا ومصر، (يو أس تودي) تطرح السؤال: لماذا؟"، وبدت الصحيفة وكأنها تقول لقرائها إن الولايات المتحدة هي التي حررت الشعب المصري من الطغيان، فكتبت:
"الهجمات في ليبيا، التي خلفت أربعة دبلوماسيين أميركيين قتلى -بما في ذلك السفير كريستوفر ستيفنز- وغزو الغوغاء للسفارة الأميركية في القاهرة؛ حيث مزقوا العلم الأميركي إلى قطع صغيرة، تركت الكثيرين وهم يتساءلون: كيف يمكن لأناس ساعدتهم الولايات المتحدة الأميركية على التحرر من الطغاة القتلة أن يتعاملوا معها بمثل هذه الطريقة؟".
هل سبق لكم وأن علمتم أن "الولايات المتحدة الأميركية ساعدت على تحرير" المصريين من الديكتاتور القاتل؟ وفي ليلة الخميس التالية، عرضت محطة الأخبار (إن. بي. سي. نيوز) تقريراً مدته تسع دقائق في برنامج بريان ويليامز "روك سنتر" يظهر فيه مراسلها الخارجي، ريتشارد إنجل، وهو يبث تقريره عن المظاهرات من القاهرة، والذي كرر الثيمة نفسها بالضبط. فبينما يقف أمام المحتجين المصريين في ميدان التحرير، قال إنجل للمشاهدين إن هذا كله محير جداً لأنه يحدث "في القاهرة، حيث أدارت الولايات المتحدة ظهرها للصديق القديم حسني مبارك"، ثم أضاف إنجل بعد ذلك: "إن الأمر ينطوي على مفارقة إلى حد ما بالنسبة للدبلوماسيين الأميركيين داخل السفارة، الذين ساعدوا على إعطاء هؤلاء المتظاهرين، هؤلاء المحتجين، صوتاً، وأتاحوا لهم فعلاً القيام بهذه الاشتباكات المناهضة للولايات المتحدة التي نراها الآن".
أما أن الولايات المتحدة هي التي حررت المصريين و"أتاحت لهم" الحق في الاحتجاج، فإن ذلك سيشكل بلا شك مفاجأة كبيرة للكثير من المصريين. هذا هو واقع الحال إذن؛ حتى بعد عقود من التمويل والتسليح والدعم العام من الولايات المتحدة لديكتاتورهم المكروه (وعن ذلك يضمن إنجل تقريره مقتطفاً من مقابلة مع طارق رمضان، والتي يشير فيها إلى أن الولايات المتحدة طالما دعمت أنظمة الدكتاتوريين في المنطقة).
فيما عدا دعم الولايات المتحدة الطويل لمبارك، فإن المصريين سيجدون صعوبة على الأرجح في التصالح مع زعم إنجل بأن الولايات المتحدة حررتهم بعلامة "صنع في الولايات المتحدة" المطبوعة على عبوات الغاز المسيل للدموع التي استخدمتها ضدهم قوات أمن مبارك؛ أو بإعلان هيلاري كلينتون المؤثر في العام 2009، الذي قالت فيه: "إنني أعتبر الرئيس والسيدة مبارك أصدقاء لعائلتي حقاً"؛ أو بدعم أوباما لمبارك حتى اللحظة الأخيرة عندما أصبح سقوطه أمراً حتمياً؛ أو بحقيقة أن خطة إدارة أوباما كانت هندسة صعود الجلاد المكروه الموالي للولايات المتحدة، عمر سليمان، ليكون البديل لمبارك باسم "الاستقرار".
بالنظر إلى تاريخ الولايات المتحدة في مصر، سواء على المدى الطويل أو الأكثر حداثة، فإن الأمر يتطلب درجة غير اعتيادية من خداع الذات والدعاية لتصوير الغضب المصري تجاه الولايات المتحدة على أن "ينطوي على مفارقة" على أساس أن الولايات المتحدة هي التي حررتهم و"أتاحت" لهم ممارسة الحق في الاحتجاج. لكن هذه على وجه التحديد هي الثيمة التي تقوم بنشرها معظم وسائل الإعلام ومنافذه في الولايات المتحدة.
وحتى في ليبيا، حيث يصح بالتأكيد أن يكون العديد من الليبيين سعداء بتدخل حلف شمال الأطلسي، فإن هذه الحيرة تظل في غير محلها. فلطالما كان الحال دائماً أن يكون جزء صغير من دولة تعرضت للغزو سعيداً بالغزو، وحتى بأكثر أنواع الغزو افتقاراً إلى المبرر: وما يزال سرور الأكراد الكبير بحرب العراق حقيقة يستشهد بها دعاة الحرب على العراق بلا توقف، كدليل على عدالة الحرب وحكمتها.
لكن من الصحيح أيضاً أن مثل هذه الغزوات تنتج مشاعر الغضب الشديد كذلك: بين أسر أولئك الذين قتلوا على يد القوات الغازية، أو الذين يعانون من حالة انعدام القانون وعدم الاستقرار الناتجة عن الغزو. ولكم أن تقرنوا ذلك بحقيقة أنه لوحظ مراراً وتكراراً أن التدخل الأميركي في ليبيا ساعد على تسليح وتمكين المتطرفين المناهضين للولايات المتحدة، بما في ذلك تنظيم القاعدة. وبذلك، فإن من البعيد جداً عن استدعاء الحيرة -كما أصرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون- أن بعض الناس في ليبيا يناهضون الولايات المتحدة بشدة، ويريدون أن يلحقوا بها الضرر.
في التقرير المذكور نفسه، أمضى إنجل عدة دقائق أيضاً وهو يوضح أن السبب الرئيسي في عداء هؤلاء المحتجين للولايات المتحدة، هو أن رؤوسهم حُشيت لسنوات بنظريات المؤامرة المجنونة حول الكيفية التي كانت بها الولايات المتحدة وإسرائيل هما المسؤولتان عن مآسيهم. وهذه المؤامرات، كما قال: غذاهم بها الحكام المستبدون من أجل صرف الانتباه عن فسادهم الخاص.
دعونا نضع جانباً تناقض وسائل الإعلام الأميركية وهي تنعى وتشجب "نظريات المؤامرة" المجنونة في البلدان الأخرى، عندما تكون الولايات المتحدة هي التي هاجمت بلداً آخر اعتماداً على ذريعة وجود أسلحة غير موجودة، وتحالفات سرية ملفقة مع تنظيم القاعدة. ينبغي للمرء الاعتراف بأن ثمة بعض الحقيقة في مزاعم إنجل بأن الطغاة في المنطقة قاموا بتغذية مشاعر الغضب في المواطن تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل كوسيلة لتشتيت الانتباه عن قصورهم وإخفاقاتهم وفسادهم الخاص.
لكن محاولة إظهار الغضب المسلم تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل على أنه في المقام الأول عرض جانبي لنظريات المؤامرة المجنونة، هو في حد ذاته نظرية مؤامرة مجنونة. لقد كان في عالم الواقع، وليس المؤامرة، حين جلبت الولايات المتحدة وإسرائيل كميات هائلة من العنف المميت إلى العالم المسلم، والذي أسفر عن القتل الروتيني لرجاله ونسائه وأطفاله الأبرياء. بينما يستمع المرء إلى إنجل، فإنه ربما لا يعرف أبداً عن المسائل الصغيرة للغاية؛ مثل قصف غزة ولبنان، والقمع والاضطهاد المستمرين طوال ما يقرب من خمسة عقود طويلة للفلسطينيين، والحملة الكريهة التي تشنها الطائرات بدون طيار وتقتل الأطفال، أو الهجوم على العراق.
كان في عالم الواقع، وليس مؤامرة، حين تدخلت الولايات المتحدة فعلياً وبشكل مستمر في حكم بلدان المسلمين عن طريق دعم ومساندة طغاتهم ودكتاتورييهم. إن عداء المسلمين الشديد تجاه الولايات المتحدة؛ بما في ذلك في مصر، يعود إلى فترة طويلة سابقة لهذا الفيلم. أما الأسباب، فليس من الصعب تمييزها. كان هذا بالضبط هو السبب في أن الولايات المتحدة دعمت الاستبداد في هذه البلدان لفترة طويلة: ضمان أن يتم قمع آراء المواطنين المناقضة تماماً لسياسة الولايات المتحدة، وجعلها غير ذات صلة.
إن الأمر لا يتطلب حشو الجماهير بالدعاية حتى تغضب من الولايات المتحدة بسبب ارتكابها مثل هذه الأعمال. لكنه يتطلب جماهيراً محشوة بالدعاية إلى إصابتها بالصدمة لدى النظر إليها بمشاعر الحيرة والاستياء، وعلى أساس أنه يجب عليها أن تكون ممتنة بدلاً من ذلك، لأننا نحن الذين "حرناها".
ولكن، وحتى نرى السبب في وجود هؤلاء السكان الآخرين المملوئين بالدعاية في الولايات المتحدة، وكيف دُفع بهم لتصديق مثل هذه الأسطورة والمؤامرات، فإنه ليس علينا سوى قراءة مقالة "يو أس تودي"، أو أن نشاهد تقرير "إن. بي. سي. نيوز" عن تلك الاحتجاجات، ونراهما وهما تقنعان الأميركيين بأن الامتنان، وليس الاستياء، هو الذي ينبغي أن يكون العاطفة التي يشعر بها الناس في تلك المنطقة تجاه الولايات المتحدة.
ala.zeineh@alghad.jo

التعليق