ذاكرة مشوهة

تم نشره في الثلاثاء 12 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

عاموس جلبوع- معاريف

أنا معني بالوقوف عند تشويهين جوهريين شديدين برأيي وقعا في جملة الأحاديث عن حرب لبنان الأولى. الاول يتعلق بمدى الحرب. يكاد يكون في كل الأماكن تبدأ الحرب في 6 حزيران 1982. وتنتهي بالخروج من لبنان في 24 أيار 2000.
ولهذا تسمى حرب الـ18 سنة، الأطول في تاريخ إسرائيل. وأنا ادعي أن هذا تشويه، إن لم يكن زورا وبهتانا مقصودين.
حسب كل منطق الانسان العاقل يمكن أن نرى نهاية حرب سلامة الجليل في حزيران 1985، حين أكمل الجيش الإسرائيلي خروجه من لبنان حسب قرار لحكومة المعراخ. من هذه اللحظة لم تعد هناك حرب. دولة إسرائيل كفت عن كل تدخل في ما يجري في بيروت وفي باقي لبنان، وهي تسمح لسورية بالسيطرة على لبنان، بل وباستخدام سلاحها الجوي ضد أهداف في بيروت. إسرائيل من هذه اللحظة تهتم بشيء واحد – حماية وجودها والدفاع عن بلدات الشمال. وهذا تفعله من خلال حزام أمني ضيق في جنوب لبنان. أساس عبء هذا الحزام يتحمله جيش لبنان الجنوبي، بينما يبقي الجيش الإسرائيلي هناك 12 استحكاما.
من 1985 وحتى 2000 ما يجري في الشمال هو قتال للأمن الجاري على طول الحدود. ليس حربا في أي حال من الأحوال هي استمرار لتلك التي بدأت في 1982. من يقول هذا يخطئ ويضلل ولا أريد الدخول إلى دوافعه. بالمناسبة، حتى قبل حرب سلامة الجليل كان هناك حزام امني في المنطقة الجنوبية من جنوب لبنان. وكانت تسمى منطقة جنوب لبنان، تحت قيادة الرائد سعد حداد المسيحي اللبناني. و"تجول" الجيش الإسرائيلي هناك بحرية. يمكن الجدال فيما اذا كانت هناك حاجة إلى اقامة استحكامات للجيش الإسرائيلي في الحزام الأمني، ولكن ان نجعل قتال الامن الجاري استمرارا لحرب سلامة الجليل هو تشويه تاريخي واضح.
التشويه الثاني يتعلق بنتائج حرب سلامة الجليل. من كثرة الاحاديث عن القصورات والاخفاقات وشرور الحرب، وقد كانت هذه وتلك، نسي أمر صغير واحد. الجيش الإسرائيلي انتصر فيها في نهاية المطاف. في الجو – انجاز تدمير صواريخ أرض جو السورية كان ذا معان استراتيجية بعيدة الاثر، سواء على المستوى الاقليمي أم على المستوى العالمي؛ في البر – القوة المقاتلة للفلسطينيين في جنوب لبنان سحقت، واولئك الذين بقوا اضطروا إلى مغادرة لبنان، في اغلبيتهم الساحقة. كانت هذه أول حرب للجيش الإسرائيلي ضد منظمة وليس ضد دولة؛ كانت هذه المرة الاولى التي يقاتل فيها الجيش الإسرائيلي ضد مخيمات اللاجئين؛ كانت هذه الحرب غير المتماثلة الاولى للجيش الإسرائيلي (الى جانب حرب كلاسيكية ضد الجيش السوري في لبنان). وللعجب، فلم ينتصر فقط، بل ان الانتصار وجد رمزه الواضح عندما صعد عرفات إلى آخر سفينة في ميناء بيروت نقلت بقايا جيشه إلى اطراف العالم العربي. البواقي الهزيلة لهم اعيدت إلى "المناطق" في اطار اتفاق اوسلو. تصوروا أمرا مشابها مع حماس وقيادتها.
اذا كانت هناك أمور يتميز بها الجيش الإسرائيلي في 1982 مقارنة مع الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية، فانها تجد تعبيرها في الاقوال التي قالها اللواء احتياط دورون روبين: "مع لوائي اجتزت 80كم في اربعة ايام، في أرض جبلية، ووصلت إلى الهدف الذي تحدد لي، طريق دمشق – بيروت. في حرب لبنان الثانية بصعوبة تقدمت القوات بضعة كيلو مترات في أكثر من ثلاثين يوما دون أن تعرف ما هو الهدف".

التعليق