خيار نيكسون في التعامل مع إيران؟

تم نشره في الجمعة 8 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • مقاتلة تقلع عن سطح حاملة طائرات أميركية في خليج هرمز - (أرشيفية)

ويليام لورز*، توماس بيكرينج**

واشنطن، العاصمة - إن إعادة ترتيب الكراسي على سطح السفينة تيتانيك ما كان لينقذها من الغرق. وما كانت المناقشات التي لا تنتهي حول شكل طاولة المفاوضات في مفاوضات فيتنام لتسفر عن تقدم الجهود الرامية إلى إنهاء ذلك الصراع الخبيث. ومع ذلك، فإن العديد من الرؤساء الأميركيين نجحوا في إعادة تصميم المحادثات مع الخصوم بطرق جديدة جريئة لتعزيز الأمن القومي من دون الاضطرار إلى خوض حرب. والآن باتت هذه الجرأة مطلوبة في المفاوضات الدائرة حول البرنامج النووي الإيراني.
في العام 1933، تفاوض فرانكلين د. روزفلت شخصياً مع وزير الخارجية السوفييتي مكسيم ليتفينوف لفتح العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وفي العام 1959 وجه دوايت د. ايزنهاور الدعوة إلى نيكيتا خروشوف لزيارة الولايات المتحدة ليصبح أو زعيم سوفييتي على الإطلاق يزور أميركا. وكانت المحادثات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين في وارسو في ستينيات القرن العشرين عقيمة إلى أن قرر ريتشارد نيكسون ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر فتح مناقشة مختلفة وأكثر مباشرة برعاية باكستان.
وتحتاج المفاوضات الدولية مع إيران بشأن برنامجها النووي أيضاً إلى مفهوم جديد وأجندة أوسع نطاقا. وقد اختتم اجتماع اسطنبول الشهر قبل الماضي بشكل إيجابي. فقد قرر الجانبان إيجاد وسيلة لتجنب ذلك النمط من الاتهامات المتبادلة والمقايضات العقيمة. والآن أصبح الباب مفتوحاً أمام اتفاق مبدئي يسعى إلى تحقيق أهداف متواضعة.
ولكن لا تعولوا على عصر جديد في غياب شكل ما من أشكال الحوارات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. إن المحادثات مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا (5+1) نمطية وراكدة ومن غير المرجح أن تحقق أي تقدم مفاجئ من تلقاء ذاتها. والواقع أن الإيرانيين يشعرون بأنهم قِلة في مواجهة مشاركين متنوعين يحملون أجندات مختلفة. ويتعين على الولايات المتحدة أن تعيد تشكيل البيئة بحيث تيسر لإيران اتخاذ القرار بتقديم تنازلات.
ينبغي للولايات المتحدة أن تمارس ضغوطها في اتجاه إجراء محادثات ثنائية. والواقع أن أحد الدروس التي قدمها رؤساء أميركيون سابقون يتلخص في إبراز قيمة الاتصالات المباشرة على مستوى عال مع خصومها الرئيسيين. لا شك أن مجرد تخيل اللقاء وجهاً لوجه بين الرئيس باراك أوباما وآية الله على خامنئي يبدو سخيفاً، على الأقل الآن. ولكن هل كان لأي لقاء أن يبدو في العام 1969 أكثر سخفاً من اللقاء الذي تم بالفعل في العام 1971 بين نيكسون والزعيم الصيني ماو تسي تونج؟ يتعين على الولايات المتحدة وإيران أن يحددا المسار نحو محادثات ثنائية واسعة النطاق حول نظرة كل منهما إلى العالم، والأمن الإقليمي، والخطط الرامية إلى تحسين التفاهم المتبادل من أجل تقليل الخلافات.
وحتى من دون محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المفاوضات الحالية تحتاج إلى إعادة صياغة. ويتعين على الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا أن تستمر في التفاوض مع إيران فيما يتصل ببرنامج تخصيب اليورانيوم، في حين ينبغي للهيئة الدولية للطاقة الذرية أن تتفاوض مع إيران بشأن تعزيز شفافية برنامجها النووي. والواقع أن الإيرانيين يريدون حل مشاكلهم بشكل مباشر مع الهيئة الدولية للطاقة الذرية، وتجنب المفاوضات في ظل سحابة من قرارات مجلس الأمن الدولي، التي تفرض عقوبات على إيران لإرغامها على تعليق عمليات التخصيب.
ويقترح هذا الموقف نهجاً تدريجيا. فأولا، وأثناء إجراء المحادثات في بغداد، ربما تسعى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا إلى عقد اتفاق مبكر لبناء الثقة تتعهد إيران طواعية بموجبه بالتوقف عن التخصيب إلى محتوى بتركيز 20% في النظير الانشطاري "يو-235" والتحول إلى مزيج أقل كثافة أو ربما تشحن  إلى المخزون لديها من اليورانيوم من هذه الدرجة، والتي هي أقرب إلى الدرجة المطلوبة لإنتاج الأسلحة النووية. ومن الممكن أيضاً أن يسعوا إلى إيقاف منشأة التخصيب تحت الأرض في فوردو عن العمل في مقابل تزويدها بقضبان الوقود لتشغيل مفاعل الأبحاث النووي الإيراني وتجميد بعض العقوبات.
وثانيا، بوسع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا أن توافق آنذاك على بعض التخصيب في إيران كحافز لإيران لإبرام اتفاق مواز مع الهيئة الدولية للطاقة الذرية فيما يتصل بتعظيم الشفافية. وهذه الخطوات المتوازية من شأنها أن تعيد تشكيل العملية برمتها بحيث يتحقق الهدف الأميركي الرئيسي: ضمان التزام إيران بفتوى خامنئي ذاته ضد الأسلحة النووية.
ثالثا، سوف يكون لزاماً على الجانبين أن يعملا على وضع الخطوط العريضة للأهداف البعيدة الأمد للمفاوضات. وفي حين تضغط الهيئة الدولية للطاقة الذرية على إيران لإبرام اتفاقات بشأن تعظيم الشفافية، فإن إيران تريد أن تعرف إلى أين قد تقودها هذه الاتفاقات، وخاصة فيما يتعلق بالعقوبات.
يزعم الإيرانيون أنهم في كل مرة يتحركون باتجاه التعاون مع الولايات المتحدة، تنشأ مشكلة جديدة تمنع تحسن العلاقات. وتريد إيران أن تعرف أي العقوبات يمكن تأخيرها أو تجميدها أو رفعها في مقابل تنازلات حالية ومستقبلية، خشية أن تواصل الولايات المتحدة فرض العقوبات على أساس ادعاءات خاصة بحقوق الإنسان أو الأمن أو غير ذلك.
ومن جانبها تنظر الولايات المتحدة إلى إيران باعتبارها مفاوضاً غير جدير بالثقة وملتزم سراً بإنتاج الأسلحة النووية وغير جاد بشأن المحادثات. والآن حان الوقت لاختبار النوايا الإيرانية من خلال الوصول إلى شيء أشبه بالاتفاقات على مرحلتين الواردة هنا -عملية أطول أمدا، تتم خطوة بخطوة، وعلى أساس إجراءات متبادلة، حيث يتعين على كل جانب أن يقدم شيئاً لكي يحصل على ما يريد.
وأخيرا، حتى في ظل التقدم خطوة بخطوة فيما يتصل بالبرنامج النووي الإيراني، فإن المناقشات الأوسع نطاقاً مطلوبة للتعامل مع القضايا غير النووية العديدة التي تهدد الاستقرار الإقليمي. ففي الوقت الحالي لا يوجد أي منتدى لمناقشة أفغانستان، والعراق، وتهريب المخدرات، وأمن الخليج، والاتصالات في حالات الطوارئ لتجنب الصراعات العَرَضية، وتحاشي مصادر انعدام الثقة وسوء الفهم.
وربما يشترك في بعض هذه المناقشات ممثلون عن الدول التي لا تشكل جزءاً من مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا، بما في ذلك الحكومات التي تربطها بإيران علاقات أوثق. ولتنظيم مناقشة هذه القضايا الأوسع، يتعين على الولايات المتحدة وغيرها من الدول أن تستكشف احتمال تعيين مبعوث خاص، ربما رئيس دولة سابق تحت رعاية الأمم المتحدة، لإشراك إيران في أساليب جديدة.
إذا تولى أوباما زمام المبادرة في إعادة صياغة البيئة المحيطة والعملية التي بموجبها تتحدث الولايات المتحدة وغيرها مع إيران، فقد يصبح إحراز تقدم أمرا أكثر سهولة ويسرا. والواقع أن محادثات اسطنبول فتحت الباب أمام إبرام اتفاق مبدئي خارق، ولو على أساس تدريجي. إن الولايات المتحدة لديها الفرصة الآن لتدشين سبل جديدة لاستكشاف أرضية مشتركة والتوصل إلى حل سياسي أكثر دواما.
*شغل منصب سفير الولايات المتحدة إلى تشيكوسلوفاكيا، وفنزويلا، وكان رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة من العام 1999، إلى العام 2009.
**وكيل وزير خارجية الولايات المتحدة للشؤون السياسية أثناء إدارة كلينتون، كما شغل منصب سفير الولايات المتحدة إلى روسيا وإسرائيل  والأردن والأمم المتحدة.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت،" 2012.

التعليق