"الديمقراطية" والمذبحة في بورما: حمى البحث عن الذهب أهم من حقوق الإنسان

تم نشره في الثلاثاء 31 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

رمزي بارود* – (ذا بالستاين كرونيكل) 18/7/2012

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تلقت أعمال القتل واسعة النطاق في حق مسلمي الروهينجيا في بورما –أو ميانمار- مجرد مرور عابر وفاتر فقط في معظم وسائل الإعلام. فيما هي تحتاج إلى استدراج غضب واسع النطاق وبذل جهود حاسمة من أجل الوقف الفوري لمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي 12 تموز (يوليو)، قالت إذاعة أوروبا الحرة: "قامت طائرات عمودية بورمية بإشعال النار في ثلاثة قوارب تحمل ما يقرب من 50 من مسلمي الروهينجيا الفارين من العنف الطائفي في غرب بورما، في هجوم يعتقد بأنه قتل كل الركاب على متن تلك القوارب".
فلماذا يمكن أن يتجشم أي شخص مخاطر قاتلة من هذا القبيل؟ إن اللاجئين يحاولون الهروب من الموت الوشيك والتعذيب أو الاعتقال على أيدي الأغلبية العرقية من الراخين البوذيين، الذين يتمتعون بدعم كامل من الحكومة البورمية.
إن اهتمام وسائل الإعلام القليل نسبياً بما تسميه "اشتباكات بورما العرقية" ليس بأي حال مؤشراً على أهمية القصة. وقد جاء اشتعال العنف الأخير في أعقاب اغتصاب وقتل امرأة من الراخين يوم 28 أيار (مايو)، على يد ثلاثة رجال من الروهينجيا، كما زُعِم. وقد أثارت الحادثة حركة نادرة من الوحدة بين قطاعات عديدة من المجتمع البورمي؛ بما في ذلك الحكومة وقوات الأمن، وما يسمى بالناشطين والجماعات المؤيدة للديمقراطية.
وكان النوع الأول من النشاطات هو ضرب عشرة من المسلمين الأبرياء حتى الموت. ولم يكن الضحايا، الذين تم جرهم من حافلة وهوجموا من قبل مجموعة تتكون من 300 من الغوغاء البوذيين الأقوياء، لم يكن هؤلاء من الروهينجيا أصلاً، وفقاً لصحيفة بانكوك بوست (22 حزيران-يونيو). وليس كل المسلمين في بورما هم من مجموعة الروهينجيا العرقية. وينحدر بعضهم من المهاجرين الهنود، وبعضهم من أصل صيني، بل إن البعض الآخر منهم ذوو أصول عربية وفارسية مبكرة. وبورما بلد يبلغ عدد سكانه نحو 60 مليون شخص، يشكل المسلمون فيهم ما نسبته 4 % فقط.
وبعيداً عن الأرقام، تواجه الانتهاكات واسعة النطاق ومثيري الشغب والغوغاء تداعيات ضئيلة أو معدومة على أفعالهم. وقد ذكرت وكالة رويترز يوم 4 تموز (يوليو)، نقلاً عن جماعات حقوق الإنسان، أن "الروهينجيا... يواجهون نوعاً من أسوأ أنواع التمييز في العالم". وأشارت مؤسسة حقوق الإنسان "إيكوال رايتس ترست" ومقرها المملكة المتحدة، إلى أن أعمال العنف الأخيرة ليست مجرد نتيجة لاشتباكات عرقية، وإنما تتضمن في الواقع مشاركة نشطة من الحكومة. وأضافت: "منذ 16 حزيران (يونيو) فصاعداً، أصبح الجيش منخرطاً بشكل أنشط في ارتكاب أعمال عنف وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان ضد المسلمين الروهينجيا؛ بما في ذلك عمليات القتل والاعتقالات الجماعية النطاق للرجال والفتيان من الروهينجيا في ولاية راخين الشمالية".
وبالإضافة إلى ذلك، يشارك الأفراد والمجموعات "المؤيدة للديمقراطية" البورميون الذين تمتعوا بحفاوة الحكومات الغربية لاعتراضهم على الطغمة العسكرية في البلاد، يشارك هؤلاء في الحرب ضد الأقليات. وقد ذكرت حنا هندستورم في صحيفة "سيدني مورنينغ هيرالد" يوم 8 تموز (يوليو)، أن إحدى المجموعات المؤيدة للديمقراطية كتبت على موقع تويتر "إن مَن يدعون بالروهينجيا هم كذابون"، بينما قال مستخدم آخر لوسائل الإعلام الاجتماعية: "يجب علينا أن نقتل كل كالار". و"كالار" هي صفة عنصرية تطلق على الناس ذوي البشرة الداكنة من شبه القارة الهندية.
سياسياً، توجد لبورما دائماً سمعة سيئة. وقد عصفت حرب أهلية مستمرة بذلك البلد بعد وقت قصير من استقلاله عن بريطانيا في العام 1948. وكانت الحقبة الاستعمارية مدمرة بشكل استثنائي، حيث كان ذلك البلد يستخدم كساحة حرب للقوى العظمى. وقد ذُبح العديد من البورميين في وضع لم يكن من صنع أيديهم. وفي ظل ظروف عملت فيها القوى الأجنبية على تقسيم البلاد وفقاً لأغراضها الخاصة، فقد كانت الحرب الأهلية التي تلت ذلك متنبأ بها تقريباً. ويفترض أنها انتهت عندما تولى المجلس العسكري السلطة بين الأعوام 1962-2011، لكن العديد من المشاكل الأساسية ما تزال من دون حل.
في تغطية وسائل الإعلام الغربية، يجري تعريف بورما بسعي بعض الأفراد "الأيقونيين" من أجل الديمقراطية، بالإضافة إلى زعيمة المعارضة أونغ سان سو كي. وبما أن الانتخابات التي جرت العام الماضي جلبت حكومة مدنية إلى السلطة، فقد دُفعنا إلى الاعتقاد بأن ثمة نهاية سعيدة الآن في طور التكوين. وقد كتبت صحيفة التلغراف البريطانية: "قامت زعيمة المعارضة البورمية أونغ سان سو كي بأول ظهور برلماني لها يوم الاثنين (9 تموز-يوليو)، صانعة مرحلة جديدة في نضالها المستمر منذ حوالي ربع قرن من أجل جلب الديمقراطية إلى وطنها الذي ظل يهيمن عليه العسكر".
ولكن، وباستثناء مجرد الإعراب عن "القلق" من العنف العرقي، فإن أونغ سان سو كي ما تزال واقفة على الحياد -كما لو أن ذبح "الهنود ذوي البشرة الداكنة" في البلد ليس أمراً ملحاً بقدر وجود تمثيل برلماني لحزبها، الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية في بورما. وقد وجه الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، أكمل الدين إحسان أوغلو، دعوة إلى "السيدة" لأن تفعل شيئاً، أي شيء. وكتب: "كحائزة على جائزة نوبل للسلام، فإننا واثقون من أن الخطوة الأولى في رحلتك نحو إحلال السلام في العالم تبدأ من عتبة بيتك، ويمكنك أن تلعبي دوراً إيجابياً في وضع حد لأعمال العنف التي تعيشها ولاية أراكان. ومع ذلك، "تواصل عصبة أونغ سان سو كي الوطنية من أجل الديمقراطية، بحذر، تجاهل معالجة قضية ساخنة"، وفقاً لما نشرته مجلة "السياسة الخارجية".
وقد جاء الاستهداف العنيف للأقليات البورمية في وقت مثير للاهتمام بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا. فقد تعززت إلى حد كبير حملتهما المؤيدة للديمقراطية عندما وافق المجلس العسكري على توفير إصلاحات شبه ديمقراطية. وقفزت الشركات الغربية التواقة والحريصة على وقف نفوذ الصين القريبة الحصري على الاقتصاد في بورما، كما لو أن واحداً من أكثر الأنظمة القمعية في العالم قام من الموت فجأة وتحول إلى واحة للديمقراطية.
