هل هناك دولة كردية في الأفق؟

تم نشره في الاثنين 25 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • مرافق نفطية في منطقة كردستان العراق - (أرشيفية)

دانيال برود - (ميدل إيست اونلاين) 7/6/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
بينما يركز الإعلام على المباحثات النووية الإيرانية والحرب في سورية والانتخابات في مصر، تغذ كردستان العراق الخطى نحو إرخاء قبضة بغداد على طموحاتها القومية، وبشكل رئيسي، تأسيس دولة كردية مستقلة.
وما تزال ثمة عوائق عديدة على الطريق، سوية مع الكثير من المعارضين الإقليميين والدوليين، ناهيك عن ذكر مهمة التغلب على شبكة عنكبوتية من الخصوم السياسيين الأكراد. وبينما توجد العديد من مواطن القلق، تعزز وقائع جيولوجية جديدة القضية العراقية الكردية. وتقوم تلك الوقائع التي تجسدت في صفقة خط أنابيب جديد مع تركيا، بتحويل كردستان العراق إلى لاعب نافذ وحاسم في الشرق الأوسط، والذي يمكن القول بأنه يستطيع تحريك الدفع باتجاه الاستقلال الكردي -عاجلاً وليس آجلاً.
 وبينما ينتشر الأكراد الإثنيون في عموم العراق وإيران وسورية وتركيا، نرى أن إخوانهم العراقيين تقدموا أكثر ما يكون على صعيد إنجاز الأهداف الكردية الوطنية. ومنذ العام 2005، أصبحت كردستان العراق منطقة تتمتع بحكم شبه ذاتي، فضلاً عن أنها تتمتع أيضاً بتأمين قواها الخاصة، وهي مستقرة نسبيا وقادرة بشكل متزايد على اتخاذ قرارات سياسة خارجية أحادية الجانب -وهو ما يثير حفيظة بغداد. وبالإضافة إلى ذلك، أسهمت هزيمة التهديد الرئيسي الموجه إليهم، الجيش العراقي على يد الغزاة الأميركيين في العام 2003، وبشكل كبير في بسط السيادة الكردية. وكرس تواجد أميركا المستمر فترة من الاستقرار والنمو الداخليين، بينما مكن انشغال المنطقة في سفك الدم السني الشيعي بلا شفقة، كردستان العراق من خندقة نفسها كلاعب صعب المراس في السياسة العراقية.
ومع أخذ ذلك بعين الاعتبار، يظل موضوع النفط واحداً من العوائق الرئيسية التي تقف في وجه الاستقلال الكردي في العراق. فككيان نامٍ، يعول الأكراد على جارهم العربي الجنوبي لتحويل وشحن الاحتياطيات النفطية المكتشفة حديثا إلى الأسواق الأجنبية. وفي الأثناء، يقوض النزاع العربي الكردي المستمر منذ وقت طويل في داخل العراق اتفاقيات النفط الموجودة حالياً، مفضياً بشكل ملحوظ إلى وقف أخير لكل شحنات النفط من كردستان. ويدرك العراق أن سيطرته على كردستان العراق تكمن، على نحو رئيسي، في السيطرة على البنية التحتية النفطية، وعلى السوق. وبذلك يتمكن من تحديد القدرات الكردية في بيع النفط حسب هواها -وهي خطوة رئيسية باتجاه الاستقلال عن العرب.
ثم في وقت متأخر من الشهر الماضي، ذكر أن أنقرة وأربيل اتفقتا على مد خط أنابيب طاقة من كردستان العراق إلى المصبات التركية، اثنتان منهما أقيمتا من دون الحصول على الموافقة من بغداد. وقد أثارت الخطة حفيظة بغداد، ليس بسبب توقيتها فحسب -نظراً لأن العراق الشيعي ينخرط في نزاع دبلوماسي مع تركيا- وإنما أيضاً بسبب التدخل التركي الغرائبي الهادف في الشؤون الداخلية للعراق. ولولا الأكراد، فإن خطوط الأنابيب تعد افراجاً استراتيجياً، ومن المحتمل أن يخفف من المشكلة طويلة الأمد لاحتكار بغداد تنمية البنية التحتية في كل العراق.
ولا تعد عملية بناء وتأمين خطوط الأنابيب في الشرق الأوسط مهمة يسيرة. ومن هنا، فإن الخطة التركية-الكردية تلمح إلى إيمان أنقرة بقدرة كردستان العراق على تأمين المنطقة وتمكين التدفق المستمر للطاقة من الوفاء بالاحتياجات المتنامية لتركيا. ويعني ذلك أن الأكراد العراقيين ينطوون على توجس من النوايا التركية في ضوء النزاع المستمر بين العراق الشيعي وتركيا السنية، بالإضافة إلى طبيعة أنظمة القوى السياسية في الشرق الأوسط. وإلى تلك النقطة، درج الأكراد على أن يكونوا حجر شطرنج في منطقة تنافس قوي، وبشكل رئيسي بين العراق وإيران وتركيا وسورية -وكلهم يحاربون من أجل صعودهم الجيواستراتيجي الخاص.
وبأخذ ذلك بالاعتبار، تكون التحالفات الكردية غالباً قصيرة الأمد ومستندة إلى الحاجة، ما يعني والحالة هذه أن دفء العلاقات التركية الكردية لا يعني أن تركيا تريد استقلال كردستان العراق. فلدى تركيا نزاعها الكردي العنيف جدا، وهكذا، يكون التعاون بين الأكراد والأتراك على الأرجح مجرد استراتيجية لزيادة نفوذ أنقرة في العراق من خلال الاستفادة من الجمود السياسي الراهن في بغداد، في الوقت الذي توجه فيه ضربة عنيفة لخصمها الإقليمي الجديد، حكومة المالكي المصطفة إيرانياً. وعلى الرغم من ذلك، تقدم لهم خطوط الأنابيب مكاسب رئيسية على شكل بنية تحتية في الطاقة. وهكذا نرى أن الأكراد مسرورين للعب سوية مع تركيا طالما أن شراكتهم تخفف من ضغط قضيتهم الأكثر إلحاحاً -النأي بأنفسهم عن مستنقع الأزمة العراقية.
وفي الأثناء، تتسع رقعة تلك الأزمة في الوقت الذي تضعف فيه قدرة العراق على السيطرة على كيان كردي مستقر ومتجانس إثنياً، ونافذ ويزداد ازدهاراً بازدياد. وتشكل خطوط الأنابيب خطوة مهمة للأمام بالنسبة لأكراد العراق. ومع ذلك، لم يكن بإمكان أكراد العراق الإقدام على أي خطوة لو أنهم لم يرسخوا الأسس التي تيسر هذا التطور. وهذه الأسس ترتكز على مسألتين بشكل رئيسي: الاستقرار داخل كردستان العراق، والعلاقة التي تزداد عدائية باطراد بين العراق وتركيا. وفي المستقبل، سيسعى العراق، بلا شك، إلى الحفاظ على نفوذه على المناطق الشمالية الانفصالية مهما ضغط الأكراد من أجل انتزاع الاستقلال من بغداد - برضا أو من غير رضا.


*محلل استخبارات مع مؤسسة ماكس سيكيوريتي سوليوشنز، وهي مؤسسة استشارات ضد المخاطر الجيوسياسية تتخذ من الشرق الأوسط مقراً لها.
*نشرت هذه المقالة تحت عنوان
 Is a Kurdish State on the Horizon?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق