شاعر أردني يؤكد على ضرورة ألا يطغى الخطاب السياسي المباشر على النص

مؤيد العتيلي: كثير من مبدعينا يعيشون انفصاما بين كتابتهم وواقعهم

تم نشره في الخميس 26 تموز / يوليو 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 26 تموز / يوليو 2012. 02:04 صباحاً
  • الشاعر مؤيد العتيلي -(أرشيفية)

عزيزة علي

عمان- يطرح ديوان الشاعر مؤيد العتيلي الصادر عن دار فضاءات بعنوان "ولكن الفتى حجر"،  تساؤلات كونية ووجودية، مبتعدا فيه الشاعر عن الذات، لاعتقاده أنَّ الكائن البشري ضئيلٌ أمام عبقرية الحياة التي تفرض بالضرورة نزوحا نحو محاولة الفهم لماهيتها من خلال التساؤل الذي يعبر عن الدهشة والحيرة.
ويقول العتيلي في حوار مع "الغد"، وهو نائب رئيس رابطة الكتاب الأردنيين، "هذا لا يعني أن ماهية الكائن البشري قابلة للفهم، فهي بذاتها حالة شديدة التعقيد. وربما كان استعدادها الدائم للتطور يطرح التساؤل الضخم حول ماهية العلاقة بين الكائن البشري وبين الحياة بصفته فاعلا وليس بصفته مادة للفعل"، مشيرا إلى أنه في الحالات التي يتناول فيها الذات، فإنه يتناولها من خلال علاقتها الجدلية بالحياة، وليس من خلال سكونها.
ويؤكد العتيلي صاحب ديوان: "أيّنا عقد المقصلة"، الصادر في العام 1976، أن الكتابة عنده "الأداة التي تمكني من البوح بكل ما يختلج في صدري وعقلي. هي وسيلتي للحوار مع الحياة وعن الحياة بكل تفاصيلها، وبالطبع يشكل الإنسان بصفته الفردية أو الجماعية محورا أساسا في موضوعة الحياة، سواء من حيث معاناته وحيرته الوجودية، أو من حيث معاناته التي تنشأ أصلا بفعل إحساسه بالفردية، والتي تنتج بالضرورة أنانية وحبا للذات يتجلى في محاولاته الدائمة لإخضاع الآخرين والسيطرة عليهم اقتصاديا وفكريا، بهدف تحصين نفسه من أي مخاطر. والسيطرة السياسية هي تجل لذلك. وهي أداة السيطرة".
ويضيف الشاعر "لم تكن الكتابة في يوم من الأيام حالة ترفية بالنسبة لي، وليست وسيلة لتحقيق حضور شخصي يشكل منفذا للوصول إلى غايات شخصية".
ويتابع العتيلي الذي يكتب الرواية إلى جانب الشعر أن "فعل الكتابة شديد التعقيد عندي سواء من حيث الشكل أو المضمون، وهو فعلا أشبه بحالات المخاض والولادة.. فدوامة الفكر ودوامة الإحساس التي تعصف بي أثناء الكتابة تنقلني إلى حالة أشبه ما تكون بالغيبوبة".
ويؤكد أنه أثناء تلك الغيبوبة يفكر في المتلقي وكيف سيقرأ النص لأنه "يكتب له"، مضيفا: "لدي حساسية كبيرة تجاه هذه المسألة سواء من حيث شكل الكتابة أو من حيث اللغة أو المضمون، فمحاورتي للحياة إذ تبدأ من نقطة حواري مع النفس فهي تتجلى في محاورتي مع المحيط الإنساني أولا، ومن ثم تجليات الواقع الموضوعي."
وحول الكتابة للخبة أو لعامة الناس، يرى الشاعر أنها مسألة خاضعة لعدة عوامل، معتبرا أنه من المفترض أن تكون الكتابة فعلا جماهيريا بالضرورة، والفجوة التي تنشأ أحيانا بين الكاتب والمتلقي ليست بالضرورة مطلقة وحتمية.
ويرى أنها تنشأ أحيانا من إشكالية لدى الكاتب نفسه وليس بالضرورة لدى المتلقي، كذلك تنشأ بسبب ظروف عامة تتعلق بقدرة المتلقى على تنمية إحساسه بالكلمة وقناعته بدورها وأهميتها وقدرتها على التعبير عن واقعه، ومن ثم قدرتها على المساهمة في فعل التغيير الذي هو هاجس الإنسان منذ خلق.
ويعتبر صاحب ديوان "بيان خاص"، الصادر في العام 1982، أن الكاتب يجب أن يكون صاحب رؤية، مؤكدا على ضرورة أن تعبر الكتابة عن رؤية الكاتب، وهذه النقطة تحديدا عامل من عوامل فقدان الثقة لدى المتلقين تجاه دور الكلمة.
ويضيف المشكلة الكبرى في الواقع العربي في "الانفصام المتفشي لدي الكثيرين من كتابنا بين ما يكتبون وبين ما هم عليه، هي مأساة الكلمة فعلا"، مؤكدا أنَّ المبدع لن يكون مبدعا إن تعامل مع الكتابة على قاعدة الانفصام.
وينوه إلى أن ديوانه الأخير يحمل من رؤيته الفكرية والأدبية، موضحا "في هذا الديوان أحس أن أكثر من نص يحمل رؤيتي، ويعبِّرُ عنها سواء الوجدانية أو الفكرية أو الوطنية أو السياسية". وتابع "في هذا الديوان كثفتُ إحساسي العميق تجاه ما حدث في مصر وتونس كذلك في الجانب الفكري والجانب الوطني وفي ذكرى المناضلين الشهداء".
وحول الكتاب والفعل السياسي يؤكد العتيلي أنها مسألة ذات أهمية بالغة وتخص العالم العربي أكثر من سواه، فقضية الموقف السياسي تفرض نفسها ليس فقط على الكاتب وإنما على غالبية الناس لأسباب عديدة تتعلق بالمعاناة التي ما يزال يكابدها الإنسان العربي في كل ما يتعلق بمناحي حياته، بدءا بلقمة عيشه، وليس انتهاء بحقوقه على مستوى الذات والمجموع.
ويضيف "لا مجال هنا للخوض في أسباب هذه المكابدة سواء كانت تتعلق بأنظمة الحكم والاستبداد، أو المحاولات الخارجية المحمومة للسيطرة والاستغلال، هذا يعني أن الكاتب بالضرورة أن يكون صاحب موقف مطلوب منه أن يعبر عن موقفه، فهو في مقام الطليعي في مجتمعه مع استثناء الكتاب مروجي الاستبداد والانفلاش".
وينوه الشاعر إلى ضرورة ألا يطغى الخطاب السياسي المباشر على النص، وفي حال طغيانه فإن النص الإبداعي يفقد أهم سمة من سماته وهي جماليته وقدرته على الإدهاش والتغلغل في وجدان المتلقي، ومن ثم سريانه كرؤية للحياة تترسخ بفعل الإدهاش الذي يعني الانجذاب الوجداني.
ويؤكد أنَّ ذلك ما يُميِّزُ الإبداع عن الخطاب السياسي الذي يرتكز على التعبير المباشر عن الموقف دون التفات لجمالية اللغة أو التعبير، بمعنى أوضح لكل كاتب موقفه في الحياة ولا يوجد حياد أبدا، حتى الكاتب المنسلخ عن مجتمعه فهو صاحب موقف والمسألة تتعلق بآلية التعبير عن هذا الموقف وخاصة فيما يتعلق بالنصوص الإبداعية.
ويرى الشاعر أن التناص في النصوص الأدبية ونصه تحديدا يعني أنه لا انفصام في حركة الأدب، وأن الجديد لا بد يحمل من القديم بعض السمات، لذلك كثيرا ما يحدث أن يتقارب نصان حول مسألة ما كتبا في زمنين مختلفين لكنهما بنيا على ذات القاعدة من حيث الإحساس والرؤية.
ويعتقد العتيلي أن تلك المسألة إذا ما وظفت بإحساس حقيقي فهي تحقق التواصل الطبيعي بين النصوص الإبداعية عبر مختلف المراحل، وتضفي إحساسا بالامتداد الزمني لدى المتلقي يجنبه الإحساس بالإنبتات والقطع.
ويؤكد صاحب ديوان "نشيد الذئب"، الذي صدر في العام 1990، انشغاله بالسجال الذي يدور حول قضايا الشعر، موضحا أنه لا يتعلق بالمنتج الإبداعي فقط، بل يمتد ليشمل المفاهيم والمعايير، إذ المطلوب ترسيخ مفاهيم ومعايير ترقى بالمنتج الإبداعي، إضافة إلى أهمية ترسيخ دور المنتج كفاعل في إعادة صياغة الواقع في جانبه الجمالي تحديدا.
ويضيف أن متابعة السجالات والمشاركة مهمة ملازمة للمبدع، وإذا كانت عملية الإبداع ذات خصوصية، فإنها بالضرورة ليست حالة لقيطة بمعنى أنها تحمل جينات الواقع الموضوعي شكلا ومضمونا.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق