اليابان تدخل من الباب الكبير بعد 24 عاما من التأجيل

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً
  • العداء التونسي محمد القمودي صاحب الميدالية العربية الوحيدة في طوكيو - (ارشيفية)

نيقوسيا - قصد الاولمبياد الثامن عشر طرفا بعيدا من العالم، فاتجه العام 1964 نحو العاصمة اليابانية طوكيو التي كان مقررا أن تستضيف الألعاب العام 1940 لولا الحرب الصينية-اليابانية التي نزعتها منها، وأعطيت لهلسنكي، وقبل أن يقضي جنون الحرب العالمية الثانية على الصورة الجميلة من المنافسات ويوقد نيران القتل والدمار.
وبدلا من أن يقف الإمبراطور هيروهيتو ليعلن افتتاح اولمبياد 1940، تأجلت كلمته المقتضبة 24 عاما، لتعود طوكيو وتحتضن دورة أقيمت من 10 إلى 24 تشرين الأول(اكتوبر) 1964 هي الأولى في القارة الآسيوية، وجمعت 5140 رياضيا بينهم 683 لاعبة من 94 بلدا، تباروا في 163 مسابقة ضمن 19 لعبة هي: ألعاب القوى والتجذيف وكرة السلة والكانوي والملاكمة والدراجات والمبارزة والفروسية وكرة القدم والجمباز ورفع الأثقال والهوكي على العشب والجودو والمصارعة والسباحة والخماسية الحديثة والكرة الطائرة والرماية واليخوت.
دورة، دخلت إلى جدول مسابقاتها الكرة الطائرة. وفيها، استعادت الولايات المتحدة المركز الأول في ترتيب جدول الميداليات من الاتحاد السوفياتي برصيد 100 ميدالية بينها 36 ذهبية، مقابل 96 ميدالية (30)، وحلت اليابان ثالثة برصيد 29 ميدالية (16).
وكانت الدورة باب الدخول الكبير للدول الأفريقية إلى "العالم الاولمبي" في ضوء استقلال غالبيتها، معززة حجم العالم الثالث، والمحور الجديد في المواجهات والمجابهات بين الشمال والجنوب، حضور انطلق خجولا ولا سيما أن عددا كبيرا من الوافدين الجدد تمثل ببعثات قليلة العدد اقتصر بعضها على شخص واحد.
وحضرت الجزائر وساحل العاج والكاميرون والكونغو برازافيل ومالي والنيجر والسنغال وتانجانيكا وزنزيبار وترينيداد وتوباغو وتشاد ومنغوليا والدومينيكان وماليزيا ونيبال.
و"حرمت" جنوب أفريقيا من الحضور بسبب سياستها العنصرية، وغابت الصين غير المرتاحة للجار الآسيوي الذي استعاد الوقوف على قدميه، وكانت تحضر لتجربتها النووية الأولى. كانت ألعاب طوكيو مناسبة لتضع اليابان في مسرح الأمم، وأرادتها حكومتها فرصة ذهبية للعلاقات العامة ولتظهر مقدرتها وقوتها في التنظيم على رغم تقاليد شعبها وعدم تفاعله وإظهار حماسته، علما أن كل فرد فيه كان معنيا بالألعاب "لأنها واجب وطني"، وبوادر الود والضيافة والتهذيب تجلت في حلة زاهية.
أنفقت اليابان ثلاثة مليارات دولار لتجديد عاصمتها التي دمرت في الحرب العالمية الثانية، وشيدت منشآت تتخطى زمنها من حيث العصرية والمظهر الهندسي غير المألوف، وحمل الشعلة نحو المرجل الكبير لإيقاد نيرانه في افتتاح الألعاب يوشيموري ساكاي (19 عاما) الذي ولد في 6 آب(أغسطس) 1945 يوم إلقاء القاذفة "بي 29" المسماة "اينولا غاي" القنبلة على هيروشيما.
وبفضل شبكة "موندوفيزيون" تابع 600 مليون شخص الدورة، فضلا عن ظهور تقنيات جديدة في التصوير الفوتوغرافي وعدساته والنقل التلفزيوني، واستخدم المضمار الترابي (الصلصال) في ألعاب القوى للمرة الأخيرة، كما راج استعمال الزانة المصنوعة من الألياف الزجاجية.
وطوق العداء التونسي المميز محمد القمودي عنقه بفضية سباق 10 آلاف متر وهي الميدالية العربية الوحيدة في الدورة، وتألق الاميركي بوب هايز في سباق 100 م، وتفوق النيوزيلندي بيتر سنل (25 عاما) في 800 و1500 م، بعدما كان حصد ذهب 800 م في روما، وقرر الاعتزال.
وعاد ذهب الوثب العالي للسوفياتي فاليري برومل حامل الرقم القياسي العالمي (28ر2 م) والمميز بارتقائه إلى الأمام حيث يكون بطنه لجهة العارضة، وهو سجل 18ر2 م وتفوق على الاميركي جون توماس بفارق المحاولات.
وبكت اليابان عندما فاز الهولندي انطون غيسينك "متعلم ألكار" على أيدي مواطنيها، وذلك عندما أسقط أكيو كاميناغا في نهائي الوزن المفتوح للجودو.
ويصف النقاد والمؤرخون الرياضيون "طوكيو 1964" بأنها خلت من المضايقات والمشكلات الجانبية، غير أن الملاكم الأسباني فالنتين لورين أبى إلا أن يثأر بعد إقصائه من نزالات وزن الريشة لارتكابه خروقات غير قانونية في المباراة، فوجه لكمات إلى وجه الحكم المجري جرجي سيرمز.
وفي ضوء هذا التصرف، قرر الاتحاد الدولي للملاكمة وقف الملاكم الأسباني مدى الحياة.
منذ دخولهم "الكبير" الاستاد المكتظ بمائة ألف متفرج، أراد اليابانيون أن يفرضوا وجودهم امة رياضية قوية تساير نظيراتها الدول الصناعية في هذا العالم، لكن الهولندي غيسينغ تماهى في إنجاز غير مألوف بالنسبة لرياضيي بلاده فهو لم يتوج في لعبة شمالية كالتزلج أو التزحلق بل في رياضة "مقدسة" عند "العرق الأصفر" هي الجودو. وفي ألعاب القوى، برز الاميركيون في سباقات "غير مألوفة"، أو تقليدية بالنسبة أليهم لكنهم ظلوا على عهدهم في المسافات القصيرة، وفي مقدمة نجومهم هايز الذي كسر حاجز الثواني العشر في نصف نهائي 100 م مسجلا 9ر9 ث، غير أن الرقم لم يسجل بسبب سرعة الريح. وهو من دون شك النموذج المثالي لعدائي العصر الحديث، لكن من دون "رتوش" أو مقبلات دعائية وحملات علاقات عامة، ولما ترك المضمار احترف الكرة الاميركية في دالاس.
بلغ نهائي سباق 100 م ستة عدائين سود وابيض واحد، وانصب اهتمام الجميع على معرفة الفائز بالمركز الثاني، لان هايز كان لا يمس في هذا الاختصاص. وسجل زمنا مقداره 10 ث، مقابل 2ر10 ث لكل من الكوبي هنريكه فيغويرولا والكندي الأسود هاري جيروم.
واخترق سباق الماراتون مدينة طوكيو الملوثة بغبار الصناعة ودخانها وغازاتها وسمومها، شوارعها وجاداتها سباق الماراثون. وعاد "الجندي الإثيوبي" ابيبي بيكيلا ليجدد فوزه لكنه إنتعل حذاء وسجل رقما مقداره جديدا 2ر11ر12ر2 ساعة. وبات أول من يحتفظ بلقب هذا السباق الصعب، واستقبل في بلاده استقبال الفاتحين قبل أن تصدمه سيارة ويقتل.
وصفق اليابانيون طويلا لمواطنهم كوكيش تشوبورايا الذي كان يلي بيكيلا في الترتيب، غير أن البريطاني بازيل هيتلي تجاوزه في الأمتار الأخيرة، وتقدم عليه إلى المركز الثاني بفارق 3 ثوان فقط.
وأمل اليابانيون مجددا بتتويج في "أم الالعاب "، وصوبوا أنظارهم نحو ايكوكو يودا نجمتهم في سباق 80 حواجز لكنها حلت خامسة في النهائي، في حين كان الذهب من نصيب الألمانية كارين بالزر التي سجلت رقما عالميا (5ر10 ث).
وباتت آن باركر أول بريطانية تحرز ذهبية في ألعاب القوى الاولمبية، إذ توجت بطلة لسباق 800 م وعززت انتصارها برقم عالمي أيضا (1ر01ر2 د)، وسبقتها إلى تقلد الميداليات، مواطنتها ماري راند التي حلت ثانية في الخماسي الحديث.
وسعى الفرنسيون إلى نفض خيبات دورة روما عن كاهلهم، لكنهم ظلوا بعيدا من اعتلاء منصة المركز الأول، حتى أن عداءهم ميشال جازي الشخصية الأكثر شعبية بعد الجنرال شارل ديغول، وحامل ثلاثة أرقام عالمية، أخفق في سباق 5 آلاف م الذي عاد لقبه الى الأميركي روبرت شول. والسبب المباشر لهذا "السقوط" الضغط الكبير على كاهله وسوء التكتيك الميداني ومعاناته من هطل المطر نقطة الضعف التي طالما عرقلت مشاركاته.
وفي السباحة، تبارت كريستين كارون (16 عاما) نجمة الحوض في فرنسا وأوروبا وحاملة الرقم القياسي العالمي في 100 م ظهرا، أمام 20 ألف متفرج وحلت ثانية خلف الأميركية كاتي فيرغسون (7ر7ر1 د رقم عالمي جديد) وأمام الألمانية روث دونكل. وفي العام التالي تغلبت "كي كي" على البطلة الاولمبية في عقر دارها.وفي الختام، أنقذ "الشرف الفرنسي" الفارس جان جونكير اوريولا بطل دورة هلسنكي 1952 في قفز الحواجز، الذي جدد تألقه في الجولة الثانية تحديدا على صهوة "لوتور". فكان محاربا بكل ما للكلمة من معنى.
وضعت الألعاب أوزارها في 24 تشرين الأول(اكتوبر)، ومهد الوداع لاولمبياد مقبل سيحتفل به في مكسيكو. حملت سنواته الأربع حرب فيتنام وتفتق الثورة الطلابية في العالم وربيع براغ ووداع نيكيتا خروتشوف وجون كينيدي.  -(ا ف ب)

التعليق