المفارقة السورية: النظام يصبح أقوى حتى بينما تفلت قبضته

تم نشره في الثلاثاء 7 آب / أغسطس 2012. 02:00 صباحاً

توني رازون - (مجلة تايم)
 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تقليدياً، تشخص تقارير الأخبار الثورة السورية على أنها ابنة 16 أو 17 شهراً. وهي واحدة من تلك التوصيفيات التي يتم الإلقاء بها جزافاً بينما تسرد أخبار اليوم: معركة حلب ما تزال رحاها تدور في يومها السادس، مهددة بتفجر أزمة إنسانية كبيرة؛ شريط فيديو جديد يظهر ثواراً وهم يقومون بإعدام أسرى غير مسلحين؛ الرئيس بشار الأسد يحث قواته على المضي قدماً من خلال رسائل مكتوبة، لكنه يمتنع عن الظهور في العلن... وهكذا. لكن مجموعة الأزمات الدولية، التي تمثل مجموعة محترمة من المحللين والوسطاء والدبلوماسيين السابقين، أصدرت يوم الأربعاء الماضي تقريراً يحث معارضي نظام الأسد، السوريين والدوليين على حد سواء، على إيلاء اهتمام أكثر لتداعيات فترة الـ 17 شهراً.
ويقول تقرير المجموعة بأن الأمر لا يقتصر فقط على أن نظام الأسد نجا من هجوم غير مسبوق، لكنه أيضاً لم يعد نظام الأسد الذي كان عشية فبراير (شباط) 2011 -كما أن الثورة التي تتحداه أيضاً ربما تكون قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً عن الانتفاضة التي كانت قد بدأت في العام الماضي. ونتيجة لذلك، فإن الشركاء الذين يتطلعون إلى نهاية الأزمة، في حاجة ماسة إلى بذل نوع من التفكير الذي يذهب فيما وراء التكهن بما إذا كان الأسد سيسلك نفس طريق الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، أو الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أو أي أوتوقراطي آخر سقط خلال الثورة العربية في العام الماضي. إن المسار السوري سيكون مختلفاً جداً.
ربما يكون الأمر الأكثر أهمية والأقل تقديراً، هو ما حصل مع الوقت للنظام. فذلك النظام الذي وجد مع بداية الصراع، ما كان له أن ينجو تقريباً من القتل الاستثنائي لكبار مسؤوليه في قلب حصنه التقليدي؛ والقتال الدائر في شوارع دمشق وحلب وسلسلة البلدات الأخرى؛ وخسارة نقاط عبور حدودية مهمة مع تركيا والعراق؛ وكل ذلك وسط دمار اقتصادي شبه كامل مقرون بازدراء دبلوماسي. أنه، بعد عام ونصف العام، لم يصمد تجليه الجديد في وجه تلك الضربات وحسب، لكنه يرد بقوة مرسلاً رسالة جديرة بالتأمل.
وتحذر الرسالة من أن نظام الأسد آخذ في التحول إلى شيء أقل من حكومة وأكثر شبهاً بمليشيا فصائلية مشتبكة في قتال يزداد وحشية من أجل استدامته الجمعية، معولاً على طائفة علوية ترى أن انتصار الثوار على أنه ليس أقل من تهديد وجودي لبقائها نفسه.
"إن النظام يتحوّر بطرق تجعله منيعاً أمام النكسات السياسية والعسكرية، وغير مبالٍ بالضغوطات، وغير قادر على التفاوض،"كما تحذر مجموعة الأزمات، التي تقول أيضاً: "إن مكاسب المعارضة ترعب العلويين الذين يقفون بحزم أشد إلى جانب النظام. كما تقوي حالات الانشقاق صفوف أولئك الذين يظلون موالين. ومن الممكن التغاضي عن الخسائر في الأرض لغاية التركيز على المناطق الجغرافية "المفيدة" وتسمح العقوبات بنشأة اقتصاد عنف، والذي تضمن فيه عمليات السلب والنهب والسرقات والتهريب الاكتفاء الذاتي، والتي لا يكون للإجراءات العقابية عليها أي تأثير فعلي. أما أن النظام قد أضعف، فهي حقيقة لا يمكن إنكارها. لكنه أضعف بطرق من شأنها أن تزيد كثيراً من قوته الباقية.
كانت حملة الثوار في حلب، وفق بعض حسابات الثوار، محاولة لخلق "ملاذ آمن" يحيط بأكبر مدينة سورية ومركزها التجاري، ويمتد على طول الطريق إلى الحدود التركية. ومن شأن ذلك أن لا يقتصر على السماح بجلب الأسلحة بشكل أكثر حرية من تركيا وحسب، وإنما سيخلق رأس جسر ساحلياً يستطيع الثوار معه الإعلان عن قيام سلطة سياسية بديلة، والتي يمكن أن تعترف بها القوى الخارجية بعد ذلك على أنها الحكومة الشرعية في سورية. ومن الواضح أن الداعمين الأجانب كانوا يأملون في الوصول إلى تلك المحصلة -حتى إن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تنبأت في الأسبوع الماضي بظهور "ملاذ آمن" للقوات المعادية للأسد في سورية- والتي تتشكل وفق الأنموذج الليبي. فهناك في ليبيا، بعد أن فرض الثوار سيطرتهم على مدينة بنغازي الشرقية وأعلنوا قيام حكومة بديلة، تدخل الناتو ظاهرياً لحمايتهم من الضربة، ثم شن حملة جوية هجومية لإسقاط القذافي. ومن المؤكد أن ظهور منطقة يسيطر عليها الثوار في سورية سيرفع من وتيرة الضغط على الحكومات الغربية، لتقديم دعم عسكري مباشر للدفاع عنها.
لكن تلك المحصلة لا تبدو مرجحة حتى الآن. ليس لأن مجموعات ثوار سورية العسكريين والسياسيين متشعبون ومنقسمون أكثر بكثير مما كان عليه نظراؤهم الليبيون فقط. ولكن لأن مدينة حلب نفسها تبدو مقسمة بين داعمي الثورة ومعارضيها. وثمة قطاعات ضخمة من المواطنين المدنيين، وخاصة الطبقة الوسطى والسكان الأكثر ثراء، وكذلك الطائفة المسيحية، كلها تعادي تواجد المقاتلين الثوار في مدينتها، على الرغم من أنها ربما تكون معارضة للأسد من الناحية السياسية.
وإذا حدث المتوقع، رأى مزودو الأسلحة الكبار لقوات النظام هذه القوى وهي تتسيد في المعركة الحالية حول حلب، فمن شأن ذلك أن يعزز إحساساً بجمود استراتيجي: النظام غير قادر على إخضاع الثورة وحملها على الاستسلام، كما أنه فقد الكثير من سيطرته على مساحات شاسعة من أرياف سورية لصالح حركة تمرد قادرة على القتال في جبهات كثيرة، لكنها غير قادرة على توجيه ضربة قاضية.
 ربما يكون تطور حركة الاحتجاج التي كانت قد بدأت مبكراً في العام 2011، وأخذت شكل حرب أهلية واسعة النطاق بانخراط لاعبين يتفاوتون بين الولايات المتحدة وتركيا والعربية السعودية وتنظيم القاعدة وبين روسيا وإيران، ربما يكون ذلك قد فعل الأكثر لتقوية محور النظام وتصميمه على القتال حتى النهاية أكثر مما فعله على صعيد خلق هبوط ناعم. وإلى الحد الذي يعتقد فيه العلويون بأن انتصار الثوار سيرسلهم إلى مستقبل قاتم، فإنهم سيحاربون لمنع حدوث ذلك -ومع الدعم الضمني للعديد من الأقليات الأخرى وشرائح من المجتمع التي تشعر بالتهديد من احتمال نصر يحققه الرجال الأشداء، العديد منهم إسلاميون، والذين يحاربون في ظل راية الجيش السوري الحر الفضفاضة. ولا تفعل مشاهد الفيديو التي وزعها الثوار عن الإعدامات الميدانية لمجموعة من الرجال في حلب متهمين بإساءة المعاملة نيابة عن النظام الكثير لتخفيف هذه المخاوف. كما أن التيار الطائفي الذي ينمو تحت السطح بشكل أقوى مع استعار القتال، إنما يصب في مصلحة الأسد. وربما تكون الثورة قد أجبرت النظام على التخلي عن السيطرة على مناطق شاسعة من الأراضي، وحتى عن السيطرة السيادية على بعض نقاط العبور الحدودية السورية، لكنها بفعلها هذا، تكون، إن فعلت شيئاً، قد عززت من تصميم داعمي الأسد المحوريين على مواصلة القتال.
وإذا كان النظام، في الحقيقة، قد صنف نفسه على أنه يتمتع بالحصانة في وجه الرافعين التقليديين لفن إدارة الدولة، فإن الدفع للضغط على روسيا والصين لدعم عقوبات اقتصادية جديدة على النظام سيكون له أثر محدود وحسب. كما أن السعي لمحاولة الهيمنة عسكرياً يضمن في الغالب قتالاً مطولاً.
وليس هناك شيء يمكن توقعه أكثر من نظام توقف بسبب طبيعته المحضة -الذي لم يعد كدولة ممؤسسة ولا كياناً سياسياً أصيلاً- عن أن يكون في موقف التفاوض للتوصل إلى حل وسط والاستجابة لضغوط او استمالات أو تقديم حل قابل للتطبيق. وهذا يعني أن الغطاء الواقي من العمليات الدولية التقليدية، بدءاً من حالات التملق العامة وحتى الإدانة، ومن التهديدات وحتى العقوبات، ليس على وشك أن يؤتي أكله.
قد يعتمد منع سورية من السقوط في حرب أهلية جيلية على قدرة المعارضة السورية على تغيير الدينامية، التي تجعل العلويين يقاتلون لصالح الأسد كما لو كانت حياتهم تعتمد عليه. وستكون عملية إعادة موضعة للثورة وفق شروط شمولية عملية صعبة، خاصة في ضوء مرارة القتال الدائر حتى الآن، والانقسامات بين مختلف الأحزاب. لكنه ما يزال غائباً ذلك البديل الذي يحفظ للعلويين وغيرهم من داعمي النظام مكاناً تحت شمس ما بعد الأسد، ولذلك يسود المشهد القاتم لقتال المدن في سورية، والذي يمكن أن يتواصل لشهور وربما أعوام.

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Syrian Paradox: The regime Gets Stronger, Even as it Loses its Grip

التعليق