كتب أليكس سبيليوس في صحيفة الغارديان البريطانية: "لقد بدأت حمى البحث عن الذهب في بورما". وأشر على ذلك رفع الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً للحظر المفروض على الاستثمارات الأميركية في البلاد. وحذت بريطانيا حذوه مباشرة؛ حيث تم على عجل افتتاح مكتب تجاري للمملكة المتحدة في رانغون في 11 تموز (يوليو). "الهدف منه هو إقامة روابط مع واحدة من الأسواق الأخيرة غير المستغلة في آسيا، في بلد ينعم بموارد وفيرة من الطاقة المائية والهيدروكربونات والمعادن والأحجار الكريمة والأخشاب، ناهيك عن قوة العمل الرخيصة، والذي يشكل بفضل سنوات من العزلة والعقوبات أرضاً بكراً تقريباً للمستثمرين الأجانب". ومنذ قامت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بزيارتها "التاريخية" إلى بورما في كانون الأول (ديسمبر) 2011، كان أحد المواضيع المتكررة لوسائل الإعلام هو "ثروات بورما" و"السباق على بورما". ولا تجري في الإعلام مناقشة سوى القليل غير ذلك، وبالتأكيد ليس حقوق الأقليات.
مؤخراً، عقدت كلينتون اجتماعا مع الرئيس البورمي ثيين سين، وهو ما يجري وصفه الآن بأنه قصة نجاح أخرى لدبلوماسية الولايات المتحدة. وعلى جدول الأعمال، تطرح مخاوف الولايات المتحدة بشأن "انعدام الشفافية في مناخ الاستثمار في بورما ودور الجيش في الاقتصاد" (حسب "سي إن إن"، 12 تموز- يوليو). ومع ذلك، فإن ثيين سين مذنب بارتكاب خطايا أكبر من ذلك بكثير، لأنه يقدم الخطاب السياسي الخطير الذي قد يؤدي إلى مزيد من القتل، أو حتى إلى عمليات الإبادة الجماعية. وقال الرئيس "الإصلاحي" للأمم المتحدة "إن مخيمات اللاجئين أو الترحيل هي الحل بالنسبة لحوالي مليون من مسلمي الروهينجيا"، بحسب "إيه بي سي أستراليا". وعرض أن يقوم بإبعاد الروهينجيا "إذا كان أي بلد ثالث يمكن أن يقبلهم".
يختبر الروهينجيا حالياً واحدا من أعنف الأحداث في تاريخهم، ولا شك أن معاناتهم هي واحدة من القضايا الأكثر إلحاحاً في أي مكان في العالم. ومع ذلك، تبقى محنتهم غائبة بشكل مثير للريبة عن الأولويات الإقليمية والدولية، أو أنه يتم الغض من شأنها بسبب الدوار الذي أصاب العالم حول "موارد البلد الوافرة من الهيدروكربونات والمعادن والأحجار الكريمة والخشب".
وفي الوقت نفسه، فإن الروهينجيا العزل والذين بلا دولة ما يزالون يعانون ويموتون. وتجري إعادة الذين يسعفهم الحظ بالوصول إلى بنغلاديش إلى بلدهم بالقوة. وباستثناء الصحفيين الشجعان القلائل -غير المبالين بوعد ذلك البلد بـ"الديمقراطية" وغيرها من الخرافات- ينظر معظم الآخرين ببساطة في الاتجاه الآخر ويديرون وجههم عن المذبحة. وينبغي تغيير هذا الموقف المأساوي على الفور إذا كانت حقوق الإنسان تهم في أقل تقدير.

*كاتب عمود دولي، ورئيس تحرير موقع الحكاية الفلسطينية
 PalestineChronicle.com
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 Democracy and Slaughter in Burma: Gold Rush Overrides Human Rights

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق