إخفاقات أوباما في مقاربة الشرق الأوسط

تم نشره في الاثنين 2 تموز / يوليو 2012. 03:00 صباحاً

زكي العايدي*
باريس- لم يمر وقت يعتد منذ رَحَّب الرئيس الأميركي باراك أوباما بالقوات الأميركية العائدة من العراق، وأثنى على الاستقرار والديمقراطية في ذلك البلد، قبل أن تندلع موجة غير مسبوقة من العنف -في مختلف أنحاء بغداد ومناطق أخرى- الأمر الذي كشف عن مدى خطورة الأزمة السياسية القائمة في العراق. ولكن، هل نستطيع أن نعتبر هذه الأزمة مجرد استثناء مؤسف، أم أنها عَرَض من أعراض فشل دبلوماسية أوباما في الشرق الأوسط، من مصر إلى أفغانستان؟
عندما تولى أوباما مهام منصبه، حَدَّد أربعة أهداف يرغب إنجازها في الشرق الأوسط: تحقيق الاستقرار في العراق قبل رحيل القوات الأميركية؛ والانسحاب من أفغانستان من موقع القوة وعلى أساس الحد الأدنى من التقارب مع باكستان؛ وتحقيق إنجاز أكبر غير مسبوق في عملية السلام في الشرق الأوسط من خلال حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تجميد توسيع المستوطنات؛ وفتح الحوار مع إيران حول مستقبل برنامجها النووي. لكن من الواضح أن أوباما لم يحقق في أي من هذه القضايا الكبرى إلا أقل القليل من الإنجاز.
فيما يتعلق بالعراق، كانت الولايات المتحدة منذ رئاسة جورج دبليو بوش تبذل قصارى جهدها لممارسة قدر ملطف من التأثير على قوة الشيعة، حتى يتسنى للبلاد أن تنشئ نظاماً سياسياً أكثر شمولاً -على وجه التحديد، من خلال تمرير قانون جديد يضبط تقاسم عائدات تصدير النفط بين الشيعة والسُنّة والأكراد. لكن المؤسف هو أن ما حدث كان العكس تماما.
فقد شرعت كردستان في سلوك طريقها الخاص نحو الاستقلال باطراد، في حين أصبح السُنّة أكثر تهميشاً من قِبَل الحكومة المركزية الطائفية السلطوية التي يهيمن عليها الشيعة. وهذا من شأنه أن يؤثر على توازن القوى الإقليمية؛ لأن العراق يتقرب الآن من إيران من أجل موازنة نفوذ تركيا التي يُعتَقَد بأنها تحمي السُّنّة.
وقد كشف التعليق الذي ألقاه نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي أثناء رحلته الأخيرة إلى واشنطن، عن كونه أكثر قلقاً إزاء تركيا مقارنة بقلقه من إيران، وكشف عن الفجوة الهائلة القائمة بين العراق والولايات المتحدة التي تبدو الآن وكأنها فقدت كل نفوذها السياسي المؤثر على الشؤون العراقية. بل وفي تطور مقلق، قررت الولايات المتحدة الامتناع عن لعب ورقتها الأخيرة المتبقية في التعامل مع المالكي: وهي ورقة مبيعات الأسلحة.
الآن، لم يعد هناك أدنى قدر من الشك في أن احتلال العراق كان بمثابة هزيمة استراتيجية هائلة تكبدتها الولايات المتحدة، لأنه لم يسفر إلا عن تعزيز قوة إيران. وهناك رغم ذلك افتقار واضح إلى أي رؤية متوسطة الأمد في التعامل مع خطورة الموقف -وهو الخطأ الذي سوف يكلف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً، إن آجلاً أو عاجلاً.
ولا تخرج التوقعات عن واحد من أمرين: فإما أن يُسفِر إحكام تدابير الاحتواء على إيران من خلال العقوبات المفروضة على صادرات النفط عن نتائج إيجابية، فيؤدي إلى إضعاف إيران، أو أن يفشل الاحتواء فتنجرف الولايات المتحدة نحو خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط. ومن غير المستبعد أن تنظر بعض دوائر السياسة الخارجية في الولايات المتحدة إلى الأزمة العراقية المتفاقمة باعتبارها حجراً مهماً في بناء الحجة المؤيدة للتدخل العسكري الأميركي في إيران.
لكن أوباما ليس شخصاً يَسهُل خداعه. فقد سَجَّل عداء الكونجرس الأميركي تجاه إيران والرغبة في مواجهة الجمهورية الإسلامية عسكرياً، ولكنه يعتقد رغم هذا بأنه قادر على تجنب اللجوء إلى الحلول المتطرفة؛ فبالدبلوماسية من الممكن أن يحدث أي شيء، ولا أحد يستطيع أن يضمن نتائج الخروج بأسوأ السيناريوهات على الإطلاق.
والمشكلة هي أن أوباما يميل بقوة إلى المبالغة في تصوير قدرة أميركا على التأثير على أطراف فاعلة أكثر ضعفاً. وما ينطبق على العراق ينطبق أيضاً على أفغانستان: فبوسع أوباما أن يتفاخر بعملية القضاء على أسامة بن لادن، وهي عملية ناجحة بلا أدنى شك، لكنها فشلت في معالجة أصل المشكلة. فرغم التواجد العسكري لمدة عشر سنوات، ونشر أكثر من مائة ألف جندي بتكاليف بلغت 550 مليار دولار، لم تنجح الولايات المتحدة في إيجاد بديل معقول لطالبان. والأسوأ من ذلك كان انهيار تحالفها السياسي مع باكستان.
الواقع أن العلاقات الأميركية الباكستانية تراجعت إلى مستواها قبل الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، وهو الوقت الذي اتسم بانعدام الثقة العميق بين الطرفين. ومن الواضح أن قادة باكستان يتحملون قدراً عظيماً من المسؤولية عن هذا الوضع، لكن الولايات المتحدة كانت عاجزة عن إشراك باكستان في حل الصراع الأفغاني. ويعكس هذا الفشل ببساطة رفض أميركا إعطاء الباكستانيين ما أرادوه: أو تحويل موازين القوى الإقليمية لصالح باكستان على حساب الهند.
ونتيجة لهذا، جَمَّدَت باكستان التعاون مع الولايات المتحدة؛ لأن زعاماتها لم تعد ترى الكثير من المكاسب المحتملة في محاربة طالبان. ومكمن الخطر هنا هو أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى فرض العقوبات على باكستان من جديد عندما يبدأ الانسحاب الأميركي من أفغانستان -وهي العملية التي تم تقديمها إلى العام المقبل بدلاً من العام 2014. فالباكستان تبقى دولة نووية غير جديرة بالثقة، وقد ترد على السلوك الأميركي بتعزيز علاقاتها مع الصين وتشجيع نشر الإرهاب الإسلامي.
وقد سعى أوباما أيضاً إلى استخدام النفوذ الأميركي لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني كجزء من استراتيجيته في التعامل مع الشرق الأوسط الكبير. وفي مستهل الأمر، تصور أنه قد ينجح في ذلك من خلال ممارسة الضغط على نتنياهو لتجميد بناء المستوطنات في إحياء عملية السلام. ولكن حليفه الذي يدرك مدى أهمية القضية الإسرائيلية بالنسبة للسياسة الداخلية الأميركية كان أكثر منه سرعة وأشد براعة. فمن خلال وضع أوباما في صراع مع بقية المؤسسة الأميركية، نجح نتنياهو في إرغامه على التراجع.
وفي العام 2009، فكر أوباما في تسوية النزاع من خلال الالتزام القوي من جانب المجتمع الدولي. وفي العام 2011، أكَّد أن استعداد الجانبين وحده الكفيل بضمان نتيجة ناجحة. ومن الواضح أن الولايات المتحدة غير قادرة على القيام بالكثير لحل هذا النزاع.
والواقع أنه لا يوجد تفسير واضح شامل لإخفاقات أوباما المتوالية في الشرق الأوسط، لكن هناك بضعة عوامل تستحق النظر: هناك زيادة عدد الصراعات غير المتكافئة، حيث يفتقر الاستخدام التقليدي للقوة إلى الفعالية؛ وحيث تتداخل الخطوط بين صعوبة الحلفاء وتعنت الخصوم؛ وحيث تبرز الخلافات السياسية الكبرى بين رئيس الولايات المتحدة الوسطي والكونغرس الذي تهيمن عليه الأفكار المتطرفة أكثر من أي وقت مضى.
لكن أوباما ذاته يتحمل قدراً عظيماً من المسؤولية. فهو على النقيض مما قد يتصور المرء، لا يملك رؤية استراتيجية حقيقية للعالم -وهي النقيصة التي انعكست في استسلامه السريع في مواجهة المعارضة التي استقبلت بها مقترحاته. ويبدو أن لدى أوباما دوماً خطة أساسية، ولكنه لا يجهز خطة بديلة أبداً. وعندما يتعلق الأمر بالإدارة الناجحة للسياسة الخارجية، فإن الخطة الأساسية لا يمكن أن تكفي وحدها أبداً.
*أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2012.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس اوباما (وليد راغب الخالدي)

    الثلاثاء 3 تموز / يوليو 2012.
    نحن بقضيتنا العادلة، والفتن التي لا تنضب، وبترولنا الذي لا تأكله النيران، مسؤولون وليس اوباما عن الاخفاقات بالشرق الاوسط