"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الترمذي، فيه معان عظيمة من جهة، وهو مما يسيء الناسُ فهمَه من جهة أخرى، ولنا عنده وقفات تضبط فهمه وتثري معانيه. وقبل هذا وذاك، أقف عند هذا الحسن الذي تحدث عنه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيء الذي ينبغي للمسلم أن يدركه، لأن الإسلام يريد بالعبد الارتقاء وبلوغ أعلى الدرجات. فرسولنا يدلنا على حسن إسلامنا، قولاً وعملاً، باطناً وظاهرا، فردا وجماعة. هكذا الإسلام بمفومه الشامل، وعلاقاته المختلفة، وتشريعاته المتوازنة، فليس في ديننا إلا ما يرتقي بالإنسان وسعادته دنيا وآخرة، فالشريعة كلها خير، تدرأ المفسدة، وتجلب المصلحة، وتنمي الفكر والعقل، وتبعث على الطمأنينة التي تقود إلى الإبداع في مناحي الحياة الحضارية الأخرى.
فالفهم الإيجابي لهذا الحديث أن النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم يرشد إلى واحدة مما تسهم في حسن إسلامنا وكمال أخلاقنا وتوازن علاقاتنا، وعلاقتنا بالله تعالى؛ أن نترك ما لا يعنينا مما لا فائدة منه، من مسائل الفضول، أو من الأمور التي يجهلها أحدنا، قولاً كان أو فعلاً. فالإسلام يريد الإنسان الجاد والأمة الجادة، حتى إن أيّ علم لا فائدة منه فالخوض فيه عبث ومضيعة للوقت، فمن باب أولى الخوض فيما لا يعني الإنسان في دين أو دنيا أو يضره. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يلفت النظر إلى تقسيم الأمور إلى قسمين: ما يعنيني، وما لا يعنيني. وضابط العناية هنا الفائدة التي ترجع عليّ أو على المسلمين بمجموعهم، فهو فهم لا بد منه ليشعر المسلم بأهميته في مجتمع العطاء والمسؤولية والإيجابية، لا يسير مكبا على وجهه، بل على صراط مستقيم يدرك من خلاله النافع والضار، ما فيه مصلحة وما فيه مفسدة، هذا الاستشعار المبني على فهم ودراية. كل ذلك يريده الإسلام العظيم.
وإذ نتحدث عن هذا الرقي في الحالة التي يريدها الإسلام ابتداء بأن لا يخوض المسلم فيما لا يعنيه مما يظنه مفيدا، فمن باب أولى تحريم أن يمارس أحدنا الفعل المنهي عنه ابتداء. وإننا نبرأ من كل السلوكيات التي تمارس باسم الدين أحيانا، فنظلمه حين نفهمه خطأً، فليس من الإسلام الإفتاء بغير علم أو التكفير أو الثأر أو الخلط بين العمل الصالح والمحرم أو الغلظة على الناس أو الاستهزاء بالأفراد والهيئات أو ظلمهم.. إلخ. كل هذا وغيره قد يتصرف فيه الناس وينسبونه إلى الدين أو الرجولة والشهامة أو العادات والتقاليد. فالذي ينبغي أن يرسخ في الأذهان أن هذا دين، والدين مصدره الوحي، وأن الاجتهاد هو في الفهم والاستنباط، لا في التشريع والاحتيال على الشرع، عندها نتساءل جميعا: أين تصرفاتنا من الإسلام في أبسط معانيه، حيث الاستسلام والخضوع والتسليم المطلق بأن ما في هذا الدين حق: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" (النساء، الآية 65)؟
والجانب السلبي لفهم هذا النص هو في تجنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح عموما بين الناس، والنصيحة الطيبة المطلوبة على المستويات كافة، حين نظن أن هذا تدخلاً في شؤون الناس، فيقول أحدنا عندها: هذا أمر لا يعنيني، ويقنع نفسه بذلك، ويستدل بالحديث خطأ. هنا المشكلة في وضع النص في مكان غير لائق به. وكم سمعنا من أناس لم يتدخلوا إيجابيا في أي مشكلة من المشكلات أو لم يقدموا النصح بحجة هذا الحديث حين يفهمونه خطأ! وربما يستشهد أحدهم في هذا السياق أيضا بقوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" (المائدة، الآية 105)، فلا يكلف نفسه نصيحة أو دعوة، بحجة فهم سقيم يمنعه من إنقاذ الآخرين ما دام هو مؤمن وغيره ضال. فلو كان هذا الفهم هو الصحيح، عندها تكون الطامة. فمعنى الآية أنه بعد دعوتنا للآخرين وبذل النصح على كماله لهم، حينها لا يضرنا ضلالُهم، فقد أدينا الواجب، ولا تذهب أنفسنا عليهم حسرات.
إن من يقرأ حديث السفينة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)، يعلم علما يقينيا أن شؤون المجتمع كله تهمُّه، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها، فالخلل أنّى كان لا بد أن يُستدرك ويعالَج، ولا يجوز السكوت أو غض الطرف عنه. ولو ألقى كل منا المسؤولية على الآخر ولم ينتبه على الأقل إلى وجود من يعالج الخلل، حينها تكون الطامة ويتسع الخرق على الراقع، ويستفحل الخلل. فلا بد من وجود الأمة الواعية المقدرة لحجم الخلل المعالجة له المنتبهة في أمور دينها ودنياها.
وبناء عليه، يهمني كمسلم أن يُحارب الفساد بأشكاله المختلفة إداريا وماليا وأخلاقيا، وأن نعيد فهم الحرية فهي ليست مطلقة في أن يفعل الناس ما يشاؤون، فليست حرية أن نتيح للعابثين أن يلهوا في نواد ليلية أو خمارات أو يلعبوا القمار، أو نسمح بأندية مشبوهة ماسونية أو بمراكز تبشر بغير الإسلام في بلد الإسلام، أو أن نترك الرقابة على شبكة الإنترنت أو لا نعاقب المستهزئ بحياة الناس في الشارع أو في إطلاق الأعيرة النارية أو الإزعاج في الأفراح أو حتى إيذاء البيئة، وقد حثنا الإسلام على إماطة الأذى عن الطريق. هذا وغيره كثير مما ينبغي على الدولة ابتداء أن تشرّع ما يمنعه وتتابعه وتراعي الشريعة فيه، فديننا لا يعارض المصالح حين نحيّده ونعزله ونؤمن بمقولات العلمانيين ومناهجهم، والدين ليس مرتبطا بجماعات أو أحزاب، بل بالله تعالى خالق الإنسان والخبير باحتياجاته.
من حسن إسلامي ترك ما لا يعنيني من فضول القول والعمل، أما ما به عزة المسلمين ودفع الباطل والشر، فهي من أهم واجباتي، بها يتميز المصلح عن غيره، والغيور على دينه وأمته من غيره، والإيجابي من السلبي، وهذا زمان النهضة والصحوة والتجديد، لا مكان فيه للضعفاء والمتقاعسين. فلنثبت بأفعالنا الإيجابية أننا أمة الحضارة والمسؤولية، خالصة نوايانا لله، صائبة أفعالنا على هدي الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


*عميد كلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكراً لك استاذي (هلال الشمري)

    الخميس 19 تموز / يوليو 2012.
    حينما يكون الكاتب ذا باعٍ بالكتابة فإنه يحاكي العقول والقلوب معاً لذا جميع مايكتب يصب في موضعه الصحيح ويعقله الأصحاء ..
    أستاذي هنيئاً لقلمٍ سار بين أناملكِ الذهبيه لينسج لنا روائع الكلم .
    جزيت الجنان على هذا المقال الطيّب أيها الطيّب ..
    ولك أزكى تحيّه