القوة الثالثة

تم نشره في الاثنين 18 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

هآرتس

عاموس هرئيل وآفي يسخروف 17/6/2012

 

الخلاف الذي ما يزال يدور بين الخبراء، في مسألة إذا كان ما يجري الآن في سورية هو حرب أهلية بكل معنى الكلمة أم نزاع دموي ما يزال لا يمكن وصفه بالحرب الأهلية الكاملة يبدو منقطعا عن الواقع على الأرض. فما معنى مواصلة الجدال مثل رجال الدين المسيحيين اولئك الذين يترددون كم شيطان يمكن أن يحمل رأس الدبوس، بينما كل يوم تنشر صور جديدة لأطفال مذبوحين؟ الصورة الداخلية في سورية بعيدة عن أن تكون واضحة والتقديرات عن طول النفس المتبقي للرئيس بشار الأسد تبدو أقل فأقل قطعا. الحقيقة هي كما يعترف اليوم الأكاديميون وضباط الاستخبارات على حد سواء، هي أنه يصعب أكثر فأكثر المعرفة.  بالمقابل، كلما احتدمت الأزمة في سورية، تكاثرت السيناريوهات المقلقة عن آثارها على الدول المجاورة. القلق رقم 1 لأجهزة الاستخبارات الغربية تتعلق بالمخزونات الهائلة من السلاح الكيماوي والبيولوجي التي جمعها جهاز الأمن السوري في عهد حكم سلالة الأسد. الإنصات الاسرائيلي يتركز بما في ذلك استنادا الى حروقات الماضي، على قناة التعاون التي بين سورية وحزب الله، ولكن التخوف الغربي يختلف في جوهره. الخطر الفوري يحدق من منظمات سنية، تعمل بإلهام من القاعدة (الاستخبارات الاسرائيلية درجت على وصفها كمنظمات "الجهاد العالمي").
في الغرب ألصقت بها مؤخرا اسما جديدا، في السياق السوري: القوة الثالثة. والمقصود هو أن هذه المنظمات الجهادية، مع أن عدوها الواضح هو الأسد، تعمل بشكل مستقل، بدون التعلق بقوى المعارضة السورية الرائدة. هدفها المباشر هو ارتكاب مجازر بدون تمييز ضد الأقلية العلوية، طائفة الرئيس، ولكن لمثل هذه المنظمات كفيلة ايضا بأن تكون أهداف فرعية. أحدها هو استخدام مخزونات السلاح الكيماوي في النظام، مثلا، في عمليات في دول اخرى.
الانتباه الاستخباري ارتفع درجة قبل بضعة أسابيع بعد أن نشر أيمن الظواهري، خليفة اسامة بن لادن نداء علنيا لنشطائه للمبادرة الى أعمال "جهاد شخصي" ضد العلويين في سورية. في العقود الثلاثة الاخيرة وجهت نداءات مشابهة للتطوع في افغانستان (ضد الروس ولاحقا ضد الأميركيين)، في حروب البلقان، في الشيشان وفي العراق. والتفكير في أن خلية كهذه تنفذ اختطافا موضعيا، لمواد مثل جراثيم انتراكس او غاز في – أكس، تقض مضاجع خبراء الاستخبارات. في بعض الحالات لا حاجة الى تركيب المادة الفتاكة على رأس متفجر وإطلاق صاروخ (وهي مهمات تحتاج الى خبرات مركبة). برميل من مثل هذه المواد أيضا في الأيدي غير السليمة يكفي لإلحاق ضرر ذي مغزى. في اسرائيل كما أسلفنا قلقون ايضا من إمكانية النقل المرتب: الأسد، تحت ضغط مشتد من الداخل ومن الخارج، سيختار النقل المقصود للسلاح الكيماوي، الصواريخ المتطورة المضادة للطائرات أو الصواريخ الباليستية بعيدة المدى الى حزب الله – روح ما فعله الرئيس العراقي صدام حسين الذي نقل طائراته القتالية الى ايران عشية حرب الخليج الاولى (في اسرائيل ما يزال يوجد من يدعي بان صدام نقل ايضا السلاح غير التقليدي الذي كان يزعم انه في حوزته الى بشار الأسد، عشية الهجوم الاميركي الثاني في 2003). في ضوء هذا التخوف يجري الإبقاء على جاهزية عملياتية اسرائيلية في حالة أن تكون حاجة للهجوم من الجو على قوافل سلاح بين سورية ولبنان.
سيناريو آخر ينبع من تعقد الوضع في سورية، الذي له صلة باسرائيل، ولا يعتبر في هذه المرحلة واقعيا على نحو خاص. والمقصود هو الإمكانية التي ألمح بها رئيس الأركان بيني غانتس في كلمته امام الكنيست قبل بضعة اشهر: فرار جماعي للاجئين من سورية الى اسرائيل عبر الحدود في هضبة الجولان. في الجيش الاسرائيلي توجد خطة استعداد لمثل هذا السيناريو، ولكن الانطباع هو أن اللاجئين – يدور الحديث عن سُنة، ولكن اذا ما انقلبت الامور، فإن هؤلاء قد يصبحون علويين يفرون نجاة لحياتهم – لن يختاروا اسرائيل كملجأ مفضل.
إذا كانت هناك إمكانية كامنة لوصول لاجئين الى اسرائيل، يخيل أنها تتعلق اساسا بالدروز الذين لهم أقرباء كثيرون في الجولان وفي الجليل. لتركيا والأردن توجد أسباب اكثر للاستعداد لاستيعاب جموع اللاجئين، من كل الطوائف في سورية. في الأردن مثلا، تجمع قرابة 100 ألف لاجئ سوري في غضون أقل من سنة ونصف. الأردنيون يمتنعون عن الإعلان عنهم كلاجئين، والسوريون، معظمهم من ابناء الأغلبية السنية الذين فروا من وجه قتل قوات الأسد، دخلوا الى الدولة مع تأشيرة سائح.
وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون اتهمت روسيا بتوريد مروحيات قتالية لنظام الأسد، في تصريحات أصدرتها في واشنطن يوم الثلاثاء من الاسبوع الماضي. وهكذا، ادعت كلينتون، بأن روسيا تدفع نحو التصعيد في الحرب الجارية في الدولة. وليس هذا توريدا أول أو استثناء في الاشهر الاخيرة.
الحلف الأمني بين روسيا ودمشق وثيق وحرج من ناحية الصناعة العسكرية الروسية ويمكن التخمين بأنه سيستمر حتى سقوط الأسد. ومع ذلك، يخيل أن الروس الذين اتخذوا في البداية خطا رسميا يرفض التدخل في ما يجري في سورية، أصبحوا الآن لاعبا مركزيا في ما يحصل هناك. روسيا تمنح حصانة دبلوماسية لسورية، كي تمنع كل قرار معاد ضد دمشق في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وفي نفس الوقت تتأكد من أن تتمكن قوات الأسد من مواصلة ضرب المعارضة بأسلحة إضافية.
هذه السياسة تجر ردود فعل معادية جدا ضد موسكو من جانب معارضي نظام الأسد، في سورية وفي العالم العربي. في صفحة الفيس بوك لإحدى منظمات المعارضة السورية زعم أن "روسيا هي العدو الحقيقي للشعب السوري".
في الخلفية عرضت صورة وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف، يتصبب دما من وجهه. الى جانب الدور الفاعل لايران وحزب الله في مساعدة النظام، يبدو ان روسيا والصين شريكتان الآن عن وعي بالمذبحة اليومية في أرجاء سورية.
الأعمال الفظيعة تتكاثر فقط والجيش السوري لا يتردد في استخدام الوسائل. والمرة تلو الاخرى تصل من سورية صور القصف من الجو او المدفعية على أحياء سكنية: في الروستان، في حمص، في اللاذقية، في معرة النعمان، في إدلب، في درعا والقائمة ما تزال طويلة.
معظم السلاح الذي استخدم في الاعمال الفظيعة هو سلاح روسي. وما تزال، دول الناتو ولاسيما الولايات المتحدة ترفض بشدة تسليح المعارضة. ولديها مبررات منطقية: من الصعب أن نعرف الى أين سيصل السلاح الذي ينقل الى ميليشيات مسلحة، والتي ينقص بعضها قيادة بينما اخرى ترتبط بمنظمات إسلامية. إهمال الغرب الذي يرفض الصدام مع بشار الأسد يمنح الرئيس السوري يدا حرة لمواصلة أفعاله.
الأنباء السيئة من ناحية معارضي النظام لا تنحصر بالمساعدة الروسية للرئيس. فمعظم الجيش السوري ما يزال مواليا لبشار وينفذ اوامره في قصف الأحياء المدنية المكتظة. حجم الفرار من صفوفه ليس حرجا بعد. في قسم الأنباء الطيبة للمعارضة، ليس لبشار اليوم سيطرة حقيقية في الدولة ومناطق واسعة تخرج بالتدريج من قبضته.
المظاهرات انتشرت منذ الآن الى المدن الكبرى، دمشق وحلب، رغم مساعي النظام منع الظاهرة. مسألة الزمن تبقى كما أسلفنا، مفتوحة: الأسد على ما يبدو سيسقط في النهاية. السؤال هو كم من المواطنين السوريين الآخرين سيموتون، سيجرحون او سيفقدون منازلهم حتى يحصل هذا.
الحسم
سنة ونصف فيما ما يزال يتردد خبراء عرب اذا كانوا سيعرفونه بالربيع العربي، الصورة الإجمالية في الشرق الأوسط مشوهة. في ليبيا تأجلت الانتخابات لشهر على خلفية انعدام الاستقرار والسفير البريطاني نجا من محاولة اغتيال بنار صاروخ مضاد للدبابات أصيب به بجراح خطيرة اثنان من حراسه. مصر تستعد للجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، التي في نهايتها سيحظى المنتصر بالمتعة المشكوك فيها للتصدي للأزمة الاقتصادية والدستورية غير المسبوقة في الدولة.
هذه الأيام تجري الجولة الثانية. نتائج أولية ستصدر في ليل اليوم الثاني. في ضوء الجلبة حول قرار المحكمة بحق الرئيس السابق حسني مبارك ونتائج الانتخابات للبرلمان، سيكون رهانا معقولا التقدير بأن مرشح الإخوان المسلمين، محمد مرسي، سينتصر (على فرض أن قوات الأمن لن تخاطر بتزييف فظ جدا لنتائج الانتخابات). ولكن يخيل انه اذا كان يمكن أن نتعلم شيئا ما مما جرى في مصر في السنة والنصف الأخيرة، فهو أن من الأفضل ألا نراهن.
انتصار مرسي قد يغير وجه مصر. رئيس إسلامي وبرلمان تسيطر عليه الحركات الإسلامية سيحاولان قيادة البلد نحو تشريع ديني متعاظم. صحيح، من ناحية اسرائيل التخوف ليس فوريا ومشكوك جدا أن يسارع الإخوان المسلمون الى إلغاء اتفاقات السلام معها. ولكن مع ذلك يبدو أن من يحتاج الى ان يتخوف أكثر، هم المواطنون العلمانيون والأقليات غير المسلمين في مصر.
مظاهرات الاحتجاج العنيفة للمنظمات الإسلامية هذا أسبوع في تونس، احتجاجا على معرض فنون عرضت فيه صورة امرأة عارية الى جانب رسم لمدينة مكة المقدسة، تطرح أفكارا عن مستقبل الحركة العلمانية في الدولة. في تونس، كما يجدر بالذكر، انتصر في الانتخابات للبرلمان حزب إسلامي معتدل. بالمقابل من المتوقع أن يثير انتصار أحمد شفيق، رجل النظام القديم، على مرسي في الانتخابات في مصر موجة من المظاهرات والاضطرابات التي يصعب معرفة كيف ستنتهي. في كل الأحوال، سنعرف قريبا اذا كانت مصر ستصحو من نشوى 25 يناير 2011: هل الرئيس المقبل سيكون مقرب مبارك أم كبديل ممثل الحركة التي لم تكن على الإطلاق جزءا من الاحتجاج عندما بدأ هذا.
والنهاية معروفة
في الوقت الذي يمكن فيه تقريبا الإحساس بارتعاد الدول المجاورة حولنا، القيادة هنا مشغولة البال بصعوبة حقيقية تنبع من موجة الهجرة من افريقيا السوداء، والتي يضخمها جزء من وسائل الإعلام والنواب من الهوامش المجنونة من اليمين، وكأن لب الأمر هو خطر فوري على سلامة بنات اسرائيل وعذريتهن. ولكن اذا ما كشف مراقب الدولة في تقريره الذي نشر أول من أمس عن قضية الأسطول التركي الى غزة يمكن أن نتعرف على شيء ما عن جودة اتخاذ القرارات في القيادة الاسرائيلية، يخيل أنه لا يوجد سبب خاص يدعو الى التفاؤل في قضية المهاجرين أيضا.
تقرير الاسطول يظهر في بعض فصوله كتكرار لعهد حرب لبنان الثانية. فالسيطرة على مرمرة، كما يفهم منه عكست الرقابة الهزيلة للحكومة على السلوك العملياتي للجيش. تبادل الحديث بين الوزير دان مريدور ورئيس الأركان في حينه غابي اشكنازي في جلسة السباعية الوحيدة التي كرست للأسطول، وهذا أيضا بشكل عاجل وسريع – مثير للحفيظة. مريدور وضع الاصبع على المسألة الجوهرية: خطر نشوء عنق زجاجة يبقي مقاتلي الكوماندو البحرية في حالة دون عدديا على نحو عسير في اثناء السيطرة. "هل سيكون لديك ما يكفي من الرجال؟" سأل مريدور واشكنازي أجاب بارتياح: "لن يكون في البداية.. إذن سيكون بالتدريج". والوزراء يكتفون بذلك، بعضهم انطلاقا من ثقة زائدة بقدرة الجيش وبعضهم الآخر بسبب الرغبة في إبقاء المشكلة (والمسؤولية) في يد هيئة الأركان.
النهاية معروفة: لم يكن ما يكفي من رجال البحرية على دكة مرمة في المرحلة الاولى. اولئك الذين نزلوا الى هناك هوجموا بشكل عنيف جدا بحيث اضطروا الى أن يقتلوا تسعة نشطاء أتراك وأدوا الى تفاقم الأزمة مع تركيا، التي لم تحل حتى الآن.
اشكنازي، بالطبع كان خبيرا وضالعا بلا قياس اكثر من سلفه، دان حلوتس، في مثل هذه الامور. مثله ايضا وزير الدفاع ايهود باراك بالقياس الى عمير يرتس. وما يزال، يخيل أن أوجه الشبه عديدة بين القضيتين. في قصة الاسطول القيادة السياسية منقطعة عن الواقع العملياتي، القيادة العسكرية العليا غير عالمة بما فيه الكفاية بحجم الإمكانية الكامنة للخلل (اشكنازي، بشكل غير نموذجي على الإطلاق، لم يكن في مقر القيادة عندما بدأت العملية. اللواء يوآف غالنت، في الماضي قائد الوحدة البحرية، ابعد عن مداولات الاستعداد للعملية).
كل المعالجة للاسطول، قال هذا الاسبوع شخص كان في موقف طيب للنظر في قرارات القيادة الاسرائيلية في القضية، يذكر بمجموعة تعبين متنازعين يجرون أنفسهم بصعوبة نحو الهدف. هنا أيضا يكمن درس ذو صلة بالمعالجة الاسرائيلية للتهديد النووي الايراني. رئيس المخابرات السابق، يوفال ديسكن، ادعى بأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع ايهود باراك "مسيحانيين" في ما يتعلق بايران. ولكن يخيل أن هذا الادعاء ينبغي أن يثير قلقا أقل بكثير ممن يمكن أن تثيره إمكانية أن تظهر القيادة الاسرائيلية نزعة هواة مشابهة في الموضوع الإيراني أيضا.

التعليق