مكاننا في جهنم مضمون

تم نشره في الثلاثاء 12 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

عميرة هاس -هارتس

صديق شاب اعتقد أنه لا ينبغي لي أن أكتب. ألا اكتب ماذا؟ ان طلابا في جامعة بيرزيت هددوا محاضرا علق على باب مكتبه كاريكاتورات تتعلق بتعدد الزوجات والبرقع (اللباس الذي يغطي المرأة من أخمص قدمها حتى الرأس). المحاضر نفسه رفض الحديث في الأمر – هكذا سمعت بشكل غير مباشر – ومن دائرة العلاقات العامة في الجامعة اجابوني شاكرين لي اهتمامي، ولكن هذا موضوع داخلي صغير جدا تجري معالجته.
من أصدقاء المحاضر لم آخذ الانطباع بأن هذا شأن صغير: التهديدات (هاتفيا وفي الشبكات الاجتماعية) كانت مخيفة للغاية. كما أن طالبة روت لي عن ذلك لأول مرة لم افهم منها أن هذا شأن صغير. فهمت ان الحرم الجامعي طلابا ومحاضرين على حد سواء – هاج بالذات قبل اسبوعين، وعلى مدى بضعة أيام، هاج على الكثير من الشائعات. مثلا، على أن المحاضر "مسيحي"، والشائعة الأشد خطورة – أن المحاضر سيقدم الى محاكمة انضباطية. الشائعة الكاذبة هذه انسجمت مع انطباع احدى الطالبات بأن معظم زملائها غضبوا من الكاريكاتور. ليس واضحا كم من الناس رآه حقا، ولكن الأغلبية "عرفوا" أن الكاريكاتورات تسخر من النبي محمد وهذا محظور، قالت الطالبة.
أحد الكاريكاتورات أظهر سوبرمان مع لحية، والى جانبه امرأة تطلب الزواج منه. "آسف"، أجابها، "ولكن عندنا في الكوكب مسموح الزواج بأربعة فقط". الكاريكاتير الثاني يظهر شخصا يتحدث الى ستار ظنا منه أنها زوجته التي تلبس البرقع دوما. الكاريكاتورات ليست شيئا خاصا، قال لي احد المحاضرين. القليل من الصبيانية، وليس بالضبط الطريقة التي تثير النقاش المرغوب فيه للعادات الاجتماعية الذي هو أيضا يتفق اتفاقا تاما مع انتقادها. ولكن من اقوال ذاك المحاضر فهمت أن الانطباع ايضا وكأن معظم الطلاب شعروا بالإهانة من الكاريكاتورات هو انطباع مغلوط. قبل كل شيء، قال لي – هذا فصل صيفي. عدد الطلاب والمعلمين الذين يتواجدون في الحرم الجامعي صغير على أي حال. وثانيا، "الشبيبة" (منظمة الطلاب المتماثلة مع فتح، والتي لديها أغلبية المقاعد في مجلس الطلبة) أصدرت منشور تأييد للمحاضر وحرية التعبير. كما أن لجنة المحاضرين أصدرت بيان تأييد للزميل موضع الهجوم ومع حرية التعبير، ولكن من جهة اخرى كانت هذه فرصة لبعض المحاضرين كي يقترحوا – في مراسلات بريدية الكترونية داخلية – إلغاء بعض المساقات الليبرالية جدا برأيهم، واستبدالها بأخرى. محاضرون آخرون عارضوا.
في مرحلة مبكرة من الأزمة شكلت الجامعة لجنة فحص. قبل نحو اسبوع استقبل الطلاب والمحاضرون نتائجها بالبريد الالكتروني من مكتب الرئيس. قبل كل شيء، جاء في الرسالة، المحاضر أوضح بأن الرسومات التي علقها لا ترمي على الإطلاق الى الهزء بالاسلام. هذه كانت دعوة لنقاش نقدي لعادات اجتماعية معينة. ثانيا، ستتابع اللجنة الشكاوى التي رفعها العميد ضد الطلاب المشبوهين بتهديد المحاضر. ثالثا، توجد أساليب لتحديد برامج التعليم الأكاديمية – وليس دارجا أن يتم الأمر بالبريد الالكتروني. ورابعا – الجامعة متمسكة بحرية البحث، التعليم والرأي واحترام الاديان والمعتقدات، وتسجل كل استخدام للعنف أو التهديد.
الصديق الشاب الذي أوصى الا اكتب قال: "سيقولون ان مراسلة اسرائيلية تؤيد محاضرا وآراءه، وهذا سيعمل ضده". هذه المراسلة تكتب ايضا عن الكفاح الشعبي ضد الاحتلال وعن نشاطات ونشطاء شجعان، من سكان قرى النبي صالح وبلعين، مثل ناريمان التميمي وعبدالله ابو رحمة. هل يفترض بهذا أن يعمل ضد اولئك بين الشباب الفلسطيني؟ لولا أشار الحدث في بيرزيت الى ظاهرة إسكات الآراء بدعوى المس بالمشاعر الدينية، لما كان بالفعل مجال لتناوله. وبالمناسبة، قبل بضع سنوات عمد طلاب في الجامعة الأميركية في جنين الى طرد محاضرة درست مقاطع من كتاب مرجان سترابي – "درس بوليس" احد كاريكاتورات الفنانة الايرانية الفرنسية مس بمشاعرهم الدينية، قالوا.
المكان الطبيعي للبحث في العادات الاجتماعية القمعية (أو لا) في المجتمع الفلسطيني ليس في الصحيفة الاسرائيلية. وحتى لو كان وجه شبه مع تكتيكات الاسكات الاسرائيلية لمناقشات اخرى. كما أن ثمة منطقا في المسألة الكامنة، هل ينقص المراسلة الاسرائيلية مواضيع للعمل عليها، وتتعلق ايضا بمجتمعها، ولكن لأسباب تتعلق بانعدام الاهتمام الجماهيري لا تصل الى علم القراء الاسرائيليين. مثال: إغلاق الطريق الذي يربط كفر قدوم بأراضيها الزراعية ونابلس، والتي لأجل ذلك تتظاهر القرية أسبوعيا والجيش الاسرائيلي يفرق المظاهرات بالقوة. مع جرحى كل اسبوع. منذ زمن تعلمت أنه يصعب الإجابة عن سؤال يتقدم به الفلسطينيون مباشرة "هل تؤمنين بالله". ما كان يمكنني أن أكذب، حين سألتني هذا السؤال شكرية عبد الهادي، من قرية النبي صموئيل المحاصرة والمنقطعة والمخنوقة تحت محظورات البناء ومحظورات الحركة. هذه المرأة، في السبعينيات من عمرها، قضت معظم الـ 45 سنة الأخير من عمرها في الدفاع عما تبقى من اراضيها، والتي مثل معظم اراضي القرية صادرتها اسرائيل لصالح جدران الأمن والحدائق الوطنية بعد أن سقطت في ايدي مزيفي وثائق الملكية. كجواب، اقتبست على مسمعها ما تقوله احدى معارفي المتدينات (يهودية) حين تسمع عن اسلوب آخر من اساليب سلطتنا الغريبة: "لا ريب، مكاننا في جهنم مضمون". "آه"، قالت لي عبد الهادي. "فهمت، انتِ لا تؤمنين بالله، ولكنكِ تؤمنين بجهنم".

التعليق