الحملة على الصحيحين: توقيتها ومغزاها

تم نشره في الجمعة 7 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

لست متخصصا في الحديث الشريف، ولكنها المعلومات التي درسناها سابقا، والمناقشات والحوارات والندوات والمؤتمرات التي أنضجت المفاهيم. ولكل وجهة هو موليها، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ويعرض، ولكن لا بد من بيان مجموعة من النقاط أجدها حازمة ضرورية، منها:
1. أنّ مصدريْ الإسلام هما الكتاب والسنة، وما سوى ذلك فهي اجتهادات في الفهم والاستنباط، وهي قابلة للأخذ والرد.
2. العلاقة وثيقة بين القرآن والسنة، فكلاهما وحي "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه". والسنّة مكمّلة أو شارحة أو مؤكدة للقرآن. وهذه أمور مبسوطة مبينة في مظانها، ليت القارئ يرجع إليها بتوسع.
3. القرآن ثابت ثبوتا قطعيا، كونه متواترا؛ أما السنة، فبعضها متواتر قطعي الثبوت، وغالبها آحاد ظني الثبوت. ومن هذا الظني ما هو صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع.. إلخ.
4. القليل من القرآن والسنة ما هو قطعي الدلالة الذي لا يفيد إلا معنى واحدا، والغالب هو ظني الدلالة، وهذا الذي سمح بوجود اجتهاد في الفهم، ومن ثم احتمالية الاختلاف المحمود، وهذا مقصود من الشارع سبحانه، حين حثنا على التدبر والتفكر "أفلا يتدبرون القرآن" (النساء، الآية 82). بل جعل وظيفة الرسول، صلى الله عليه وسلم، هي البيان، وفي الوقت نفسه حث على التفكر فقال: "وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون" (النحل، الآية 44). ونصوص العلماء كثيرة في أهمية التدبر والتفكر في شأن القرآن. أما السنة، فهي أبسط من القرآن من حيث المعنى؛ فهي ليست معجزة كما القرآن، ومع ذلك فإن نصوصها محتملة أكثر من معنى، والأدلة كثيرة في الاختلاف بناء على وجود أكثر من معنى للنص نفسه.
5. لقد بذل العلماء جهودا ضخمة عبر التاريخ من أجل جمع السنة النبوية والعناية بها؛ إذ الغالب منها كان محفوظا في الصدور. أما القرآن فقد حُفظ في السطور وفي الصدور. ولعل الجمع الرسمي للسنة كان في نهاية القرن الأول من الهجرة، فكانت المصنفات الكثيرة المتنوعة، وتألق عصر التصنيف في القرن الثالث الهجري.
6. ومع الجمع كان التدقيق في الحكم على الحديث من زاويتيْ السند (سلسلة الرواة) والمتن (نص الحديث). ونشأت علوم الحديث لتخدم الحكم على الحديث من حيث ثبوته، وهذا الأهم، ثم من حيث معناه، خاصة إن كان هناك تعارض بين الأحاديث نفسها من جهة، أو بينها وبين القرآن من جهة أخرى.
7. كانت للعلماء مناهج مختلفة وأهداف متنوعة في مصنفاتهم الحديثية؛ منهم من صنّف بناء على المسانيد، ومنهم من جمع حسب الموضوع، ومنهم من كان شاملاً في جمعه (الجوامع)، ومنهم من اقتصر على أبواب محددة (السنن).. وهكذا. ولم يخل كتاب من هذه الكتب من نقد حول ضعف بعض الأحاديث المصنفة، وربما كان بعضها موضوعا مكذوبا. وقد بين العلماء هذا واستدركوه، والتمسوا العذر لمصنفه بأي شكل من الأشكال. ولا غرابة أو غضاضة في هذا، فالسنة محفوظة بإذن الله كما القرآن، إذ العلاقة بينهما وثيقة كما بينا.
8. اتفق العلماء قديما على صحة ما في الصحيحين (البخاري ومسلم) في المجموع العام. إذ وجود بعض الأحاديث المحكوم على ضعفها يرتقي إلى درجة الحسن، وربما الصحيح بوجود روايات متعددة للحديث نفسه مما يقوي شأنها ويرفع من درجتها.
9. يشترك القرآن والسنة، بل أي كتاب مصنف وأي كلام يقال، في خطورة الفهم التجزيئي للنص. فالآية، مثلاً، لا يمكن فهمها بمعزل عن مثيلاتها في الموضوع نفسه، وكذلك الحديث النبوي في موضوع ما، فلا نستنبط الحكم أو نحكم على الحديث ابتداء بناء على نص واحد، بل لا بد من النظر في مجموع النصوص، ثم يكون الحكم والفهم والاستنباط.
10. هناك من استدرك على الصحيحين عبر التاريخ، ورد العلماء عليهم. واستمرت الأمة في سيرها العلمي والحضاري، ولم يكن هناك أي تعارض يذكر، وإن وجد –وهو في الغالب ظاهري- فسرعان ما يقدم العلماء حكمهم وقرارهم بشأن الحديث النبوي.
11. كثرت في الفترة الأخيرة الانتقادات اللاذعة للسنة النبوية عموما، وللصحيحين خصوصا، بحجة معارضة بعض الأحاديث للقرآن أو العلم أو المنطق، وتم التشكيك في السنة عموما، إذ إن التشكيك الموجه إلى الصحيحين يعني نسف الثقة بهما، وبغيرهما من باب أوْلى، وهنا تكمن الخطورة.
إن معظم الانتقادات راجعة إلى سوء الفهم من جهة، أو تغليب سلطان العقل من جهة أخرى، وصدق الشاعر وهو يقول: "وكم من عائب قولاً صحيحا.. وآفته من الفهم السقيم". أما العقل فصحيح إنه وسيلة الفهم، ولكن لا يجوز بحال أن يكون سلطانا؛ إذ كثير من الغيبيات مثلاً لا يمكن له أن يعيها، بل يسلم لها تسليما، وهنا نقطة الخلاف الرئيسة عند هؤلاء الذين يتجرأون على السنة؛ فمسائل الغيب وكثير من الأمور التي ربما لو أخضعناها للعقل وحده لما فهمناها، ولكن كونها موجودة في القرآن فلا مشكلة فيها. أما إن وردت في السنة فهنا تقوم القائمة، ولا يمكن قبولها إلا إذا شككنا في النص ولو كان في صحيح البخاري أو صحيح مسلم!
إن هذه الأمور في مجموعها قليلة أصلاً، ولا تؤثر على مصداقية الصحيحين ولا الإسلام في عمومه. ومن العيب والعار على بعض المثقفين الذين يزعمون الغيرة على الإسلام بشأنها أن يسلطوا الأضواء عليها، وينفخ فيهم الشيطان درجة أخرى ليشككوا في الصحيحين، ومن ثم في الإسلام كله بناء عليها. فالأمة الإسلامية أولوياتها وحدتها، وثقتها بنفسها ومنهجها، ورفع الظلم الذي فُرض عليها عقودا مستمرة، ونيل حقوقها وأهمها حريتها، ودفع أعدائها عنها حين تأخذ بأسباب العزة وتغير ما بنفسها حتى يغير الله حالها.
أما الانشغال عن الكبير بالصغير، وطلب الاشتهار بالتركيز على مسائل الاختلاف وتتبع أقوالٍ هنا وهناك، فهذا لا يمكن قبوله بحال من الأحوال، فهل مما يعيق انتصار الإسلام اليوم هو التنبيش عن أوضاع الصحابة وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؟! هل مشكلة المسلمين اليوم هي معاوية بن أبي سفيان، أو عمر أو عائشة، رضي الله عنهم أجمعين؟! أو الحروب التي كانت بين المسلمين؟ لماذا يركز بعض من يسمون أنفسهم اليوم بدعاة الإصلاح وإعادة دراسة التاريخ والنصوص على الشاذ من الآراء، أو ربما حقائق، ولكن مضت عليها دهور ويصدق عليها قول الله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" (البقرة، الآية 141)؟ أليس الأوْلى أن نرتب أولوياتنا؟ أليس من المعيب أن ننشغل عن أعداء حقيقيين متربصين بنا، لنثير فتنا بيننا ونعيد إحياء خلافات اندثرت؟ كل هذا لا يخدم إلا مصالح قوم متربصين بنا نحن المسلمين عموما، وأهل السنة خصوصا.
ليس كلامي هنا عاطفة بقدر ما هو نظر في الواقع، وترتيب للأولويات ومخاطبة الناس بما يعرفون، وما سوى ذلك تضليل وتشتيت للجهود، فلا ينقص أمتنا اليوم زيادة تقسيم، ولا إحياء خلافات، ولا تشتيت بوصلة ولا تفتيت جهود بناء، خاصة حين أعرف كم هو تيار المدافعة في الاتجاه الآخر من صهيونية عالمية وصليبية متربصة وحركات ماسونية ومروجي عبادة الشيطان والحركات التي هي أشبه بمساجد الضرار ممن شوّه الإسلام ومزق كيانه وشكك في أركانه. إن وعد الله بانتصار هذا الدين حقيقة، وتحققها قادم لا محالة، "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً" (النساء، الآية 56).


*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

التعليق