الانتخابات التشريعية والرئاسية في مصر لم تفد بشيء

تم نشره في الأربعاء 4 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

طارق رمضان* - (لوموند) 29/6/2012

ترجمة: مدني قصري

ما يزال الارتباك يسود مصر. وكانت التعبئة الشعبية العامة التي أُطلقت في يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2011، قد أتاحت خلْع الرئيس حسني مبارك، وتقويض نظامه الدكتاتوري. وكان التفاؤل هو السائد في كل مكان: "الربيع العربي" رأى النور، و"الثورة" واصلت سيرها، والشعب كان على حق في خلع الديكتاتور، وهو قد بدأ مسيرته نحو الحرية. أما الأصوات الحذرة التي دعت إلى تحليل معطيات المعادلة السياسية والإقليمية، فقد تعرضت للانتقاد وفقدت حظوتها بسبب استسلامها لتشاؤم خطير، ومتواطئ مع مصالح الغرب الخفية.
والأخطر من كل ذلك، على حد قول البعض، إن هذه الأصوات قد أظهرت شكاً مثيرا للقلق إزاء الشعوب العربية وقدرتها على التحرر من نير مزدوج من الدكتاتوريات، ومما تمليه القوى العظمى على السواء. وقالت الأصوات المقابلة إن المصريين والتونسيين، ومثلهم اليمنيين، قد حرروا أنفسهم بأنفسهم وقرروا أن يحدّدوا مصيرهم بأيديهم. أما التشكيك في ذلك، فقد عنى التشكيك في الذات، والتشكيك في قدرة "الكائن العربي"، والتشكيك في الحس التاريخي: وقد عومل التشكيك مُسبقاً على أنه تشكيك "مُذنِب"!
وفي مقالي "الإسلام والصحوة العربية" (صحيفة دو شاتليه، 2011)، كنت قد قدمت بعض التحفظات حول أصل وطبيعة هذه الانتفاضات نفسها. وقد تعرضت للانتقاد في الغرب (حيث اتهمت بإغراء مزعوم بالمؤامرة)، كما تعرضتُ للانتقاد في العالم العربي والإسلامي (بدعوى تعرضي لهذا الإغراء نفسه، وخصوصا باتهامي بعدم الثقة في شجاعة الشعوب العربية).
لكن الوضع في مصر يفرض علينا تجاوز التفاؤل العاطفي الذي ساد في الشهور الأولى، من أجل العودة إلى دراسة أكثر منطقية وأكثر عقلانية للحقائق والرهانات. وهناك، كان من الواضح منذ بداية الانتفاضة الشعبية أن المؤسسة الوحيدة التي لم تفقد السيطرة على الأوضاع في البلاد هي الجيش. وبعد بعض التردد في البداية، قرر الجيش عدم التدخل، والسماح للشعب بأن يحتج حتى سقوط الدكتاتور.
وقد رافق المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بل وأشرف فيما بعد على كل خطوة من خطوات إعادة بناء المؤسسات: الانتخابات النيابية، واللجنة المكلفة بصياغة الدستور الجديد، وإضفاء الطابع الرسمي على الأحزاب السياسية ومرشحيها إلى الانتخابات الرئاسية، ومحاكمة الرئيس السابق، وما إلى ذلك. ولم يفقد الجيش السيطرة الكاملة على العمليات لحظة واحدة. وكان في كل مرحلة يفرض على ممثلي المجتمع المدني والأحزاب السياسية التشاور معه في شؤون البلاد كافة.
وقد حاور المجلس العسكري مختلف المرشحين، والإخوان المسلمين والسلفيين، وطمأن الأطراف وحدد أيضاً حيثيات الاتفاق الممكن الوصول إليه مع المؤسسة العسكرية. ولا بد من التذكير هنا بأن المؤسسة العسكرية ليست مجرد "القوة المسلحة" في مصر وحسب، وإنما تمثل أيضا تلك السلطة المالية التي تمتلك مصالح قوية في العديد من قطاعات الاقتصاد المصري.
ومنذ بضعة أسابيع تسارعت الأمور، وما كان متوقّعاً في الكواليس بات واقعاً واضحاً وجلياً، وبصورة ملائمة ومحسوبة. فقد حُكم على اللجنة المكلفة بصياغة الدستور بعدم دستوريتها، وتقرر تعطيلها. وعوقب محمد حسني مبارك، الطاعن في السن والعليل، وتمت تبرئة نجليه قبل أيام قليلة من عقد الجولة الأولى من الانتخابات التي كرست الانتصار القصير لجماعة الإخوان المسلمين.
ويستحيل من الناحية الفعلية الطعن في شفافية العملية الانتخابية. فبين الجولتين، كان البرلمانُ هو الذي حُلّ (بسبب مخالفاته، كما يقال)، وجرى تقليص صلاحيات الرئيس الجديد بشكل كبير (السلطة الحقيقية صاحبة القرار انتقلت إلى السلطة العسكرية).
وفيما أعلن كل من المرشحين انتصاره، تأجل الإعلان عن النتائج. وأخيراً أعلن فوزُ محمد مرسي في "انتخابات ديمقراطية تاريخية". أما الأسس المؤسساتية والقانونية لهذه الانتخابات، فقد تلاشت تحت رحمة هذه القرارات: فالرئيس المنتخب سيمارس السلطة من دون سلطة، وسيُكافأ بسلطة رمزية من دون سلطة.
ولم يتردد المسؤولون في الجيش في الإعلان عن أن هذه الانتخابات إنما هي انتخاباتٌ مؤقتة، وأنه لا بد من العودة إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى عندما تتم استعادة الدستور والبرلمان، في فترة مدتها ستة أشهر. بل ويشاع أيضاً أن منصب رئيس الوزراء قد جرى التفاوض حوله مع ظهور محتمل، ومناسب للغاية، لمحمد البرادعي الذي عوّلت عليه الإدارة الأميركية كثيراً. وإذن، كان كل ذلك مجرد انتخابات من أجل لا شيء، في النهاية! اللهم إلا إذا كان الأمر يرتبط بما يلزم الجيش من وقت ضروري لكي يستعيد سيطرته على الأمور مرة أخرى، بعد أن يكون قد أفقد الأحزاب السياسية مصداقيتها. وقد ارتكب الإخوان المسلمون سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية التي جعلتهم يفقدون جزءاً من شعبيتهم، ناهيك أن التحديات باتت معقدة للغاية. أما السلفيون، فهم فزّاعة مفيدة (كما هو الحال في تونس). وأما بقية القوى السياسية الأخرى فهي تعيش في الفوضى، بل إنها منقسمة على نفسها انقساما مخيفاً.
وعلاوة على ذلك، علينا أن نذكّر بالمصالح القوية التي ظلت تربط الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي بالتسلسل الهرمي للجيش المصري على مدى عقود طويلة. وهكذا، فإن الوضع في مصر يظل مثيراً للقلق إلى حد كبير، مثلما هو مثير للقلق أيضاً في سورية، وليبيا، واليمن، والبحرين، وإلى حد أقل في بلدان أخرى. فأين ذهب "الربيع العربي" إذن؟ إن الثورة الحقيقية الوحيدة التي تحققت هي "الثورة الفكرية": لقد أصحبت الشعوب تعي تماما أنها تستطيع أن تصبح سيدة مصيرها، وأنها قادرة على أن تطيح بالطغاة من دون اللجوء إلى العنف. وهذا ليس بالشيء القليل في حياة الشعوب، وهو حقاً شرط الثورات الاجتماعية والسياسية التي نطالب بها.
وعندما تبدو القوى العظمى وكأنها متفقة على عدم التوصل إلى اتفاق بشأن سورية، وعندما يدعي الحلفاء السابقون للحكام المستبدين بأنهم أعظم أصدقاء الشعوب والديمقراطية، وعندما لا يكون أي شيء قد تحقق حتى الآن على أرض الواقع السياسي، فإنه سيتعين عندئذ على الشعوب الثائرة أن لا تستسلم، وأن تسعى من أجل الوصول إلى اتفاق حول أولويات المقاومة الديمقراطية، بتفادي الوقوع في فخ العنف الأعمى (الذي قد يشجع عليه الجيش المصري في وقت من الأوقات لكي يبرر العودة إلى فرض قبضته على البلاد مرة أخرى).
لقد انبثقت قوة الحركات الثورية عن وحدتها القوية ضد الطغاة: أما ضعفها فهو ناتج عن عدم وجود قيادة قادرة على رسم معالم رؤية مشتركة للمستقبل. ويجب أن تنشأ التعبئة الوطنية في قلب الديناميات الإقليمية، وفي قلب علاقات اقتصادية قوية جنوب-جنوب، مع الاستفادة من علاقات القوة الجديدة للنظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب.
إذا كانت طاقة الانتفاضات تسعى لأن تتحول إلى قوة ثورية، فإن من الضروري أن تقول الأصوات التي نسمعها في ميدان التحرير الآن أكثر من تطلعها إلى نهاية نظام مستبد؛ إذ عليها أن تحدد بصورة أكثر استبصاراً وجلاء نوع الأولويات الوطنية والإقليمية التي تحملها في طيات مقاومتها. إن التعبئة الشعبية ضرورية، لكن المشروع الثوري يبقى في حاجة إلى إعداد وبلورة.

*طارق رمضان، أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في كلية سانت أنطونيو في أكسفورد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:: Les élections législatives et présidentielle égyptiennes n'ont servi à rien

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق