ما الذي يجب على الولايات المتحدة فعله في سورية ؟

تم نشره في الأحد 19 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً
  • وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تتحدث في مؤتمر لأصدقاء سورية - (أرشيفية)

زلماي خليل زادة - (الواشنطن بوست) 8/8/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تتوافر الولايات المتحدة على نافذة تمكنها من تسهيل انتقال منظم في سورية من دون نشر قوات عسكرية. لكن النافذة آخذة في الضيق -وستحتاج إدارة أوباما إلى إضفاء تعديل على استراتيجيتها السياسية حتى تنجح.
دبلوماسياً، ركزت الإدارة على انخراط مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، وعلى أصدقاء سورية، وهي مجموعة من ابتكار فرنسي تضم 88 دولة مشاركة، وسبع تنظيمات دولية، ومراقب (الفاتيكان). لكن مجلس الأمن ظل يراوح في حالة جمود بسبب تكرار "الفيتو" الروسي والصيني، فضلاً عن أن أصدقاء سورية يظلون غير مرنين إزاء التوصل إلى اتفاقية حول الإجراءات العملية التي سيكون من شأنها تغيير الظروف على الأرض.
عسكرياً، يطيل قرار الإدارة تقديم مساعدات غير حاسمة للمعارضة السورية، من أمد الاتجاهات غير المحبذة في أرض المعارك. وبينما أعاقت المكاسب التي حققتها المعارضة احتمال تحقيق الرئيس بشار الأسد النصر، تبقى المعارضة ضعيفة جداً بحيث لا تقوى على وضع حد للصراع وحسمه. وبالإضافة إلى مفاقمة الخسائر البشرية، تزيد الحرب الأهلية من أرجحية تشظي مؤسسات الدولة، وكذلك من أرجحية استخدام أسلحة الدمار الشامل أو أيلولة هذه الأسلحة إلى الأيدي الخطأ، ومن أن يتقدم المتطرفون -مثل الإسلاميين المتشددين الراديكاليين- ومن أن سفك الدماء الإثني والطائفي سيستمر بعد سقوط نظام الأسد.
وهكذا، ومن أجل تسهيل انتقال منظم للسلطة من دون نشر قوات عسكرية على الأرض، يجب على الولايات المتحدة عمل خمسة أشياء:
أولاً، استقطاب وتأسيس جسم تمكن عنونته، "ائتلاف من له صلة": مجموعة مختارة من البلدان ذات التفكير المتشابه التي تتوافر على وسائل ضغط وتأثير ونفوذ مغزى في سورية. وبينما تستمر في إشراك الأمم المتحدة وأصدقاء سورية والناتو، يجب على واشنطن التركيز على دمج وتنسيق الجهود مع تركيا والعربية السعودية والأردن وقطر وبلدان الخليج الأخرى، بالإضافة إلى بريطانيا وفرنسا.
ثانياً، يجب على الرئيس أوباما تعيين مبعوث خاص للعمل مع الائتلاف من أجل تنظيم المعارضة السورية في جبهة واسعة القاعدة، والتي توفر عربة لانتقال مستقر وتجتذب الدعم من السوريين المتوجسين من تغيير النظام والعناصر المتعاونة مع نظام الأسد. وثمة احتمال بأن تعم الفوضى العارمة سوية مصحوبة بسفك الدماء على الغرار العراقي -وبحيث تتحول معهما الأقلية العلوية في سورية والخائفة من فقدان موقعها المميز، إلى حركة تمرد، بينما يسعى السنة، الذين يحوزون السلطة بعد عقود من القمع، إلى الانتقام من العلويين.
ولم تكن القوى الإقليمية قادرة حتى الآن على توحيد المعارضة أو تعريف القادة الموثوق فيهم، والذين يتمتعون بدعم وطني واسع. ويتكون المجلس الوطني السوري، وبشكل غير متكافئ، من منفيين وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، والذين لم يجر اختبار اتباعهم في صفوف السوريين والتزاماتهم المعلنة نحو خلق سورية شمولية. ويبقى الجيش السوري الحر متناغماً أكثر مع الوقائع على الأرض، لكنه يظل من غير الواضح مدى توحد تلك المجموعة فعلياً، وما إذا كانت هذه القوة شبه العسكرية قادرة على التحكم بالمسؤولية متى ما تم وضع حد للقتال. وفي الأثناء، يضعف ولاء الأكراد للدولة السورية، كما أن الجيش الذي يهيمن عليه العلويون، يظل موسوماً بالولاء طويل الأمد لعائلة الأسد الحاكمة.
وبينما يجب أن يكون التعزيز الديمقراطي هو الهدف المرشد والدليل الأخير، فإن واشنطن قد تجد نفسها أمام خيارات يصعب هضمها على المدى القصير، مثل قيام حرب إثنية أو طائفية، أو انقلاب ينفذه ضباط عسكريون يرغبون في التوصل إلى تفاهم مع المعارضة، ومن ثم إصلاح الدولة. ومن أجل خفض احتمال اندلاع حرب أهلية في سورية، يجب على الإدارة الأميركية أن تعمل مع العناصر المعتدلة، حتى تروق هذه العناصر للعلويين والأكراد والمسيحيين وغيرها من الأقليات في سورية، وهو ما سيزيد من كسر قاعدة دعم النظام. كما يجب على أميركا السعي لحشد هذه القوى حول مبادئ الديمقراطية والتعددية والحكم اللامركزي، واحترام الحقوق العالمية وحقوق الإنسان. ومن خلال العمل مع المعارضة، يجب على الولايات المتحدة أن تشجع وقوع انقلاب عسكري يكون محطة طريق نحو الديمقراطية التامة بينما يتم الحفاظ على المؤسسات الرئيسية للدولة. وإذا ما وقع مثل هذا الانقلاب، فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تصر على وجوب التزام المنشقين بإصلاح الوزارات الرئيسية، وتسهيل الانتقال باتجاه الديمقراطية. ثالثاً، يجب على واشنطن إنهاء الانقسام الواضح في العمل، والذي يعطي القوى الإقليمية الدور القيادي في تسليح المعارضة. وتحتاج الولايات المتحدة إلى مقعد على الطاولة. ويوفر الدعم العسكري وسيلة التأثير الضرورية لتأسيس وتأطير جبهة موحدة سياسياً. ومن شأن الانخراط الأميركي المباشر أن يحسن من احتمالية توزيع الأسلحة على السوريين الذين يتبنون نظاماً معتدلاً وشمولياً، والذي يكون قادراً على نقل ميزان القوى ليذهب بعيداً عن المجموعات الطائفية والإسلامية.
رابعاً، ومع تغير الظروف، يجب على واشنطن السعي للتوصل إلى تفاهم مع روسيا. فقد استطاعت روسيا وإيران حشد الكثير من المجتمع السوري لجهة عدم دعم الأسد، ملحقتين الضرر بمصالحهما على المدى البعيد في سورية. ومع ذلك، سيكون بوسعهما استيعاب انتقال منظم فقط في حال أصبح واضحاً أن سقوط الأسد أصبح وشيكاً، وأن الدعم غير المؤهل للأسد والأطراف الأخرى غير القابلة للتفاهم ما هو إلا استراتيجية خاسرة. ويجب على الائتلاف أن يخفف من تصلب سياسة روسيا، عبر تطمين موسكو بأن مصالحها الاستراتيجية المحورية ومصالحها التجارية ستصان في سورية الجديدة. وفي المقابل، يجب التوقع من روسيا الامتناع عن اللجوء إلى استخدام حق النقض "الفيتو" ضد قرارات مجلس الأمن المدعومة من الولايات المتحدة، ووقف كافة أشكال الدعم لنظام الأسد، والضغط على بشار الأسد في سورية.
وسيكون من الأكثر صعوبة خطب ود إيران التي تعد الداعم الرئيسي للأسد. وفي ضوء الضربة الارتدادية ضد حلفاء النظام وإخوته في الطائفة، قد تنتقل طهران نحو سياسة المساقين: التخلي عن الأسد، والانخراط مع المعارضة ودعم الانتقال السياسي، بينما تقدم المساعدة لبقايا نظام الأسد. وتلعب إيران لعبة مماثلة في عموم المنطقة. وسيترك تعزيز انتقال سياسي يتمتع بدعم سوري عريض طهران مع خيار ضئيل غير استيعاب النظام الجديد، أو توتير العلاقات مع حكومة تترنح أصلاً من عقود من الدعم الإيراني لنظام الأسد.
خامساً، يجب على واشنطن أن تكون منفتحة أمام أي دور نشط للأمم المتحدة في وضع اللمسات الأخيرة على خريطة طريق انتقالية، متى ما تهيأت الظروف الخاصة بإقامة نظام جديد. وقد لعبت الأمم المتحدة هذا الدور في أفغانستان ما بعد طالبان، من بين أماكن أخرى، حيث لعب مبعوثو الأمم المتحدة دور العامل المساعد في تأسيس قواعد نظام انتقالي مؤقت، وفي صوغ دستور وفي عقد انتخابات.
لقد حان الوقت لانخراط أميركي أكبر في سورية. ومن خلال تشكيل ائتلاف "من له صلة" تستطيع واشنطن تسهيل عملية الانتقال السياسي التي تضع حداً لسفك الدماء وتمنع سلسلة من الأزمات -بدءاً من الإرهاب إلى انتشار أسلحة الدمار الشامل- وترسي ركائز العمل لنشوء سورية مستقرة وديمقراطية.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: ? What the US. Should do in Syria

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق