أوروبا: العلاقة بين الدفاع واليورو

تم نشره في الأحد 24 حزيران / يونيو 2012. 03:00 صباحاً
  • مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل - (أرشيفية)

فديريكو سانتوبنتو*- (لوموند) 2012/6/20
 ترجمة: مدني قصري
لا شك أن أزمة اليورو قد طغت على أزمة أخرى تخيم على القارة العجوز حاليا، وهي أزمة الدفاع الأوروبي. ويرتبط هذان المجالان الأساسيان اللذان يُشغلان الاتحاد الأوروبي ارتباطا وثيقا أحدهما بالآخر، ليس فقط من حيث مصيرهما المشترك ولكن أيضا من حيث طبيعة المشاكل التي تُثقل كاهلهما، وبالتالي من حيث الحلول التي يتطلبها كل منهما.
عندما أنشئت العملة الوحيدة كنا نعلم أنه لم يرافقها إنشاء سياسة اقتصادية متكاملة بما فيه الكفاية. فالذي أنشئ ليس اليورو، بل "نصف يورو". فالنظام المالي العَوْلَمي (نسبة إلى العولمة) الذي يتطلب سرعة الاستجابة، وردودا حازمة من الدول، هو الذي علّمنا فيما بعد أن كل شيء يتحقق عن طريق الشراكة ينبغي أن يقوم على تكامل ملائم بين السياسات المطروحة لإدارته.
لا شك إذن أن أوروبا الدفاعية لا يمكن أن تفلت من قاعدة الحس السليم هذه. فالسياق الجيوسياسي الذي من المفترض أن تعمل أوروبا الدفاعية في داخله لا يختلف كثيرا عن السياق الاقتصادي. فهذا السياق الذي لا يمكن التنبؤ به يقتضي وجود قدرة على اتخاذ القرار الذي ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يتزود به إذا كان يرغب حقا في أن يصبح لاعبا ذا مصداقية على المسرح الدولي. وبالتالي فإن الإرادة التي طالما نودي بها – بحق - من أجل تضافر واقتسام الطاقات العسكرية لدى الدول الأعضاء في الاتحاد يجب أن تكون مصحوبة بالنية الخالصة في تعميق التكامل الأوروبي في قطاع السياسة الخارجية. لأن مثل هذا التكامل لا يمكن أن ينفصل بأي حال عن مجال الدفاع.
ولا شك أن مبادرات التعاون العسكري التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة كان قد خُطط لها بصورة لا تُخِل بالسيادة الوطنية للدول المعنية، إذ أتاحت لهذه الدول الاستمرار في استخدام وسائلها العسكرية الخاصة في استقلالية نسبية. لكنْ هل ستصبح مثل هذه الشراكات التي باتت اليوم شراكات أساسية، كافية لمواجهة حجم التحديات التي ستواجه الدول الأوروبية مستقبلا؟ فلا شك أن هذه التحديات سوف تكون عظيمة وهائلة. ومن هذه التحديات نموّ بطيء، وأزمة مالية تقضم من موازنات الدفاع، وظهور قوى جديدة تعمل على تسليح نفسها: فإذا كان الاتحاد الأوروبي يرغب فعلا في تجنب الوقوع في حالة من التراجع الاستراتيجي، مع احتواء نفقاته العسكرية (وبالتالي الحفاظ على نموذجه الاجتماعي) عليه أن ينتقل آجلا أم عاجلا إلى مستوى من التعاون العسكري أكثر طموحا. وهو ما يدفعه، حتما، إلى الرجوع إلى عملية التكامل الأوروبي.
والحال أن هذا المجال تحديدا هو الذي تتعثر فيها أوروبا الدفاعية. إذ يبدو أن التعاون العسكري قد انحصر الآن في حدود المناقشات الفنية البحتة وفي حدود حجم القدرات المتاحة وحدها، وإلى حدود مشروع ادّخار لا يحمل أي هدف يرمي إلى تكامل سياسي حقيقي. لذلك يجب أن يكون مثال المجموعات التكتيكية بمثابة تحذير في هذا الشأن. فبفضل هذه الوحدات العسكرية الجديدة التي تم إنشاؤها في العام 2007 أصبح الاتحاد الأوروبي يمتلك كتيبتين قد تضمان 1500 رجل، أعدتهما مجموعات من الدول، وتعمل وفقا لتناوب مدته ستة أشهر. لكن هذه المجموعات التكتيكية لم يتم استخدامها حتى الآن، على الرغم من أن فُرص استغلال هذه الأداة الجديدة كانت كثيرة. ففي العام 2008 ، على سبيل المثال، عندما كانت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تناشد الأوروبيين بإرسال قوات للرد السريع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، لم يستجب الاتحاد الأوروبي للنداء ولم يُلبّ الطلب. ولم يكن هذا الرفض قرارا سياسيا حقيقيا في سياق استراتيجية متماسكة بقدر ما كان يُعبر عن غياب القرار.
إن السعي إلى خلق قدرات عسكرية مشتركة من دون طاقات سياسية مشتركة أمرٌ معرّض لأن يكون مجرد مشروع غير مثمر وبلا أي طائل. لذلك ينبغي على التكامل الأوروبي أن يفرض نفسه في قلب النقاش الدائر حول تضافر القوات المسلحة في القارة القديمة. أما تقليص هذا النقاش إلى حدود المناقشة تقنية البحتة فهو يحمل الكثير من المفارقات.
إن مثل هذا التعاون العسكري ليس له من داع لمناقشته في إطار الاتحاد الأوروبي إذا لم يكن لهذا التعاون، بحكم افتقاره لأي هدف استراتيجي مشترك، من هدف آخر غير توفير الأموال وتحقيق الأرباح. فعلى العكس من ذلك فقد تشكل التعقيدات السياسية والإدارية في بروكسل عائقا حقيقيا لفعالية الاتحاد، بالمقارنة مع الطريق الثنائي أو "المحدود الأطراف"، الذي يُعد أكثر مرونة. وهكذا يبدو أن الفرنسيين والبريطانيين قد فهموا ذلك عندما وقّعوا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 اتفاقيات "لانكاستر هاوس" من وراء ظهر بروكسل.
إن القيمة المضافة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها الاتحاد الأوروبي تكمن على العكس من ذلك في المشروع السياسي الذي يجسده، وهو المشروع الذي ينبغي اليوم الانطلاق فيه من جديد. فأزمة اليورو إذن تقدم هنا درسا جديدا لأوروبا الدفاعية. لأن هذا الدفاع لا يمكن إطلاقه بسبع وعشرين دولة. فالنداءات القادمة من ألمانيا لخلق نواة من البلدان الأوروبية الأكثر اندماجا، والتي ينبغي على فرنسا أن تستجيب لها، نداءات لا ينبغي أن تظل منحصرة داخل الدائرة الاقتصادية وحدها.
إن سيناريو أوروبا ذات السرعتين الذي يأتي ذكره في كثير من الأحيان في المجال العسكري سيناريو يثير الخشية أيضا. فهو في الواقع يهدد القارة الأوروبية بالانقسام أكثر ممّا يبشرها بالوحدة. وهذا بلا أي شك أمر صحيح. لكنّ الإصلاحات الرئيسية التي طبعت التاريخ نادرا ما كانت تتحقق بالإجماع. فكرة التطور ضمن سياق من الوفاق الكامل، واليد في اليد، مع تفادي الصراع السياسي مرة أخرى، هي التي قد تدفع أوروبا في النهاية إلى طريق مسدود.


*باحث في مجموعة الإعلام والبحث حول السلام والأمن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Ce que le "demi-euro" enseigne à l'Europe de la défense

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق