الأحزاب الليبرالية التونسية تنافس الإسلاميين في العمل الخيري

تم نشره في الأحد 23 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً
  • أنصار حزب النهضة الإسلامي المعتدل الحاكم يؤدون الصلاة خلال استعراض لتأييد الحكومة التونسية – (أرشيفية)

جون ثورن
 (كرستيان سينس مونيتور) 7/9/2012
 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بوكريم، تونس- هبط المساء على المزرعة، وانتهت الحفلة الموسيقية. وخرج الراقصون مع آبائهم وأمهاتهم إلى الحديقة لتناول شيء من الكعكة. وبعيداً عن طاولة المرطبات، كان بعض رجال القرية يستجوبون منظم الحفلة، الذي يدعى جبران الجليدي.
سأله أحدهم: "ما هو حزبكم؟" وقال آخر: "من الذي يقوم بتمويلكم؟" ثم انحنى شاب طويل القامة اسمه المنجي، وقال بهدوء: "أريد أن أقدم لكم رسالة: إن الديمقراطية ليست هي المعيار الأفضل للحكم".
في المكان، كانت ورشة عمل عامة للرقص ومهارات التحدث أقيمت لأطفال الريف، والتي نظمتها مجموعة السيد الجليدي "كلنا تونس". لكن المخاطر والرهانات تبقى أكبر بكثير بالنسبة إليه ولرجال مثل المنجي -أحدهما ديمقراطي علماني، والآخر إسلامي صارم.
"كلنا تونس" هي واحدة من بين العديد من منظمات المجتمع المدني الليبرالية التي تحاول موازنة نوبة النشاط الإسلامية التي ازدهرت منذ الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي في العام الماضي. وفي جهد يعمل على فتح جبهة جديدة في حروب تونس الثقافية، يأخذ الليبراليون حملاتهم بشكل متزايد إلى ما وراء منطقة السياسة إلى عالم العمل الخيري والاجتماعي –وكان المشهد العام في الدول العربية قد خضع طويلاً لهيمنة الجماعات التي تستلهم الدين، والتي كسبت لها جهودها في هذا المضمار ثقة الجمهور.
السياسة بوسائل أخرى
في حين أن بعض التونسيين يقدمون للمنظمات من أمثال "كلنا تونس" ترحيباً حاراً. يقول آخرون إن قيمها الليبرالية خارجة عن السياق، وفاقدة لانسجام الخطوة مع المجتمع التونسي.
وكانت منظمة "كلنا تونس" قد تأسست في كانون الثاني (يناير) بجهد من مجموعة من الأعضاء السابقين في "آفاق تونس"، وهو واحد من الأحزاب السياسية الليبرالية العديدة التي تعرضت لضربة في انتخابات شهر تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي على يد الإسلاميين المعتدلين في الحزب (المقاومة) النهضة. وقد سمح سقوط السيد زين العابدين بن علي أيضاً لتيارات أكثر تشدداً بالظهور، بما في ذلك الحركة السلفية المحافظة المتشددة والعنيفة في بعض الأحيان، وحركة حزب التحرير. وتريد كل من الحركتين إقامة دولة إسلامية بشكل صارم.
وبالنسبة للجليدي، وهو طبيب في تونس، دفعت هذه التطورات إلى ممارسة السياسة بوسائل أخرى. ويقول السيد الجليدي: "عندما تعمل مع الناس على الأرض، فإنه يمكنك توصيل أفكارك الخاصة عن المجتمع". ويضيف: "لقد احتل الإسلاميون المساجد؛ وسنقوم نحن باحتلال الفضاء العام".
اليوم، تضم حركة "كلنا تونس" حوالي 500 عضو، ولها مكاتب أو ممثلون في 17 مدينة، كما يقول السيد الجليدي. وقد عرضت المنظمة المساعدة الخيرية للفقراء والقروض الصغيرة بدون فوائد للأعمال المبتدئة، وهي تقدم الدعم للبرامج الثقافية التي تقول إنها تجسد القيم الحديثة.
هل تقوم الليبرالية والإسلام باستبعاد بعضهما بعضاً؟
كان الشهر الماضي هو الذي أتى بالسيد الجليدي وغيره من أعضاء منظمة "كلنا تونس" إلى مزرعة بالقرب من قرية بوكريم، الواقعة في شمال شرق تونس، وإلى عقد شراكة مع معلمة الرقص نوال سكندراني.
وقد وضعت السيدة سكندراني، وهي راقصة باليه، برنامج إقامة ورشة العمل لتعليم الأطفال الاتزان والانضباط الذاتي، وبالتالي "بعض الفكرة عما يعنيه أن يكون المرء مواطناً"، كما تقول، "ومنحهم الإمكانية لكي يحلموا".
وفي معظم صباحات الأسبوع الماضي، تجمع 34 طفلاً في سن الدراسة في حظيرة المزرعة، وهي بناية من طابق واحد، مبنية من الطوب ومزودة بأرضية خشبية نابضة لقاعة الرقص، ليتلقوا دروساً في الرقص والخطابة.
وبالنسبة لبعض السكان المحليين في بوكريم، تتسم مثل هذه الأنشطة بنوع معين من الانحطاط.
يقول شهاب بلحاج، وهو مزارع وعضو في حزب التحرير: "إن تعليم الأطفال الرقص ليس أولوية عندما لا تحصل بعض المنازل هنا على المياه الجارية. وبطبيعة الحال، فإن الإسلام والليبرالية يتعارضان مع بعضهما بعضا".
ويساعد أعضاء حزب التحرير في تقديم دروس لتحفيظ القرآن كل يوم جمعة في مسجد بوكريم لنحو 120 من الأطفال المحليين، كما يقول بلحاج.
وينسجم ذلك بشكل جيد مع النظرة العالمية لعبد الله بن يونس، وهو مزارع قمح لطيف، وأحد معارف السيد بلحاج. وهو يقدس الإسلام ويرتاب بدوافع جماعات مثل "كلنا تونس". ويقول: "إنهم يتحدثون عن حرية التعبير، على سبيل المثال. لكن كل ما يريدونه حقاً هو الحرية في إهانة الإسلام".
لكن السيد الجليدي يرفض هذه الفكرة، وهو نفسه مسلم. ويقول إن حركة "كلنا تونس" تتجنب مناقشة الدين، وتريد أن تقدم المساعدة للتونسيين بغض النظر عن ميولهم الدينية.
وتقول سكندراني إن منتقديها المحليين "يجب أن يحاولوا فهم ما يحلم به هؤلاء الأطفال. إنني لا أتحدث معهم حول الدين، سواء معه أو ضده. إنني لا أسعى إلى غسل عقولهم. وبدلاً من ذلك، أقوم فقط بفتح عقولهم".
لرفع سوية الجيل القادم من المواطنين
في نهاية ورشة العمل، قامت السيدة سكندراني بتهيئة الأطفال للأداء في المساء. سوف يكون هناك رقص، يسبقه عرض للتحدث والخطابة أمام الجمهور. وسيقوم بعض الأطفال بوصف مكان أو شيء ما، فيما سيروي البعض الآخر سرداً عن رحلات متخيلة في الخارج.
"من هو الذي لم قال لنا شيئاً حتى الآن؟ آه، محمد"، قالت سكندراني، ونظر إليها صبي صغير يرتدي قميصاً برتقالياً قصير الأكمام. وسألته: "أما تزال تريد أن تقول لنا شيئاً عن البرازيل؟".
وظل محمد صامتاً. وقالت سكندراني: "محمد، تخيل أن لديك تذكرة يمكن أن تركب بها طائرة.. ما هو حلمك؟"
وفي النهاية، اختار محمد الحديث عن بوكريم –وجاء ذلك الاختيار، كما تقول سكندراني، نتيجة للنقص في المعلومات عن العالم خارج القرية.
وبينما كان الغسق يقترب، وصلت الأسر وتم إرشادها إلى الحظيرة. وارتفع صوت موسيقى آلة العود من جهاز ستيريو، بينما شرع الأطفال الرابضون على الأرض بالنهوض والتحدث واحداً تلو الآخر.
وقالت فتاة نحيلة مرهفة تدعى نورا بن سعود: "ذهبت لزيارة الأسكيمو، لأرى كيف يقومون بتكسير الجليد. وفي الفندق، وضعوا الملح في قهوتي لأنهم قالوا إنه لا يوجد هناك سكر".
كان والد نورا، وهو بائع دجاج اسمه شكري  بن سعود، يشاهدها من الصف الثاني، بينما يحتضن شقيقها الصغير، غسان. وكان شقيقها الآخر، غيث، يشترك معها في الإلقاء.
وتحول العرض إلى وصلة رقص، وانتهى بالانحناءات والتصفيق، وبهدية هي عبارة عن حقيبة ظهر مدرسية تضم تجهيزات كاملة لكل واحد من الأطفال. قدم الجميع إلى الحديقة، حيث انتهى الأمر الجليدي بمناقشة السكان المحليين.
وكان شخص واحد فقط، هو العضو الشاب في حزب التحرير، المدعو المنجي، هو الذي حذر من الديمقراطية وتراخي الأخلاق. وقال المنجي بعد ذلك: "معظم الناس يركزون على هنا والآن. لكنهم لو كانوا يعرفون أين يمكن أن تذهب مثل هذه الأنواع من الأنشطة بالمجتمع، لما كانوا قد أتوا إلى هنا أبداً".
في الجوار القريب، كان السيد بن سعود يجمع أفراد أسرته ويستعد للعودة إلى بيته. وكان ما يزال يشع بالبهجة. ويقول: المسائل الدينية تهم قليلاً. وأضاف: "أي طرف يمكن أن يأخذ نورا وغيب، ويشكلها، ويساعدهما في أن يكونا جزءاً من المجتمع، فإنني معه وسأسانده".
*نشرت هذه القصة الإخبارية تحت عنوان: Losing ground to Islamists, Tunisia's liberal parties get in the charity game

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق