انعكاسات الأزمة السورية المتصاعدة في لبنان

تم نشره في الاثنين 27 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً
  • مواطنان سوريان اختطفتهما عشيرة آل المقداد اللبنانية - (أرشيفية)

سولوم أندرسون* - (فورين بوليسي) 20/8/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أعلن أعضاء مسلحون من عشيرة آل المقداد الشيعية المسلمة القوية، والتي تنحدر من وادي البقاع في لبنان يوم الأربعاء الماضي، أنهم اختطفوا 40 سورياً ومواطناً تركياً على الأقل، مثيرين بذلك موجة مماثلة من حالات الاختطاف والاضطرابات في عموم لبنان. وعلى الرغم من أن عشيرة آل المقداد ادعت بأن السوريين المختطفين كانوا أعضاء في الجيش السوري الحر، فقد نفى ناطق بلسان الجيش هذا الادعاء، قائلاً إن المخطوفين كانوا مواطنين سوريين عاديين، فرّوا إلى لبنان هرباً من العنف في سورية.
وفي أشرطة فيديو عرضت على شاشة التلفاز اللبناني وأعيد بثها على البرنامج الإنجليزي في فضائية الجزيرة التي تبث من قطر، قال أربعة مسلحين مقنعين من عشيرة آل المقداد إنهم اختطفوا الرهائن رداً على اعتقال أحد أقربائهم، حسن مقداد، في سورية، من جانب مجموعة تدعي بأنها من الجيش السوري الحر. كما بثت فضائية "العربية" المملوكة للسعودية شريط فيديو يوم الأربعاء لأحد أفراد عشيرة آل المقداد وقد ظهرت عليه كدمات، ويعترف فيه بأنه قناص من حزب الله، وأنه أرسل إلى سورية لمساعدة نظام الأسد.
وقد أصدر كل من حزب الله وعشيرة آل المقداد بيانين ينفيان فيهما أن يكون حسن المقداد عضواً في حزب الله. وتدعي عائلته بأنه كان يعيش في سورية لأكثر من عام، حيث كان يعمل لصالح بنك لبناني. وفي الحقيقة، تصف تقارير إعلامية منذ حزيران (يونيو) العلاقات بين عشيرة آل المقداد وحزب الله بأنها متوترة في أفضل الحالات، وبأنها كانت تتفجر في بعض الأحيان لتأخذ شكل اشتباكات عنيفة. ولتعقيد الأمور أكثر، نفى ناطق بلسان الجيش السوري الحر في مقابلة مع محطة التلفزة اللبنانية الدولية (LBCI) أن يكون الجيش السوري الحر قد أقدم على خطف حسن المقداد مطلقاً.
وبعد تهديدات من أعضاء من عشيرة آل المقداد، والتي وجهت لمواطنين من بلدان الخليج، يرون أنهم يساعدون ويشجعون الجيش السوري الحر، شرعت حكومات العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة في إجلاء رعاياها من لبنان يوم الخميس الماضي. ورافق ذلك انتشار إشاعات تقول بأن حربا أهلية لبنانية ثانية قد بدأت تسري في الوسط الإعلامي، في وقت بلغت فيه التوترات السنية الشيعية، فيما يبدو، أوجاً عالياً لم يسجل في لبنان.
ولكن، من هي عشيرة آل المقداد بالضبط، وما صلتها بحزب الله؟ يقول دبلوماسي سابق يفضل عدم ذكر اسمه إنها إحدى المجموعات الشيعية من وادي البقاع، والتي تحتفظ بأجنحة مسلحة. وأوردت وكالة الأسوشيتدبرس يوم الخميس أن إحدى هذه المجموعات منخرطة كما هو معروف عنها في زراعة وتهريب المخدرات، لكن المصدر يقول إن أعضاء العشيرة ليسوا لاعبين رئيسيين في هذه التجارة.
وقال: "إن عشيرة آل المقداد هي في الأساس امبراطورية أعمال تجارية ضخمة... وليست كلها قانونية جداً". وأضاف: "وعلى عكس المجموعات الرئيسية الأخرى، فإنهم ليسوا متورطين كثيراً في انتاج الحشيش.. لكنهم يقومون بتسويق المخدرات التي تسبب لهم مشاكل في بعض الأحيان مع حزب الله".
وإذن، هل هم من حزب الله أم أنهم ليسوا كذلك؟ يختلف الخبراء حول هذه النقطة. ويدعي بلال صعب، الزميل في معهد مونيتيري للدراسات الدولية، بأنه على الرغم من التوترات السابقة بين عشيرة آل المقداد وحزب الله، فقد عمل الجانبان عن قرب سوية دائماً.
ويقول صعب: "لقد حارب أفراد عشيرة آل المقداد إلى جانب حزب الله منذ نشأته". ويضيف: "وإذا كانوا قد اشتبكوا في الماضي، فقد يكون ذلك لأن حزب الله قد تجاوز حدوده، لكن حزب الله يعمل من أجل الحفاظ على شراكة مع العشيرة لأنها تزودهم بمجندين وأراضٍ وولاءات. وفي المقابل يزودها حزب الله بالخدمات الاجتماعية وبالحماية".
ويشدد صعب على القول بأن حزب الله يمارس سياسة "القبضة الحديدية" على "الضاحية"، وهي المنطقة الجنوبية من بيروت حيث يقال إن آل المقداد يحتفظون بالرهائن. ويقول صعب أيضاً: "لا يمكن لأحد أن يحتجز رهائن في الضاحية من دون علم حزب الله وموافقته". ويضيف: "وأعتقد بأن هذا يمثل محاولة من حزب الله لدعم النظام السوري في داخل لبنان".
وبسؤاله عن السبب في أن حزب الله وعشيرة آل المقداد ينفيان، على حد سواء، وجود علاقة مع بعضهما بعضا، يقول صعب إن حزب الله لا يرغب في تقويض تحالفاته الهشة مع الفصائل الأخرى في لبنان. وينتقل إلى القول: "إن الإبقاء على النفي يبقى دائما مهماً... فحزب الله لا يريد تصوير نفسه على أنه مجموعة منخرطة بثقل كبير في الصراع السوري. وهم يحاولون إبقاء الميزان الحساس بين الحفاظ على تحالفاتهم السياسية في الوطن، وبين دعمهم للنظام السوري".
وعلى الرغم من ذلك، يقول تيمور غوكسل، الناطق السابق بلسان قوات "يونيفيل" في لبنان والمستشار الكبير لديها، والأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت، إنه على الرغم من احتفاظهما فعلاً بروابط مع بعضهما بعضا، فإن جماعة المقداد هي كيان منفصل عن حزب الله، وغالباً ما يكون الطرفان في حالة شقاق.
ويقول غوكسل: "اليوم، هناك العديد من أفراد عشيرة آل المقداد في الجيش الوطني والشرطة وحزب الله... وهذه هي الطريقة التي يستديمون من خلالها. وعلى حد علمي، فإن حزب الله يحافظ على علاقات عمل ودية مع كل الجماعات من دون التدخل في حياتها الخاصة، طالما لم تمس مصالح حزب الله بأي تهديدات.. وأنا متأكد من أن حزب الله ليس سعيداً بموجة الاختطافات، نظراً لإدراكه التام بأنه سيتعرض للاتهام جراءها. وأعرف أنهم يحاولون تخفيف وطأتها عبر اتصالات سرية، لكنهم لن يعلنوا الحرب صراحة على جماعة رئيسية، مما قد يسبب انقساماً رئيسياً في أوساط الطائفة الشيعية".
ولا يعتقد غوكسل بأن حزب الله ينطوي على الرغبة في الذهاب بدعمه للأسد إلى الحد الذي يخطف معه سوريين، حتى لو كانوا، كما يظن، من الجيش السوري الحر. ويقول: "لقد كانت عمليات الخطف في البقاع طريقة تقليدية لحل الصراعات، حتى قبل أن يظهر حزب الله على الساحة". ويضيف: "صحيح أن حزب الله يدعم نظام الأسد بقوة لأن مصالحه الحيوية ستتأثر إذا ما استبدل نظام الأسد بنظام غير صديق. ولكن، إلى أي مدى يمكن أن يذهب حزب الله؟ إنه يهتم بوجهات نظر جماهيره الخاصة التي لا تجتمع على كلمة سواء في دعم النظام السوري".
وعند الطلب إليه التعليق، قال عضو حزب الله، النائب في البرلمان اللبناني، علي فياض، إن كل من ينتمي إلى حزب الله تلقى تعليمات صارمة تقضي بعدم التحدث مع أي أطراف في وسائل الإعلام.
وأوردت وكالة "رويترز" يوم الخميس أن عائلة المقداد كانت قد دعت إلى وقف عمليات الاختطاف التي تقوم بها، ونفت أن تكون قد قصدت مطلقاً استهداف رعايا خليجيين. وعلى الرغم من أن أفراد العشيرة أطلقوا سراح 20 سورياً تبين أنهم ليسوا أعضاء في الجيش السوري الحر، ما يزال أفراد العائلة يتمسكون باحتجاز السوريين 20 آخرين، بالإضافة إلى المواطن التركي. ووفق تقرير لصحيفة الديلي ستار اللبنانية، فقد جاء هذا الإعلان في أعقاب نزاع وقع عندما زار علي المقداد، وهو أيضاً عضو في البرلمان اللبناني عن حزب الله وينتمي أيضاً لجماعة المقداد، مقر العشيرة.
ووفق غوكسل، فإن هذا كلام معقول: "عندما تمنع البلدان العربية رعاياها من البقاء في لبنان أو زيارته، فإن أكبر الخاسرين جراء ذلك هم الشيعة الذين يقدمون معظم الخدمات السياحية".
ومع ذلك، يحذر غوكسل من أن موجة عمليات الاختطاف يمكن أن تفضي إلى صراع كبير. ويقول: "إذا قررت القبائل الرئيسية دعم عشيرة آل المقداد، فإننا نتحدث عن 100.000 رجل مسلح. وإذا حدث ذلك، فإنك لن تعود راغباً في البقاء هنا".
تبدو التطورات الأخيرة وأنها تضفي صدقية على هذا السيناريو. فعلى الرغم من أن عشيرة آل المقداد تبدو وأنها خففت وتيرة موجة الاختطاف لديها، فقد شرعت جماعات شيعية أخرى في تبني قضيتها. وقد أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" يوم الخميس الماضي أن أعضاء من قبيلة زعيتر، وهي جماعة شيعية ضخمة أخرى، أعلنوا أنهم كانوا قد اختطفوا أربعة آخرين من الجيش السوري الحر من مستشفيات في منطقة البقاع.
في الأثناء، ووفق صحيفة الديلي ستار، ألمحت تركيا، الراعي الإقليمي للجبش السوري الحر، للبنان بأن أي عنف يرتكب ضد رعاياها سيفضي إلى تداعيات تلحق بالشيعة الذين يعيشون في تركيا. ورددت هذه الأصداء كل من العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وقد تم توجيه هذا التحذير رداً على تهديدات وجهت للرعايا الأتراك من جانب أعضاء في عشيرة آل المقداد. وقال ماهر المقداد، الناطق بلسان الجماعة لوكالة رويترز: "إذا تم قتل حسن (المقداد)، فإن أول رهينة سنقتلها ستكون تركياً".
وفي حادث منفصل، أعلن أعضاء جماعة غير معروفة سابقاً، والتي تدعو نفسها "كتيبة المختار الثقفي" أنهم كانوا قد اختطفوا أيضاً عشرة أعضاء من الجيش السوري الحر يوم الأربعاء.
ومن جهتهم، تظاهر المسلمون السنة في البقاع وقاموا بأعمال شغب يوم الخميس احتجاجاً على عمليات الاختطاف، وأعربوا عن دعمهم للجبش السوري الحر. وذكرت وكالة رويترز أنه تم اختطاف مواطن تركي آخر يوم الجمعة، بينما أصدرت السفارة الأميركية تحذيراً أمنياً لرعاياها في لبنان في اليوم ذاته. كما أعلن أعضاء جماعة المقداد يوم الجمعة أنهم كانوا قد اختطفوا عبد الله الحمصي، الناطق بلسان الجيش السوري الحر.
وعلى الرغم من شهور مضت على جهود يبذلها الساسة اللبنانيون للحيلولة دون امتداد العنف من سورية إلى ما وراء الحدود، فإنه يبدو أن الصراع السوري قد أشعل فتيل التوترات الطائفية في لبنان، والمستعرة أصلاً. وستقرر الأسابيع القليلة التالية إلى أي مدى ستؤثر التطورات في سورية على الجار المتوجس من الحرب.
*باحث في شؤون التحرير في مجلة "فورين بوليسي،" وهو خريج حديث في كلية الصحافة في جامعة كولومبيا.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Lebanon's growing Syria crisis

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق