"حقيبة حمراء في غرفة المفقودات": عندما تنتصر المرأة لإنسانيتها

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2012. 02:00 صباحاً
  • مشهد من مسرحية "حقيبة حمراء في غرفة المفقودات" التي عرضت أول من أمس على مسرح محمود أبو غريب-(تصوير : أسامة الرفاعي)

 سوسن مكحل

عمان- هي أنثى، تحاول أن تقول طوال عملها المسرحي إنها إنسانة، وانطلاقا من قضية المرأة، قدمت المخرجة والكاتبة والممثلة الأردنية لانا الناصر عملها المسرحي "حقيبة حمراء.. في غرفة المفقودات" أول من أمس ضمن فعاليات "فوانيس" أيام عمّان المسرحية بدورته الثامنة عشرة.
وروت المسرحية الموندرامية التي عرضت على خشبة مسرح محمود أبو غريب؛ حكاية الكثير من النساء، حيث استطاعت الناصر التنقل بين شخصية وأخرى فيها ببراعة وأداء جسد مدهش.
"الحقيبة الحمراء" المؤطرة بهواجس أنثى، كانت متواجدة في قاعة مطار في قاعة المفقودات، توقفها نقاط التفتيش لتسألها عن هويتها وأصلها، وطبيعة ديانتها، وما مدى حريتها المسلوبة وغيرها، كونها امرأة عربية.
وناقشت الناصر بتقنية عالية، كيفية الحوار بين الشخصية التي أدتها، وهي صحفية تترجم الأخبار من الإنجليزية إلى العربية، وطبيعة حياة النساء المختلفة، متنقلة بين أكثر من قضية شائكة بالمجتمع العربي.
الحوار، الذي أدارته الناصر مع ذاتها، جاء كرمز وشعار إلى المرأة، مشيرة إلى مدى تجذير مفهوم التقليل من شأن المرأة عربيا ومحليا.
واستطاعت الناصر أن تهيمن على المتفرج والحضور من خلال خطاب درامي اتسم بنقل الأخبار، والذي هو من طبيعة عملها ومناقشتها، معتمدة كذلك على الرقص المنسجم مع الفكرة.
وحاولت الناصر أن ترمز من خلال "الحقيبة الحمراء" إلى لون الدم، والتابوهات المحرمة في المجتمعات العربية، منادية بضرورة دحضها ومحاربتها.
وتناول عرض "حقيبة حمراء" قضايا المرأة بشكل موسع، فناقش حبها والوقوف كمناضلة كالرجل تماما، مؤكدا في الوقت ذاته أن نداء الأرض والوطن لا يميز بين الأنثى والذكر، معرجة على فكرة حصر وظيفة المرأة بالطبخ في معظم الأحيان.
الناصر، لفتت خلال عملها في مناصرة حقوق المرأة، إلى قضية جديرة بالاهتمام، إذ إنها تدافع عن هدفها في الحياة، وتصر على أن تكون تلك المرأة، المصممة على تحقيق هدفها ولو على حساب الآخرين.
وتتواصل المسرحية بعرض مشهد يتناول البحث عن الحرية في مجتمع يقمع الحريات، فتذهب الممثلة للحقيبة الحمراء، لتفتحها، وتخالف ما نصحت به، لتحلم حلمها بأن هناك "أفعى" تحاصرها من كل الجهات حتى كادت تقتلها، وهي رمز لما تعانيه المرأة من ضغوطات مجتمعية تحرمها حتى حرية التعبير وغيرها من الأمور التي تحد من طموحاتها.
وبني العرض، الذي قدمته الناصر على مستويين هما؛ الواقع والحلم، فالمستوى الأول يصف واقعا سيئا لامرأة عربية تضطر معظم الأوقات للرضوخ إلى كيفية ما يراه "الآخرون" بمرآتها، وما ينعكس بالنسبة اليها برتابة حياتها وتسليم أمرها للقدر.
كما يحمل المستوى الثاني الأحلام المنغصة التي تقض مضاجع المرأة، النابعة من خوفها الذي يصنعه توصيات الأهل والمجتمع، والمحاذير التي ترتبط بها كأنثى، وبما يتعلق بهوية المرأة العربية.
واستطاعت الناصر أن تقدم خلال العرض مجموعة أفكار ومشاهد بصرية، بتكنيك درامي راقص أبدعت به وحدها، معتمدة على محاورة الحضور بمفردات الكلمات والتعابير الحقيقية لمفاهيم الأنوثة والرجولة من قواميس تعريف المعاني، لتكشف عن كلمات ومعان ربما بالفعل يسمعها المتلقي لأول مرة.
سينوغرافيا العمل موظفة لخدمة هذه الشخصيات النسائية "الأنثوية"، التي عبّرت عنها الناصر بأداء يرتقي إلى العالمية في السيطرة على كل حركات الجسد التي اتقنتها وتفننت بها الناصر.
وجاء الرقص في العرض، كمفردة وجزء من نص العمل المسرحي، وفي لوحات حملت رؤية واضحة عن تعبيرات المرأة ومحاولتها التحرر، والبحث عن تفسير للأشياء، وسط كومة الضغوطات والممارسات التي تنتهك حقوقها.
الجرأة في ملامح وأداء الناصر، تقنع المتلقي بأهمية إعادة جدولة المفاهيم المطروحة في المجتمع والنظرة الذكورية المتجذرة في العقول، كما تعكس معنى الأنوثة الحقيقي من خلال مجموعة من العبارات التي أكدت ذلك.
واعتمدت الناصر في أدائها، وبعد أن ختمت مسرحيتها، على أصوات استباقية لما تنتظره "المرأة العربية"، بجعل المظاهرات المطالبة بالحرية تخص المرأة وحدها أمرا واجبا، وودعت خشبة المسرح بعد أن حملت حقيبتها في محاولة لتغيير أساليب ومفاهيم المعاني التقليدية التي شوهت صورة المرأة في المجتمع.
وعلى مدار ساعة حاولت الناصر تخليص الجسد والفكر والشعور من هيمنة النماذج الجاهزة والقوالب المشوهة، من خلال تعبيرها واكتشاف طاقتها للتعبير من على خشبة المسرح عن منهجية وأفكار ترتقي، حتى تكون حلا لمشاكل معقدة تنطلق من على خشبة المسرح.

sawsan.moukhall@alghad.jo

التعليق