موسكو لم تعد تستجيب

تم نشره في الثلاثاء 29 أيار / مايو 2012. 03:00 صباحاً

نداف ايال- معاريف
قبل بضعة اشهر التقى محفل غربي رفيع المستوى مع القيصر الروسي الحالي، الذي يلقب احيانا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتلقت القدس تقريرا مفصلا عن الحديث، الذي عني ضمن امور اخرى بالمذبحة الجارية في سورية. بوتين كان حاسما وواضحا. لن نسمح للأميركيين بأن يفعلوا في سورية ما فعلوه في ليبيا، قال. هناك، قدمنا لهم على طبق من فضة قرار مجلس الأمن لمنطقة حظر جوي، وكيفما اتفق خلقوا من هذا هجوما عسكريا لحلف الناتو وتصفية حكم القذافي. والاسوأ من ذلك، صفوا كل سيطرة لنا في المصالح الليبية. وخمن المحفل الغربي بأن بوتين يقصد احتياطات النفط والغاز الهائلة لليبيا، تلك التي تثير غدد اللعاب لكل دولة كبرى وبالتأكيد روسيا. خيبة أمل بوتين كانت واضحة: فقد سمح بعملية محدودة وضيقة في ليبيا وحصل على فقدان الإمكانية بمنطقة نفوذ. سورية لن تكون ليبيا ثانية، وعد بوتين.
باستثناء أن الايام تمر وأنهار الدم في سورية تواصل التدفق. ومثلما اضطرت الولايات المتحدة للتنكر لحكم مبارك – ليس بسبب تطلعها إلى ديمقراطية مصرية بل بسبب ضعفه، بدأ الروس يشعرون بان الريح تتغير. فكلما تطورت الثورة السورية إلى حرب أهلية، كلما تبين بان حكم الاسد عديم المنفعة بقدر ما هو وحشي، يطور الروس انطباعا بانهم في الجانب غير الصحيح من التاريخ. ففي منطقة مع أغلبية سنية واضحة، يضعون ثقتهم بطائفة صغيرة وهشة – العلويين – ممن تتضعضع سيطرتهم في سورية. المحور العلوي – الايراني – حزب الله ليس بالضبط سندا استراتيجيا لموسكو، ولا سيما حين يبدو بان الحلقة الجغرافية المركزية فيه، سوريا، توشك على السقوط.
في سورية توجد أصوات تحذر من سقوط الاسد فيما أن روسيا ما تزال حليفتها المركزية، من شأنه ان يؤدي إلى التحطيم التام لما تبقى للقوة العظمى القديمة في المنطقة. والنتيجة: في الفترة الاخيرة ينسق بوتين المواقف بقدر أقل فأقل مع السوريين، على الاقل بالنسبة للماضي. وحتى عندما تطلب دمشق المزيد من السلاح من الأنواع التي قد تثير احتجاج الغرب، فان موسكو لا تستجيب.
من جهة اخرى، فان التنكر التام وترك عائلة الاسد وتوابعها لحالهم كفيل بان يؤدي إلى استنتاج اقليمي بان الروس لا يمكنهم، او لا يريدون، الوقوف إلى جانب حلفائهم. على خلفية هذه المعضلة، بين الحاجة إلى الوقوف مع المنتصرين وبين الولاء كعنصر قوة استراتيجي، فان الروس والاميركيين يعملون بتوسع على حل وسط.
ذات المحفل الغربي الذي التقى بوتين قبل بضعة اشهر، سمع منه تلميحا بالحل الوسط المحتمل: لن نوافق على الحديث عن قرارات بالنسبة لسورية، قال له بوتين ظاهرا، الا اذا اتفق كيف ستبدو سورية الجديدة. وبتعابير اخرى، الخيار اليمني. تنحية الرئيس القائم وربما عائلته القريبة، ولكن الحفاظ على دوائر القوة الاساسية. في حالة اليمن، كان هذا حلا مريحا للاميركيين. في الحالة السورية، سيكون هذا جيدا لموسكو.
"النيويورك تايمز" أفادت أمس بان المفاوضات بين اوباما وبوتين في هذا الشأن توجد في مرحلة متقدمة. انذار روسي أخير للحكومة السورية، يحذرها من انضمام روسي لقرار لمجلس الامن يوافق على استخدام القوة، كفيل بان يؤدي إلى ان تصفي دوائر داخل النظام، بل وربما داخل الطائفة العلوية، الاسرة الحاكمة الاسدية بنفسها. أو أن هذا هو الأمل على الأقل.
وفي نظرة أوسع، فإنه يوجد شيء ما يعطي صداه في هذه المداولات. مصير سورية التاريخي يتقرر باتفاق فرنسي – بريطاني، والان يأتي الاميركيون والروس ويقتسمون مرة اخرى جلد الدب. في العراق، النظام أسقط بالحراب الاميركية، والقذافي ما كان ليسقط على ما يبدو بدون الناتو. الربيع العربي هو أيضا ربيع ألعاب القوى العظمى القديمة، واذا لم تحسم الوحشية في دمشق، فإن اللعبة الكبرى لموسكو وواشنطن سترسم الخريطة.

التعليق