التطرف في أوروبا: أنا أقتل، إذن أنا موجود

تم نشره في الاثنين 23 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً
  • محمد مراح، الفرنسي الجزائري الأصل المتهم بتنفيذ أعمال إرهاب وقتل - (أرشيفية)

دومينيك مويزي*

باريس- "يتعين على المرء أن يقاوم الإرهابيين وأسباب الإرهاب بنفس القدر من العزيمة والتصميم". هذا البيان الذي ساغه قبل عشرة أعوام في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، زعماء مختلفون بقدر الاختلاف بين خافيير سولانا، الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلنطي آنذاك، والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، ما يزال صحيحاً الآن في أعقاب موجة القتل الأخيرة التي وقعت في فرنسا كما كان حاله في أي وقت مضى.
وقد تمكنت الدولة الفرنسية من تحديد هوية و"تصفية" الإرهابي في وقت قصير، إلا أن سؤالين رئيسيين ظلا باقيين: هل كان من الواجب إلقاء القبض عليه قبل ذلك بوقت طويل؟ وهل كان من الممكن إلقاء القبض عليه حيا؟ الآن يتعين على الدولة الفرنسية أن تذهب إلى ما هو أبعد من هذا. فقد كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي محقاً حين أطلق على محمد مراح وصف "الوحش". لكن مراح كان وحشاً خلقناه نحن. فقد ولد ونشأ وتعرض للتشويه في فرنسا، تماماً كما كان الإرهابيون الذين هاجموا مترو أنفاق لندن في تموز (يوليو) 2005 من منتجات المجتمع البريطاني.
إنه لأمر حتمي، ليس فقط بالنسبة لفرنسا، بل وأيضاً بالنسبة للعالم أجمع، أن نفهم كيف تسنى لرجل وحيد منعزل أن يتمكن من احتجاز بلد بالكامل رهينة لمدة أسبوع تقريبا. ويبدو أن الوسيلة الوحيدة التي أتيحت لمراح لإيجاد معنى لحياته كانت في قتل الجنود والأطفال اليهود. لقد كان القتل في حالته -وبأكثر الطرق التي يمكن تخيلها وحشية وبرودا- يعني الوجود نفسه.
في أول الأمر، تمنى العديد من الفرنسيين في سرهم أن يكون ما حدث في تولوز وحولها إلى صورة مكررة عن الهجمات التي وقعت في أوسلو وحولها في العام 2011 -أي أن يتبين أن الإرهابي هو نتاج لليمين المتطرف. وقد ادعى مراح بأنه يتصرف باسم الإسلام الأصولي؛ لكن الحقيقة هي أنه كان نتاجاً لطائفة دموية ومنحرفة. فكيف لجانح تافه، وابن فقيد للأمة الفرنسية، أن يقع فريسة لأي شكل من أشكال الكراهية الإرهابية؟
إن جرائم القتل التي وقعت في جنوب غرب فرنسا تعكس ثلاثة عوامل رئيسية. فأولاً، هناك ساحة المعركة في الشرق الأوسط، التي تمتد لتشمل أفغانستان وباكستان. ولم تكن هذه المشاكل السبب المباشر للهجمات، لكنها أيضاً لم تكن مجرد ذريعة لا صلة لها. ذلك أن المشاكل التي تعاني منها هذه المنطقة المتخلفة الغارقة في الظلام تعمل كأداة خطيرة بشكل خاص لتضخيم أصوات الشباب المسلمين المبعدين الذين يشعرون بالوحشة في فرنسا.
وثانيا، تشكل عملية التغريب هذه واقعاً حقيقياً بالنسبة للكثير من مسلمي فرنسا، وهو الواقع الذي تفاقم بسبب الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى مستويات بطالة مرتفعة للغاية بين الشباب -وهذا يلحق أعظم الضرر بالشباب المسلمين بشكل خاص، ويعيق اندماجهم في الجمهورية الفرنسية.
وأخيرا، ربما يأخذ انحراف الهوية في فرنسا الآن بُعداً أشد خطورة. فهل من قبيل المصادفة البحتة أن يختار مراح، وهو من أصول جزائرية، ارتكاب فعلته في اللحظة التي تحتفل فيها فرنسا والجزائر بالذكرى الخمسين لاستقلال الجزائر؟
لعل مراح شعر بأنه ليس فرنسياً ولا جزائرياً. فقد اختار ما اعتبره هوية إسلامية. ولكن ما اختاره كان نسخة منحرفة متطرفة طائفية من الإسلام. وربما ساعدت قضايا شخصية -غياب الأب أو البنية المتماسكة للأسرة- في التعجيل بانحراف هويته. فهو كان يبحث عن نموذج قد يفرض بعض القواعد على حياته، ولم يتمكن من العثور على هذا النموذج إلى أن وجد الإرهاب.
في مواجهة الرعب الذي بثته فعلة مراح، أظهرت الأمة الفرنسية وحدتها. ذلك أن اختيار مراح لجنود مسلمين ومسيحيين فضلاً عن أطفال يهوديين كأهداف لهجومه كان سبباً في تعزيز تضامن البلد الذي أراد له الانقسام. لكن هذه الوحدة غير مستقرة. إذ يتعين على الجمهورية الفرنسية أن تسعى إلى استرداد أكثر عناصرها المفقودة أهمية: الشباب المهمش الهش الذي يعاني من التغريب والذي ينتمي إلى أصول مهاجرة.
لا شك أن هذه المأساة صبت على نحو لا يمكن إنكاره في مصلحة حملة ساركوزي للفوز بولاية ثانية في انتخابات الرئاسة في نيسان (أبريل) الماضي. فقد كان ممسكاً بزمام الأمور وكان تصرفه حاسماً ومسؤولا. وقد تحولت أجندته السياسية، على الأقل لبعض الوقت، باتجاه الأمن، حيث تمتع ساركوزي بميزة بنيوية جعلته يضاهي منافسه الاشتراكي فرانسوا هولاند. ولكن كما قال رئيس الوزراء البريطاني السابق هارولد ويلسون ذات يوم، فإن أسبوعاً واحداً يُعَد وقتاً طويلاً في عالم السياسة.
ولذلك، كان من المحتمل أن يتغير الكثير قبل الجولة الأولى من الانتخابات. ما الذي كان أكثر أهمية بالنسبة للناخبين الفرنسيين عندما أدلوا بأصواتهم؟ هل تحظى المخاوف الاقتصادية بفرصة التغلب على الأجندة الأمنية؟ أم أن بعض العوامل الشخصية قد تهيمن على الخيارات أحياناً، في ظل ردة الفعل التي تلخصت في شعار "أي شخص إلا ساركوزي" من ناحية، والافتقار إلى الثقة في هولاند الذي كانت تعوزه الكاريزمية؟
إن الهجمات الوحشية التي شنها مراح كانت بمثابة تذكِرة مريرة بأن الإرهاب ما يزال يعذب العديد من المجتمعات. ولا بد من تعزيز الأمن، في حين يتطلب الأمر بالضرورة معالجة أسباب الإرهاب. وسوف تكشف الأيام عم إذا كانت تلك النوبة من الإرهاب مجرد حدث مأساوي عارض، أم أنها شكلت نقطة تحول كبرى.


*مؤلف كتاب "الجغرافيا السياسية والعاطفة".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت"، 2012.

التعليق