يتجاهلون الفلسطينيين مرة أخرى

تم نشره في الاثنين 11 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً

يونتان مندل-هارتس

مرت 100 سنة منذ كتب المربي الصهيوني اسحق ابشتاين المقالة التي نشرت في صحيفة "هشيلوح" معنونة بعنوان: "مسألة غائبة". ولم تكن تلك أول مرة بالطبع يتناول فيها كاتب صهيوني المسألة العربية، لكن كان الحديث مع كل ذلك عن علامة طريق في كل ما يتعلق بالنظر الواعي الى العلاقات بين الحركة الصهيونية والفلسطينيين، وحقيقة كون هؤلاء الآخِرين "شعبا كاملا متمسكا بهذه الأرض منذ مئات السنين ولم يفكر قط في مغادرتها". وقد زعم ابشتاين ان هذه الحقيقة كادت تغيب تماما عن نقاشات الحركة الصهيونية وجدلها.
ان مقالة ابشتاين في سنة 1907، التي استهلكت 13 صفحة، هي نص يوصى به اليوم ايضا ولا سيما في ضوء إعادة كتابة تاريخ البلاد مع إنكار الصلة العربية الفلسطينية والتنكر للكارثة الفلسطينية وعدم الاستعداد الاسرائيلي لتناول النشاطات غير الأخلاقية للحركة الصهيونية التي استُعملت لاحتلال الأرض وإنشاء الدولة اليهودية. وهي ذات صلة خاصة في واقع الامر في ضوء الاختلاف السياسي المتعلق بإخلاء جفعات الاولبانه أو بنائها والجوانب غير الاخلاقية التي سبقت مصادرة اراضيها.
سبق ابشتاين آنذاك الى سؤال ماذا سيفعل الفلاح العربي "الذي يبل الارض بعرقه" في اليوم الذي تُشترى فيه ارضه، وما مقدار أخلاقية شراء الاراضي من مالكي اراض يتعلق بهم عيش الفلاحين وعائلاتهم. وقد تذكر جيدا بكاء النساء العربيات من قرية الجاعونة (التي أصبحت روش بينه بعد ذلك) في اليوم الذي بينوا فيه لسكان هذا المكان ان الارض اشتريت بغير علمهم. "ما يزال ندب النساء العربيات يدوي في أذني"، كتب ابشتاين، "وقد امتلأ الوادي كله بأصوات ندبهن... وحينما مررن في الطريق وقفن وقبلن التراب والحجارة". في تلك الحقبة من التاريخ كان ما يزال من المسموح به لمربي صهيوني ان يزعم انه يجب علينا قبل شراء الارض "ان نفحص جيدا ممن نشتري الارض ومن يعتاش منها". وكان ما يزال مسموحا لنشيط صهيوني متحمس مثل ابشتاين ان يكتب ان أنشطة الحركة الصهيونية "ليست فيها أي حساسية إنسانية وسياسية".
لا يوجد ما يُنبش في شأن جفعات الاولبانه التي تمثل سياسة اسرائيلية استمرت في الضفة الغربية منذ السبعينيات الى أيامنا. ولا يوجد ما يُدعى ايضا على المستوطنين الذين أضلتهم وعود الدولة. لكن ما يثير العناية ان نصغي الى النقاشات التي تجري بشأن وجود حل للأزمة: فواحد يقترح نشر البيوت ونقلها في منحدر الجبل؛ وآخر يقترح إنشاء عشرة مبان في الاراضي المحتلة مقابل كل مبنى يتم اخلاؤه؛ وثالث يقترح تعويض المُجلين بالمال للتغطية على الكآبة شيئا ما.
ان هذا الجدل ليس أقل من مدهش. فالحكومة الاسرائيلية تقوم فوق اراض خاصة لعرب فلسطينيين وتفاوض المستوطنين اليهود على مقدار التعويضات التي سيحصلون عليها وعدد البيوت التي ستُبنى لهم أو في نقلهم الى منطقة اخرى من ضمن مسؤولية "الادارة المدنية في يهودا والسامرة ووحدة تنسيق اعمال الحكومة في المناطق".
يبدو ان العرب الذين يملكون الارض ليسوا طرفا في الجدل، فهم لا يعرضون عليهم ان تُقام في أنحاء الضفة عشرة مبان تعويضا عن كل مبنى بُني على ارضهم بصورة غير قانونية. ولا يُنقل اليهم ايضا اقتراح مصالحة أكثر عدلا فحواه ان يُعوَّض المالكون العرب عن المباني الخمسة التي بُنيت بصورة غير قانونية على الأرض العربية وراء الخط الاخضر بخمسة مبان قانونية يتولون المسؤولية عنها في اراضي اسرائيل داخل الخط. فهذه بالطبع مقترحات لن توزن أبدا. واسرائيل فوق أنها لا تعوض الفلسطينيين بالبناء تتحدث في الأساس معهم عن الهدم. لكن غياب هذه المقترحات عن الخطاب الاسرائيلي وغياب العرب عن النقاش بصورة عامة، يشهدان بأن شيئا من انتقاد ابشتاين ما يزال لم يخفت برغم مرور 105 سنين منذ ذلك الحين. فما تزال الحركة الصهيونية التي أصبحت اليوم اسرائيل لا ترى العرب، ويُخيل الينا في سنة 2012 ايضا انه ما يزال الحديث عن "مسألة غائبة"، وعن زمزمة مقلقة لا حاجة الى التطرق اليها. والمشكلة انه يوجد اليوم عدد أقل من الآذان التي تستطيع سماع البكاء.

التعليق